Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لجان المقاومة السودانية بين الشرعية والتجاذب

تحاول ممارسة النقد الصادم على الحكومة والأحزاب ويتخوف الشارع من أن تتحول إلى مسلحة

تعتمد المقاومة السودانية على استراتيجية الاحتماء بالشارع (اندبندنت عربية - حسن حامد)

خلقت لجان المقاومة السودانية تحولاً في الممارسة السياسية من مساءلة النظام السابق قبل ثورة 2013، التي قمعت في مهدها، ثم الطعن المتواصل والعلني على شرعيته والخروج عليه في ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018. وبعدها تحولت من ذراع مساندة للحكومة الانتقالية إلى معارضتها، وظهر ذلك في تنفيذ التظاهر المطلبي، ووقوفها في الحالة الثورية التي تنسجم مع طبيعتها غير المنضوية تحت تنظيم سياسي معين، على الرغم من قربها من قوى يسارية داخل تحالف قوى الحرية والتغيير.

وبإعلان الحزب الشيوعي خروجه من قوى الحرية والتغيير، وأنه بصدد تكوين تحالف مع (الشارع) السوداني، فإن الأنظار اتجهت إلى تآلف الكيانين، مع وجود احتمالات أخرى هي استعصام لجان المقاومة، بوضعها المتمدد في الشارع من دون قانون ينظم عملها، ومن دون أن تنجح الحكومة الانتقالية في ترويضها سياسياً.

كيف تكونت؟

تكونت لجان المقاومة السودانية عام 2012، بعد وصول الأحوال الاقتصادية إلى نقطة اللاعودة إثر انفصال الجنوب، وذهاب 75 في المئة من نفط السودان إليه. وبرزت توقعات بأن الحال ستتحول من سيئ إلى أسوأ، وهو عكس ما كان يبشر به النظام السابق، وساق به الناس سوقاً إلى إكمال عملية الانفصال. وإذا كان هناك موضوع تمركز فوق طبقة النقد فهو إنشاء هذه اللجان، باعتبارها حركة شعبية لمقاومة النظام السابق. وهي نابعة من الإرث السياسي للمقاومة السودانية التي بدأت مع مقاومة الاستعمار البريطاني في السودان، ومن بعده مقاومة النظم الديكتاتورية التي انتهت بثورات شعبية وفترات ديمقراطية قصيرة، وفي عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، كون لجان الاتحاد الاشتراكي التي انتشرت في أحياء المدن والقرى في أنحاء السودان لمقابلة لجان معارضة لنظامه. كما نشأت المقاومة في جنوب السودان من أجل تقرير مصيره، مكونة من بذرة حركة مقاومة متمردة ومسلحة بقيادة جون قرنق دي مبيور إلى حركة شعبية كبيرة بقسمين هما الحركة والجيش الشعبي، وتحالفت هذه الحركة على طول تاريخها ومعاصرتها لحقب حكم متعددة مع أحزاب المعارضة الطائفية والحزب الشيوعي، ما عدا الحركة الإسلامية، لكنها وصلت إلى مشاركتها في حكم السودان، ثم الانفصال، وبالخصائص نفسها مع اختلاف طفيف في الدواعي، نمت بذرة المقاومة في مناطق جبال النوبة وشرق السودان.

ونزلت لجان المقاومة إلى الشارع أول مرة في احتجاجات سبتمبر (أيلول) 2013، لكن جرى قمعها بواسطة قوات الأمن الشعبي، وهو جسم مواز لقوات الأمن من أعضاء الحركة الإسلامية، كان نظام البشير يستعين به للتجسس على المواطنين، والتنكيل بهم وفصلهم من عملهم وقمع أي بوادر معارضة له، ثم وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018، التي ذاع فيها صيت هذه اللجان، ونسب إليها الفضل في نجاح الثورة، إلى أن ظهر "تجمع المهنيين السودانيين" من تنظيمات نقابية، وتسلم زمام المبادرة بتحسين الأجور ورفع الضائقة الاقتصادية عن كاهل المواطنين، وصولاً إلى إسقاط النظام.

تسويق الفكرة

على الرغم من تجاوز الفاعلين الأساسيين محطة المقاومة والثورة، فإن هذه اللجان تتمسك بها. وطرحت الحكومة الانتقالية قراراً بضرورة شرعنة مهام هذه اللجان، وتحويل اسمها من لجان المقاومة إلى (لجان التغيير والخدمات)، لتقنين مسارها وسد الفراغ الإداري والخدمي في الخدمة العامة، ليقتصر عملها على الأحياء والقرى والأسواق الشعبية.

وبدأت بالفعل الاستجابة لهذا التغيير بحماية المستهلكين وعمل المخابز وتوزيع الوقود، لكن غلبت الصفة الثورية على الخدمية، فقد ظلت هذه اللجان في حالة هجومية ورافضة كي لا تغادر محطة الممانعة وما تزينه لها بعض القوى بالصمود. وأصبحت حالة هذه اللجان ملتبسة تمارس عملها بطريقة خاطئة من واقع كونها مع الحكومة وضدها في الوقت ذاته.

وكانت مرحلة الانتقال الأولى لهذه اللجان من المقاومة السلمية الشعبية إلى المقاومة السياسية. ليس هذا فحسب، بل إن هذه اللجان استخدمت شعار المقاومة، بغية تسويق فكرة التقارب بينها وبين مقاومة اليسار في النطاق السوداني، لكن عندما وجدت محدودية جاذبية المقاومة بصفة اليسار، ركنت إلى الشارع، وقد كان الشيء الوحيد الذي حمى هذه اللجان حتى الآن.

ليس هذا فحسب، بل إنها نالت من الاهتمام المتصاعد ما لم تنله الأحزاب السياسية، لكن لم يكن تسليط الضوء عليها بهذه الدرجة في مصلحتها؛ إذ إنها حارت بها السبل بين أن تكون مستقلة عن أي ممارسة سياسية، بأن تظل بعيدة عن الأحزاب، وبين أن تكون رافعة شعبية للحكومة الانتقالية تساندها في بعض الأعمال، وبين أن تظل من دون تنظيم حتى تخترق من قبل لجان مضادة للثورة على رأسها لجان التيار الإسلامي.

احتماء بالشارع

أما مرحلة الانتقال الثانية لهذه اللجان، فهي من استراتيجية المقاومة السياسية إلى استراتيجية الاحتماء بالشارع في إطار الدفاع عن نفسها وعن نفوذها الذي اكتسبته منه. وكي لا تفقد موقعها برهانها على الشارع، فقد بقيت في منطقة وسطى بينه وبين كونها أداة لتحقيق مصالح حزبية.

ويتوارد إلى الشارع السوداني قلق من أن تتحول هذه اللجان إلى مقاومة مسلحة؛ إذ إنها ما فتئت تربط نفسها باستمرار شرعية المقاومة، ما دامت الحكومة الانتقالية لم تلب أهداف الثورة، وربما تتحول إلى مقاومة مسلحة تؤدي إلى عسكرة المجتمع، والخوف من أن يتحول هذا المسلك إلى عنف ضد الشعب ذاته عوضاً عن السلطة. كما أنها من الممكن أن تجبر مؤسسات الدولة على التعبير عن نفاد صبرها من سلوكها واحتكارها سلطة الشعب وتطبيق قانونها الخاص بعيداً عن شرعية الدولة.

وقد برزت عدة مظاهر لذلك، مثل مداهمة لجان المقاومة بأحد أحياء الخرطوم الطرفية لوليمة غداء خاصة كان عضو مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي ضمن حضورها بصفته الشخصية ونعته أفراد من هذه اللجان بألفاظ عنصرية، ومارسوا العنف اللفظي ضد المدعوين أيضاً. وتوجد أيضاً حادثة اقتحام هذه اللجان بمدينة عطبرة لجلسات قراءة القرآن عقب إفطار صيام جماعي بشبهة أن أعضاء هذه المجموعة ربما كانوا ينتمون إلى حزب المؤتمر الوطني الحاكم السابق. وهذا السلوك يعكس أن هذه اللجان تعدت موقعها بخلط مسؤوليتها العامة غير المشرعة مع مسؤوليات تنفيذية أخرى.

مقاومة الإسلاميين

على الرغم من مثالب لجان المقاومة وسوء تصرفها في بعض الحالات، فإن وجودهم يملأ الفراغ للتصدي لمقاومة الحركة الإسلامية التي بدأت منذ مجيء انقلاب الإنقاذ كلجان شعبية مساندة، ثم تحول الجزء المسيس والمؤدلج منها إلى ميليشيات مسلحة باسم قوات الدفاع الشعبي، وبقي الآخر للأغراض الخدمية.

وفي عام 2013 أطلق النظام السابق تيار كتائب الظل، وهي كتائب مقاومة استخدمت العنف والرصاص ضد المتظاهرين. واكتسب وجود لجان المقاومة الحالي بعض شرعيته من هذا الدور، إلا أن بعض الأصوات ترى أن دورها العملي في التوعية الشعبية وتشجيع الشارع على الثورة قد انتهى ليحل محله الدور الرسمي للدولة لمحاسبة أعضاء النظام السابق، وغيرها من المهام.

وتخشى قوى الحرية والتغيير اختراق هذه اللجان من قبل تنظيمات عديدة، أولها اللجان التابعة للجبهة الثورية، وفي الطرف الآخر اللجان التابعة للحركة الإسلامية المتأهبة للانقضاض على الثورة بثورة مضادة، وقد توحدت من جديد في ثوب الحركة الإسلامية.

ومن المفارقات أنه في إحدى التظاهرات خرج أعضاء لجان المقاومة للاحتجاج في ذكرى فض اعتصام القيادة، مطالبين السلطة الانتقالية بتسريع إجراءات محاسبة رموز النظام السابق، والتقوا تظاهرة حشد لها الإسلاميون تندد بحكومة عبد الله حمدوك، واختلط بهم عابرو السبيل ممن لا ينتمون إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وضاع الهدف من تظاهرة اللجان بين الشعارات المتنافرة.

خروج أم بقاء؟

مني الحزب الشيوعي بفشل ذريع طوال عهد الإنقاذ لأسباب تتعلق بتركيبته السودانية، التي استغلها النظام السابق لشيطنته طوال ثلاثين عاماً، وقد كان هذا الفشل يؤكد ما يقوم به الآن، وفي إعلانه الخروج من قوى الحرية والتغيير، إشارة قوية إلى نيته قيادة المعارضة التي بدأت تتشكل من أحزاب في قوى الحرية والتغيير، إضافة إلى الحركة الإسلامية. وقبل أن يكمل الحزب الشيوعي عامه الأول في الحكومة الانتقالية، شاكياً من التهميش؛ فإن شعبيته آخذة في التراجع، لذلك اختار أن يتحول إلى المعارضة ببيان فقط، ولم يتبعه خروج رسمي أو جاد من الحكومة حتى الآن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتدرك لجان المقاومة أن حزبي الأمة والشيوعي يمارسان ذات التكتيك، فهما يريدان إظهار ضعف السلطة في فترتها الانتقالية، إذ إن هذا هو الوقت المناسب للمقايضة. كل هذا يغذي إحساسها وما ظل يزرع في روعها بأنها الأقوى وبمقدورها تغيير السلطة أنى رأت أنها انحرفت عن تلبية شروط الثورة. وتحاول لجان المقاومة ممارسة النقد الصادم على الحكومة والأحزاب معاً، وهو ليس ممكناً في بلد حديث على الديمقراطية مثل السودان.

لم يبدأ تاريخ السودان ولم ينته بقيام الثورة التي تعمل لجانها الآن على استعادة المكاسب غير الشرعية نتيجة المحسوبية والفساد في النظام السابق وإعادة توزيعها، وقد شكلت فلسفة التطهير هذه ركيزة أساسية تنطلق منها لجان المقاومة. الأمثولة التي تعلمتها لجان المقاومة، هي أنه يمكن وضع حدود لتحركات الأحزاب عن طريق اتخاذ تدابير قاسية وجذرية، فالعيش تحت نير ديكتاتورية البشير لا يمكن استبداله بالعيش تحت نير ديكتاتورية الحزب الشيوعي والأحزاب الطائفية.

المزيد من تحلیل