Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العش" فيلم إنجليزي يكشف أوهام الطبقة المتوسطة

تعرضه صالات القاهرة بعد فوزه بالجائزة الكبرى في مهرجان دوفيل 2020

من الفيلم البريطاني "العش" (الموقع الإعلامي للفيلم)

يبدو "أفيش" الفيلم الإنجليزي "العش" The Nest الذي بدأ عرضه اخيراً في الصالات المصرية، بعد مشاركته في مهرجان ساندانس ومهرجان دوفيل الذي حصد جائزته الكبرى، جذاباً، بإحالته إلى زمن مضى، وفي تركيزه على علاقة الثنائي "روري - أليسون"، علاقة لا ينقصها الحب، كما تُبيّن لنا الصورة، لكنها تعاني خللاً ما، تُفصح عنه المرايا شبه المُقعرة. أو لعله القلق الذي ينبعث من نظرة الزوجة، والدلالة الهشّة بالطبع لكلمة "عش"، عنوان الفيلم. من كتابة شون دركين وإخراجه، ومن بطولة جود لو في دور الزوج "روري أوهارا"، وكيري كون في دور "أليسون"، إضافة إلى الابنة المراهقة سمانثا (أونا روش)، والابن "بِن" (شارلي شوت ويل).

يرتبط الأربعه بمصير واحد، أسرة تخضع لإرادة الأب "روري"، شخصيته مُتقلبة وعنيدة، وصمت الأم "آل" التي تشعر بأن هناك شيئاً سيقع، تستعد له لكنها لا تستطيع إيقافه، كي لا تفقد زوجها.

تسيطر العتمة على معظم مشاهد "العش"، مخلفة شعوراً بالاختناق لدى المشاهد، يماثل شعور الأبطال. بداية، الأسرة في مدينة نيويورك، حيث تعمل الزوجة مُربية للأحصنة، والأب مع الولدين طوال النهار في انتظار عودتها، الحياة شبه طبيعية، وربما رتيبة. يتكرر مشهد صباحي لـ"روري" يوقظ زوجته، يقبلها على جبينها ويقدم القهوة، قبل أن تنطلق إلى العمل. أيضاً، في البيت النيويوركي الذي تريد الزوجة أن تصدق أنه عشها السعيد، وفي أوقات لهو الأب مع أولاده، يتكرر استخدام اللقطات القريبة، عند إحاطة الكاميرا بجسد الممثل جود لو، وبعد قليل، نفهم المغزى من هذا الاستخدام. ففي صباح مختلف يوقظ روري زوجته، ليخبرها أنه حصل على وظيفة جيدة جداً في لندن، في شركة عمل لديها سابقاً، والفرصة مواتية ليثبت نفسه، لينطلق نحو السماء، يقول إنه لم يعد يتحمل الحياة التي يعيشها هنا. تعترض الزوجة المرهقة: "لكن وضعنا جيد"، "وضعنا جيد، صحيح؟" غير أن روري وقد اتخذ قراره، إن عليها إما أن تلحق به مع الأولاد، أي أن تقبل بهذا التغيير العاصف للحياة، أو تبقى.

الحصان الأسود

ترتبط "آل" بحصان أسود هو "ريتشموند"، يطيعها بقدر ما يتمرد، جذاب عصبي وعنيد، يجعل المخرج شون دركين منه، رمزاً مزدوجاً لشخصية "روري" من جانب، بطموحه وصلابته وجاذبيته، ومن آخر رمزاً لحدس باطني عميق عند "آل"، لا يستريح لخطة روري، ويبعث لها بإشارات خفية، بأن عليها الانتباه. لا يمنحنا الفيلم في النصف الأول أي معلومات، حول التاريخ السابق من علاقتهما، هل جرّبت آل مثلاً زوجها في مغامرات شبيهة، وشهدت فشله، وبالتالي تُفضل الاعتماد على نفسها الآن تماماً لإعالة الأسرة؟ لا يرد الفيلم، على الأقل ليس مباشرة، والمطلوب منّا الانتباه مثل "آل" إلى الموقف الحالي، ومتابعته، لأن المستقبل يحمل الإجابة الوحيدة عن الماضي.

تُضطر آل عكس قناعاتها إلى اتباع خُطى زوجها إلى الجزيرة شبه المعزولة قرب لندن، حيث ينطلق كل صباح إلى عمله، وعليها أن تتعامل مع ولديها، التحديات النفسية التي يواجهانها، وريتشموند المُنتزع من بيئته، يصبح عليلاً أكثر فأكثر. روري نموذج للأب الغائب، حتى قبل هذا السفر.

على هذه الجزيرة، تُقيم الأسرة في ما يشبه القصر، بيت واسع جداً استأجره الزوج، ونفدت أمواله قبل أن يستكمل تأثيثه، والنتيجة فراغ موحش. تستولي العتمة على الصورة داخل هذا العش تماماً، ما يُحيلنا بشكل مقصود إلى أفلام الرعب. يخاف "بِن" من المكوث وحيداً في غرفته، تشعر الأم بأن هناك أحداً يشاركها العيش، تتطرف شخصية الابنة المراهقة سمانثا، فتدخن وتدعو الأصدقاء إلى البيت، من دون أن تبالي بمشاعر أحد. بينما يغيب روري في عمله؛ الذي ليس سوى محاولات يائسة لإقناع صاحب الشركة ببيعها وضمها لمجموعة مالية أكبر، العرض الذي يبني عليه أحلامه، قبل أن يتأكد من إمكان تحقيقها.

أحلام الصعود

يُشبه "العش" الأفلام المأخوذة عن الروايات، في ميل مخرجه إلى تشييد عالم واسع. علينا الانتظار قليلاً، لنعرف أن "العش" ليس مأخوذاً عن رواية، وهذا العالم الواسع، في الحقيقة ممتلئ بالفجوات. نتذكر فيلم "الطريق الثوري" Revolutionary Road ( إنتاج عام 2008، إخراج سام ميندز، بطولة لينارديو دي كابريو وكيت وينسلت)، يحكي أيضاً عن زوجين في لحظة نزاع. وإن كانت الدراما هنا أقل، والحوار أيضاً، والزوجان يختلفان عن مثيلهما في الطريق الوعرة، في تشاركهما طموحات الثراء المادي، ففي فيلم سام ميندز، التحدي النفسي بين الزوجين أكبر يتغلب عليهما ويدفعهما إلى الحافة.

 في "العش" ليس ثمة حافة، بل نوع من التوَهان في دائرة. سرعان ما يواجه روري مصيره، بعد أن يرفض صاحب الشركة بيعها، ويخاطبه مُديره القديم، معدداً الفروق بينهما في نظام العمل. هو يريد أن يبنيها ويصبر لتتحقق الأرباح، أما روري فيريد ربحاً سريعاً ونهائياً، بالتالي يخسر كل شيء. إنه يتمسك بالحلم الأميركي الذي عايشه في نيويورك، ويصر على استيراده إلى لندن. كان روري يقول لمَنْ يلتقيهم في طريقه: "المواطن الإنجليزي يريد أن يعمل في مركز محترم، أما الأميركي فيريد كل شيء، أريد أن يعرف الإنجليزي أنه يستطيع امتلاك كل شيء". كلمات تفتن مُستمعيه، وروري يحتاج إلى أن يكون مركزاً لفتنة الآخرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتزامن ذروة الدراما، إذا كان ثمة ذروة وفقاً لأسلوب الفيلم نفسه، مع مصير "ريتشموند" الرمز الذي يُفرط المخرج في استخدامه، للدلالة على العطب الداخلي في شخصية روري. طوال الشريط السينمائي تتابع الكاميرا جود لو، مركز الجاذبية السينمائية، في صعوده وهبوطه الدرج حتى اللحظة التي يلتقي فيها بوالدته، ويَبين لنا شيء من الجرح النرجسي الذي يدفعه إلى محاولات إثبات نفسه، التي تنتهي إلى الفشل.

أما "آل" أو الممثلة كيري كون فالكاميرا تحافظ على مسافة معها، هي التي باحترافية تتغير ملامح وجهها كُلياً من مشهد إلى آخر، كاشفةً بالصمت عما يدور داخلها، عجزها عن التصرف، نبلها، واستعدادها لتقديم شيء ما قرباناً للاستمرار. ريتشموند في النهاية يحقق رمزياً لها هذه الحاجة.

توشك الأزمة على تحطيم العُش تماماً. لكن الفيلم، الذي يمكن اعتباره بلا شك أحد أهم الأفلام المُعبرة عن الطبقة المتوسطة في كل زمان ومكان- والتي مثل اسمها تُفضل الاعتدال في كل شيء ولا تتمادى حتى في ثورتها- لا يصل بالدراما إلى أكثر من ذلك، ويلتزم بما يحدث في الواقع. فالعاصفة لن تُحطم العش، مع أنها تهزّه بقوة، والأسرة التي نعرف في الجزء الأخير خصوصاً، تاريخ شتاتها في الماضي، لن تتفكّك بسهولة، ليس لأنها إرادة أفرادها، بل لأن في العالم المخيف في الخارج، والمخيف أكثر في الداخل، لا مكان آخر لهم.  

المزيد من سينما