Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تكلفة انتخابات 2020 الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة

شهدت السنوات الماضية زيادة ملحوظة في عدد صغار المتبرعين وأهميتهم إذ بلغت إسهاماتهم هذا العام 22 في المئة من إجماليها

يتوقع أن يسجل إجمالي الإنفاق على حملات الانتخابات هذا العام حوالى 11 مليار دولار (رويترز)

سجلت التبرعات الانتخابية لحملتي المرشحَين الرئاسيين للانتخابات الأميركية دونالد ترمب وجو بايدن رقماً قياسياً لم يسجل من قبل، وهو 11 مليار دولار. غير أن البيانات التي كشفت عنها مراكز أبحاث، تظهر أن غالبيتها تأتي من فئة قليلة من المتبرعين الأثرياء ومن مناطق جغرافية محددة في واشنطن وغيرها، بخاصة بالنسبة إلى بايدن. فما تأثير المال السياسي في الديمقراطية الأميركية، وهل يمكن أن تتغير القوانين المنظمة للتبرعات الانتخابية بما يمنع التدخلات والتأثير السياسي في مسارها؟

حماسة استثنائية

من المتوقع أن يسجل إجمالي الإنفاق على حملات الانتخابات الفيدرالية هذا العام رقماً قياسياً جديداً يقارب 11 مليار دولار مع اقترابها من نهايتها، وهو رقم يزيد بمعدل النصف عما شهدته عام 2016، وضعف ما كانت عليه عام 2008 بعد احتساب معدل التضخم خلال السنوات الماضية.

وعلى الرغم من جائحة كورونا والاضطراب الاقتصادي على مدى أشهر، فإن انتخابات 2020 تشهد مستويات قياسية من التبرعات الصغيرة وسط حماسة غير عادية من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب وداعمي خصمه الديمقراطي. كما تقدم النساء أموالاً أكثر من أي وقت مضى للمرشحين السياسيين بلغت أكثر من 1.7 مليار دولار، بالإضافة إلى التبرعات الضخمة من المانحين الأثرياء.

وفضلاً عن الارتفاع الهائل في الإنفاق على هذه الحملات، إلا أن ذلك ليس المشكلة الرئيسة في نظام تمويلها في الولايات المتحدة، بل إن التحدي الحقيقي للديمقراطية الأميركية هو مصدر هذه الأموال.

أموال خاصة

تموّل الحملات الانتخابية الفيدرالية الأميركية بالكامل من الأموال الخاصة، حيث يتبرع بغالبيتها أشخاص أثرياء، فضلاً عن جهات أخرى مثل لجان العمل السياسي المعروفة باسم "باك" و"سوبر باك"، والمنظمات الأخرى المهتمة بها، كما يقوم المرشحون الأثرياء بتمويل حملاتهم الخاصة أيضاً.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لديها برنامج تمويل عام للانتخابات الرئاسية، تأسس عام 1974، ويتلقى من خلاله المرشحون أموالاً من الحكومة الفيدرالية لدفع النفقات لحملاتهم السياسية في كل من الانتخابات الأولية والعامة، إلا أن هذا البرنامج زوّد المرشحين بأموال محدودة، وفرض حدود إنفاق منخفضة للغاية لا تتناسب مع نمو احتياجات الحملات وتكاليفها المعاصرة، لهذا لم يحصل أي مرشح على أموال عامة في الانتخابات الرئاسية الثلاثة الأخيرة.

عندما ترشح بايدن مرتين سابقتين للرئاسة عن الحزب الديمقراطي، تلقى أموالاً عامة شكلت 22 في المئة من أموال حملته عام 1988، بينما مثلت نحو 14 في المئة عام 2008. أما الآن فقد كانت الأموال الخاصة مصدر تمويل كل حملة بايدن، التي بلغت 531 مليون دولار حتى سبتمبر (أيلول) الماضي، وحملة دونالد ترمب البالغة 476 مليون دولار في الفترة نفسها، وفقاً لقواعد البيانات المتاحة للجمهور التي تتعقب مصادر تمويل الحملات. 

واحد من ألف في المئة

غالباً ما توجه سهام الانتقاد إلى مجتمع الواحد في المئة عند الحديث عن عدم المساواة بين الطبقات الاجتماعية، لكن في تمويل الحملات تأتي الدولارات التي تغذي الانتخابات من جزء ضئيل من المجتمع يمثل واحداً من ألف في المئة فقط. 

ولأن القانون الفيدرالي يفرض على الحملات السياسية والأحزاب ولجان العمل السياسي (باك)، الإبلاغ عن هويات المتبرعين الذين يقدمون 200 دولار على الأقل لأي مرشح، تشير تقارير التمويل حتى نهاية أغسطس (آب) إلى أن 2.8 مليون شخص فقط، أي ما يمثل 0.86 في المئة من عدد سكان الولايات المتحدة، أسهموا بأكثر من 200 دولار، ما يُشكل في المجمل أكثر من خمسة مليارات دولار، وهو ما يعادل 74 في المئة من جميع أموال الحملة قبل شهرين فقط من موعد الانتخابات.

في المقابل، فإن 44 ألف شخص، من إجمالي سكان الولايات المتحدة البالغ عددهم 328 مليون نسمة، تبرعوا بنحو 10 آلاف دولار أو أكثر، ما أضاف نحو 2.3 مليار، في حين تبرع 2635 شخصاً بما يقارب 1.4 مليار.

مجموعات المال الغامض

لا تعكس هذه الأرقام سوى المساهمات المعلنة، لكن هناك مجموعات ومنظمات سياسية غير هادفة للربح تُنفق ملايين الدولارات للتأثير في الانتخابات من دون أن تكون مُلزمة من الناحية القانونية بالإفصاح عن أسماء مانحيها، ولهذا السبب تُسمى "مجموعات المال الغامض"، وإن كانت في الوقت نفسه تكشف عن حجم الأموال التي أسهمت بها، التي وصلت خلال العقد الأخير إلى أكثر من مليار دولار على الأقل. 

وتعد لجان العمل المشترك (سوبر باك) إحدى أشكال تلك المجموعات، إذ تُعرف بأنها لجان إنفاق مستقلة تجمع مبالغ غير محدودة من المال وتنفقها، وتقبل المساهمات من الشركات والمنظمات غير الربحية والنقابات والأفراد، بهدف تدشين حملات مستقلة لصالح أو ضد أي مرشح. ونظراً لأن لجان "سوبر باك" لا تستطيع وفقاً للقانون تقديم أموال بشكل مباشر إلى المرشحين، فهي مُعفاة من قيود جمع الأموال والإنفاق التي يجب على لجان العمل المشترك التقليدية "باك" الالتزام بها والتي تدفع مباشرة إلى حملات المرشحين في حدود معينة لا تزيد على 5000 دولار في الدورة الانتخابية الواحدة.

المتبرعون الأثرياء 

لا تمثل طبقة المتبرعين للحملات الانتخابية في الولايات المتحدة المجتمع الأوسع الذي تتعرض مصالحه للخطر في الانتخابات، إذ تشير إحدى الدراسات التحليلية الأخيرة إلى أنهم كانوا أكبر سناً وأكثر ثراءً وغالبيتهم من البيض على خلاف ما تمثله أميركا ككل من تنوع عرقي وطبقي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب المعلومات التي نشرها مركز السياسات المستجيبة على موقع "أوبن سيكريتس"، فإن الأموال التي دفعها المتبرعون من العاصمة واشنطن، وبلغت 570 مليون دولار، تزيد على الأموال التي دفعها المانحون من 20 ولاية أميركية مجتمعة. كما جمع جو بايدن 10 في المئة من أمواله من ست مناطق سكانية في كل من واشنطن العاصمة ونيويورك وضواحيها وإحدى ضواحي مدينة إنديانابوليس. 

وتكشف البيانات أن أكثر من 71 في المئة من مساهمات كاليفورنيا (1.2 مليار دولار) و75 في المئة من مساهمات نيويورك (740 مليون دولار) و65 في المئة من مساهمات واشنطن العاصمة، ذهبت إلى بايدن والمرشحين الديمقراطيين الآخرين في المجالس التشريعية، بينما ذهب ربعها تقريباً إلى الرئيس دونالد ترمب والمرشحين الجمهوريين الآخرين.

علاوة على ذلك، فإن أكثر الصناعات وقطاعات العمل إنفاقاً على الانتخابات سواء عبر أفراد أو جماعات العمل المشترك التقليدية، تمثلت في قطاعات التمويل والعقارات والاتصالات وشركات القانون والرعاية الصحية وصناعات النفط والغاز. 

صغار المانحين 

وفقاً لتقارير وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأميركية، فقد شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في عدد صغار المانحين وأهميتهم، إذ مثلوا هذا العام حوالى 22 في المئة من إجمالي التبرعات، مقارنة بنحو 14 في المئة خلال عام 2016. وهو ما يدفع بخطوة في اتجاه أكثر ديمقراطية على الرغم من أن كبار المانحين لا يزالون الأساس في نظام تمويل الحملات.

يقول خبراء مراكز رصد أموال الحملات إن المتبرعين من أشكال الطيف السياسي كافة لديهم الحافز في الوقت الحالي للمزيد من التبرعات، وأصبح صغار المانحين جزءاً مهماً بشكل متزايد. 

التأثير في الديمقراطية

أياً كان الفائز بالانتخابات الرئاسية عام 2020، فسيكون مضطراً لمعالجة الأضرار الاقتصادية والصحية العامة لوباء كورونا، ومجموعة من القضايا الأخرى ذات الأهمية الكبيرة التي تمتد من العدالة العرقية والهجرة إلى التجارة والبيئة والمحاكم.

لكن مع وجود عدد قليل من الأثرياء الذين يموّلون المرشحين السياسيين، تصبح العملية السياسية مشوهة، لأن ما يحدث بعد الانتخابات ليس مقايضة تقليدية تُدفع فيها الأموال للحصول على أصوات الناخبين، إنما عملية أوسع يُحجم فيها السياسيون عن اتخاذ مواقف تتعارض مع مصالح مانحيهم الكبار، ومن ثم يحدد ذلك ما يجب أن يبقى على رأس الأولويات التشريعية وما يجب إسقاطه من جدول الأعمال مدفوعاً بمخاوف المتبرعين.

عادة ما يكون تأثير المانحين كبيراً في القضايا التي لا تحظى باهتمام وسائل الإعلام، أكثر من تلك التي تستقطب اهتمام الناس وتمس مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية المباشرة، ومع ذلك فإن أموال الحملة تظل بمثابة بوصلة للعمل الحكومي.

لهذا قد يعمد أي من الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي إلى تغيير القوانين المنظمة للتبرعات الانتخابية بما يمنع التدخلات والتأثير السياسي في مسار الانتخابات الرئاسية، ومع ذلك فلن يكون أمراً سهلاً وسيتطلب موافقة الحزبين الكبيرين وتأييداً مجتمعياً واسعاً.

المزيد من تقارير