Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أي "موديل" أميركي للدولة العظمى والعالم؟

أبراهام لينكولن الذي ربح الحرب الأهلية ومنع انفصال الجنوب عن الشمال وحرر العبيد كان مدنياً لا جنرالاً

سيناريو الورطة الدستورية في أميركا كان على الشاشة قبل أكثر من سنة. الرئيس دونالد ترمب كرر في كل المناسبات أنه يتوقع "تزوير" الانتخابات و"سرقة" فوزه، رافضاً الاعتراف بالنتائج "إلا إذا ربحت"، وهاجسه كان كثافة التصويت، خصوصاً تصويت السود والفقراء والشباب، إذ حذر ناخبيه أنه في مثل هذا الوضع "لن تروا جمهورياً منتخباً في البلاد ثانية".

لكن ما يحدث بعد الانتخابات وحيازة المرشح الديمقراطي جو بايدن 306 أصوات في الكلية الانتخابية، ونحو 88 مليون صوت شعبي، مقابل 232 لترمب ونحو 72 مليون صوت شعبي، يبدو أخطر على أميركا والديمقراطية من التوقعات والتحذيرات، وكل ما في أميركا يهم العالم، الذي يراقب ما يحدث بارتياح من جهة وقلق من جهة أخرى.

السلطويون فرحون، "رفض ترمب الاعتراف بنتائج الانتخابات هدية للأوتوقراطيين في كل أنحاء العالم"، كما قال مايكل ماكفول السفير الأميركي السابق لدى روسيا. وأحاديث التزوير في الدولة العظمى تطرب آذان الحكام الذين يزورون النتائج، إذ يبدو ترمب من زملاء لوكاشتنكو ومادورو وروبرت موغابي، الذين انتقد مايك بومبيو "تنصيب أنفسهم" رؤساء ضد ما أراده الشعب في انتخابات بيلاروس وفنزويلا.

ويرى ايفان كراستيف مدير معهد العلوم الإنسانية في فيينا أن ترمب "صنع موديلاً للشعبويين في أوروبا وكل مكان"، أما حلفاء أميركا الديمقراطيون، فإنهم قلقون حيال الديمقراطية الأميركية وحيال النظام العالمي، إذا فقدت أميركا وزنها أو دخلت في فوضى، وليس ما يراهن عليه السلطويون سوى ما يخشاه الديمقراطيون، أن تجد الـ"سي إن إن" نفسها تضع للأخبار الداخلية عنوان "الولايات المنقسمة الأميركية"، حتى عناوين الكتب الجديدة، فإنها معبرة جداً، كتاب عزرا كلاين "لماذا نحن مُستقطبون" وكتاب كولين وودوارد "أمم أميركية".  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأخطر ما في الورطة الدستورية أن الدستور لم يحدد مخرجاً واضحاً منها. إذ ينقل بارتون جيلمان في "أتلانتيك" عن خبراء دستوريين بينهم الباحث القانوني لورنس دوغلاس أن "دستورنا لم يضمن الانتقال السلمي للسلطة بل افترضه" بشكل طبيعي. فليس في تاريخ الرئاسة منذ 230 سنة رئيس أصر على رفض التسليم بالخسارة كما يفعل ترمب. وهو مستمر في الرفض على الرغم من فشل الموجة الأولى من الدعاوى القضائية، التي تلتها الموجة الفوضوية عندما تظاهر أنصار ترمب. فالرجل، كما تقول ماري ترمب ابنة شقيقه في كتاب "الكثير جداً غير كاف" تعلم من والده أن "العالم مبارزة موت أو حياة بين الرابحين والخاسرين".

وهو، كما ينقل بوب وودوارد في كتاب "غضب" عن دان كوتس المدير السابق للأمن الوطني، "لا يعرف الفارق بين الكذبة والحقيقة، ويرى أن الكذبة ليست كذبة لأنها تماماً ما يفكر فيه"، فضلاً عن أن ترمب الذي يجمع في وقت واحد "النرسيسية واضطراب العقل"، حسب ما نقلته "أتلانتيك" عن خبراء نفسيين، خائف من فقدان الرئاسة، لا فقط كطفل خائف على لعبته، بل أيضاً كرجل أعمال تلاحقه تحقيقات ودعاوى في نيويورك بعد فقدان الحصانة الدستورية التي تعطى للرؤساء في المنصب.

ذلك أن معركة الانتخابات لم تنته بعد بالنسبة إلى ترمب، فالانتخابات الأميركية معقدة، لا بسيطة مثل الانتخابات في أي بلد. في المرحلة الأولى التي انتهت يصوت الناخبون، لا للمرشحين بالأسماء، بل لمندوبين يتولون هم التصويت يوم 14 ديسمبر (كانون الأول). عدد هؤلاء 538 هو بالطبع عدد أعضاء مجلسيّ النواب والشيوخ، بالإضافة إلى ثلاثة أصوات للعاصمة واشنطن دي سي، التي لا تمثيل لها في مجلس الشيوخ، لأنها مفصولة عن ولاية واشنطن وليست ولاية. وحتى 8 ديسمبر، فإن أي خلاف على تعيين المندوبين أو تغيير في ولاء بعضهم الحزبي يعطي مجالس الكونغرس في الولايات سلطة تعيين المندوبين لكل ولاية. وهنا تدخل السياسة، وعلى هذا يراهن ترمب. فضلاً عن أن المحكمة العليا في دعوى "بوش آل غور" حكمت بأن "الولاية تستطيع أن تستعيد سلطة تعيين المندوبين". واللافت أن رئيس هيئة الأركان المشتركة أعلن أن القوات المسلحة "تقسم يمين الولاء للدستور، لا للملك".  

والعاصفة التي كانت تتجمع منذ مدة صارت الآن كاملة. وما دمرته حتى الآن كثير. والحاجة إلى وقت وجهود كبيرة لمعالجة آثارها حتى بعد رحيل ترمب. ومن يراهن على حرب أهلية سيصطدم بأن "الدولة العميقة" أقوى منه وأن القوات المسلحة لن تسمح بأن تصبح أميركا "أميركات". وأبراهام لينكولن الذي ربح الحرب الأهلية ومنع انفصال الجنوب عن الشمال وحرر العبيد كان مدنياً لا جنرالاً، ولن يستطيع ترمب تحقيق شعاره "أنا رئيس أو أدمر الاتحاد".  

المزيد من تحلیل