Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أفريقيا نحو نظام سياسي جديد

عانت القارة السمراء من الدخول المتكرر إلى الديمقراطية ثم الخروج عنها والمرجح "نظام هجين"

برزت الصين بدورها التنموي وفق مبادئ التعايش السلمي بين دول آسيا وأفريقيا (رويترز)

لطالما عُرفت الصين ببعد نموذجها المصدَّر إلى أفريقيا عن التدخل السياسي في الشأن الداخلي، وعلى هذا الأساس أُعجبت البلدان الأفريقية بتجربتها التنموية، إلا أن ذلك لم يخلُ من حال التباس وربما اختزال للتجربة الصينية، أو الدمج بين تجربة الديمقراطية الغربية والديمقراطية بخصائص صينية.

ووفقاً لذلك، بدأ هذا النوع الهجين من الحكومات الأفريقية الخارجة لتوها من النظم العسكرية، بالتشكل. وتعبر عن ذلك سمات المشهد السياسي للانقلابات العسكرية والثورات على تلك الحكومات، وعدم الثبات على نظام واحد، ما يعكس مؤشرات عدة، وهي أن التحول الديمقراطي في أفريقيا سيظل محفوفاً بمشكلات عدة، تجعل من المرجح النزوع إلى نموذج النظام الهجين ما بين المدني والعسكري.

أشكال معقدة

أحاط بأفريقيا الضعيفة والمشوشة بتاريخ من الاستعباد والاستعمار، ثم الجاذبية إلى مواردها الطبيعية، تقاطعها الطبيعي مع القوى العظمى. ونظراً إلى ذلك التاريخ، فإن السلوك الأفريقي كان يتجاوب ببطء مع هذه الدوافع، خوفاً من عودة الهيمنة عليها.

وعلى الرغم من الوجود الاستعماري لعقود طويلة، فإن ارتباط أفريقيا بالعالم الغربي ومفاهيمه اتخذ أشكالاً معقدة، خلفت ميراثاً أكثر أهمية بدعوى التبشير بالحضارة الغربية، فكانت أوروبا إبان إحكام سيطرتها على أجزاء عدة من العالم وأكبرها أفريقيا، ثم عندما أفل نجمها، كان الحضور الأميركي عبر مداخل أخرى، لكنه تساوى مع التدخل الأوروبي في النزوع نحو رعاية المصالح بسبل شتى.

ومع تفاوت دور المعسكرين وزوال الاستعمار من كل دول القارة، ثم انكفاء أميركا على نفسها، فإن القلق على المصالح في قلب القارة السمراء أو في الإقليم المحيط بها ظل المحرك الأساسي للاستراتيجية الغربية. وباستثناء دول قليلة، عانت الدول الأفريقية من الدخول المتكرر إلى الديمقراطية، ثم الخروج عنها عبر دراماتيكية إعادة تشكيل النظم السياسية.

وجاءت الأمثلة على ذلك نتيجة لما اتسم به تاريخ النضال الأفريقي ضد الاستعمار، كسلسلة المعارضة المحلية ضده التي تعلمت في الغرب، واعتمدت على طبقات سياسية ليبرالية، ناضلت من أجل الحقوق السياسية والاجتماعية لمواطنيها، لكنها في النهاية لم تتمكن من تطوير مواقف مدنية لغرسها في بلدانها. فبين أعضاء الطبقة السياسية الموسعة، عاش مناضلون كنخبة في الغرب، بينما كانت أفكارهم تميل إلى مناهضته واعتماد الاشتراكية. ولذلك لم تستطع تلك الطبقة توسيع قاعدة المفاهيم المدنية لشعوبها. وما حدث هو تحقيق الديمقراطية المؤقتة لديها، بدلاً من تطوير مواقف مبنية على الممارسة، ما خلق أسلوباً واتجاهات مضادة أعفت كل الفترات القصيرة من الالتزامات، بينما حلت محلها مباشرةً النظم العسكرية.

النموذج الصيني

بعد الانسحاب الجزئي لأميركا، برزت الصين بدورها التنموي الذي جرى الإعداد له منذ مؤتمر باندونغ عام 1955، وفق مبادئ التعايش السلمي بين دول آسيا وأفريقيا. وعلى الرغم من أن هذه المبادئ أخذت زمناً طويلاً من التردد الصيني في شأنها، فإنها في النهاية تبنتها وأدرجتها في دستورها، وكانت الرابط بينها وبين الدول الأفريقية، إذ عدتها مثالاً حياً على صراع دول العالم الثالث من أجل استقلالها عن الغرب، ومؤكدة تعزيز التعاون بين دول الجنوب والجنوب.

كانت الرسالة الصينية قوية، إذ بدأت وفق مفهوم التعاون والتشارك الاقتصادي لا العون، وهي الفكرة التي كان يتقزم إزاءها الأفارقة مع مظاهر الجوع والفقر. واصل الصينيون بعزم مشاريعهم التنموية على اعتبار أن ثقافتهم وقيمهم الكونفوشيوسية مميزة، ولا تعزز للاستغلال، بل تعظم من دور الفائدة الجماعية لا الفردية، وفق إيمان عميق بعظمة بكين.

وعلى هذا الأساس تقبّل الأفارقة الصين على أنها مختلفة، فنشأ دور الاستثنائية الصينية عندما دخلت في التنقيب وإنتاج النفط، كصورة بديلة أحاطت بموقع ومكانة أفريقيا داخل النظام الدولي. ومن خلال سعي بكين إلى ترسيخ قدمها في أفريقيا، ركزت على نمط اقتصادي وجد معارضة في بعض المواقع، خصوصاً من العمال الأفارقة الذين رأوا أن الصينيين الذين يأتون بآلاتهم وعمالتهم لا يسهمون في حل مشكلة البطالة، إنما يقدمون الخدمة من الإنتاج إلى حكوماتهم وأفراد أسرهم.

من خلال هذا السعي، ظهر البون شاسعاً بين القيم الكونفوشيوسية والطموح الصيني وتعطشها إلى الموارد وبحثها عن القوة المفقودة في أن تكون فاعلة دولياً من خلال الاقتصاد لا السياسة. ووافق ذلك بداية إحساس الدول الأفريقية بضرورة التخلص من بعض ماضيها الذي رأت أنه قد يكون سبباً في إعاقة تحركها نحو النهضة.

في الوقت نفسه، كان الحاجز النفسي بينها وبين النموذج الغربي كبيراً، فانتهجت نموذجاً سمته الديمقراطية بخصائص صينية، أو ضمن المبادئ التي تمزج بين القومية والديمقراطية والاشتراكية. وقام ذلك على أساس أن مبدأ الفصل بين السلطات على نهج الديمقراطية الغربية سيؤدي إلى الفوضى والانقسام في غالبية دول القارة المهيأة للانقسام، بينما رأت الصين في ذلك فرصة فكثفت جهودها لحماية مصالحها الحيوية.

النظام الهجين

قبل أن تظهر ملامح النظام الهجين في أفريقيا الذي أصبح خيارها في ما بعد، كان البحث عن نظام حكم جديد نسبة إلى تعثر عملية الانتقال الديمقراطي أو لصعوبة البقاء في مربعه، كما أن الدول الأفريقية جربت النظم الاشتراكية بعد خروجها من مرحلة الاستعمار مباشرة. ولكيفية التواؤم مع نوع جديد من النظم، وقفت عوائق عدة أمام هذا الخيار، ومن أكبرها وأكثرها انتشاراً النزاعات المسلحة المستمرة، والأزمات الاقتصادية، وبروز تيارات سياسية جديدة تتزعم العداء للغرب من وقت إلى آخر، حتى صعب الفصل بينها وبين الجماعات الإرهابية التي استفادت من تلك البيئة العدائية.

وفي ضوء هذه الظروف، نبعت محاولات الصين ملء الفراغ، ومحاولات إنتاج شكل سياسي جديد، لا يخرج تماماً من سلطوية الجيش، ولا يدخل بكامله في الديمقراطية الغربية، فنتج من ذلك ما يشبه النظام الصيني الذي يخضع فيه الجيش للحزب الواحد الحاكم. وزادت بكين على ذلك بتقديم برامج تدريب لبعض الجيوش الأفريقية.

وتفرض هذه التحديات إرثاً سياسياً قام على أسس اجتماعية، كان يتشكل من التجمعات التي يقودها زعماء القبائل الأفريقية. ووفقاً له، قدّم الحكم العسكري للدولة والإدارات الأهلية بين القبائل، وتقسيمها على أساس مناطقي حلاً للمحافظة على شكل الدولة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن تمدد مفهوم السلطة العسكرية حتى شمل المعارضة أيضاً، فتحولت هذه الدول معتمدة على الاستخدام المتكرر للعنف المسلح، مما نسف مفهوم الاستقرار، وهدد المرتكزات الاستراتيجية له. فرأت الدول العظمى أن الأسلوب الأمثل للسيطرة على ذلك الوضع هو محاولتها خلق شكل جديد للحماية، تمثل في التدخل عند النزاعات المسلحة بمساعدة المنظمات الدولية، ولم يكلفها ذلك رفضاً أو يكبدها معارضة للحماية التي تبذلها لمستعمراتها السابقة.

ومع أن التدخلات الجديدة من أجل الحماية وحل النزاعات كانت تأخذ زمناً طويلاً، أحاطت بها كثير من الخروقات والتجاوزات، لكنها لم تشمل حماية النظم الديمقراطية القصيرة، فتواترت الفترات بين حكم عسكري طويل وديمقراطية قصيرة، ثم حكم عسكري آخر.

الانقلاب البارد

خلق انهيار الاعتماد على الغرب هذه الحال من النظام الجديد الذي بدا متماسكاً في البداية، لكنه لم يلبث أن عاد إلى ما غرسته التجربة الاستعمارية في الاستعانة بالقوات المحلية، وتشجيع الجيش على التدخل في السياسة. كانت الخطوة التالية هي البدء في رؤية آلية تصنيف أفريقيا على شكل دولة قومية من خلال منظمة الوحدة الأفريقية والاتحاد الأفريقي حالياً، وبالرغم من ذلك صنعت كل دولة حدود اقتصاد وسياسة متمايزة، فظهر التباين بين كل دولة وأخرى، بل بين الأقاليم في الدولة الواحدة.

لم تكن هذه التعرجات مجرد سياق لظهور تطور جديد في الشكل الضعيف للدولة الأفريقية، إنما ظهرت فكرة أخرى هي "الانقلاب البارد"، على أنها بديل للانقلاب المسلح الكلاسيكي، وكخطوة نحو الانتقال الديمقراطي، التي لا بد من تهيئة الجو السياسي لها بعناصر مهمة، هي السلام والتنمية وبسط الحريات والعدالة والتوافق المجتمعي والسياسي.

وبينما ظهر إمكان تشكيل النظم السياسية بمعايير الدولة القومية، مرتبطاً بفكرة إعادة تشكيل النظام، شهد العقدان الأخيران تغيرات مهمة وأشد درامية لم تخل من بعض الإخفاقات والعقبات، تمثل ذلك في النموذج الصيني الذي لم يجد حتى الآن اعتراضاً كاملاً ولا توافقاً، إنما تُرك منساباً آخذاً مسارات عدة ومعقدة بحسب المناطق والأزمنة المختلفة.

وبطريقة أخرى، يمكن ذكر هذا التنازع في إطار وجود القارة الأفريقية خارج السيطرة الحقيقية للصين، لكن ضمن سلسلة دول متعاونة معها وممتدة غير متصلة جغرافياً بها، لكنها حاولت تشكيل هذا الوضع بتجديد بعض الأواصر التاريخية القديمة التي خدمت مشروع طريق وحزام الحرير، باعتباره حاوياً عدداً من الاقتصادات والنظم المنفصلة، أغلبها قابل للتطابق مع النموذج الصيني كل بطريقته.

المزيد من تحلیل