Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أبطال الغذاء وأوضاع اللاجئين وآثار الوباء في قلب اليوم العالمي للأغذية

تصاعدت أعداد الجوعى بعد اجتياح كورونا أرجاء الكوكب مطلع العام الجاري لتقفز إلى 600 مليون شخص

أزمة غذاء إضافية في مخيمات اللاجئين السوريين (أ ف ب)

هو اليوم الذي لا يعرف الفرق بين أشكال البشر أو جنسيتهم أو دياناتهم، وهو الغاية التي لا تفرق بين أبيض وأسود، وهو المعنى الذي إن أبحرت شرقاً أو طرت غرباً أو توجهت شمالاً أو نزلت جنوباً ستجده واحداً لا يتغير. صحيح أن الملح قد يكون زائداً هنا بعض الشيء، أو يفضل الأرز مسلوقاً هنا أو مقلياً هناك، أو يعزّ ظهور اللحوم والدواجن على مائدة في دولة ما، وتحل البقوليات محلها في بلد آخر، لكن يظل الغذاء هو ما يجمع البشر على نداء معدة واحدة، فإن شبعت استقامت الأمور ولو في مراحلها البدائية، وإن جاعت انقلب حال الكوكب رأساً على عقب.

وباء القرن

وعقب اجتياح وباء القرن "كوفيد-19" أرجاء الكوكب مطلع العام الحالي، تصاعدت أعداد الجوعى في العالم لتقفز إلى 600 مليون شخص، بزيادة 10 ملايين شخص منذ بداية العام السابق 2019، وتوقعات "منظمة الأغذية والزراعة" التابعة للأمم المتحدة شبه المؤكدة تشير إلى أن الوباء سيضيف ما بين 83 إلى 132 مليوناً إلى الرقم الحالي، وذلك اعتماداً على سيناريو النمو الاقتصادي في كنف الوباء.

بلغة الدولار

وإذا كانت وجوه الملايين من الجوعى لا تعني الكثير للبعض، لأنها وجوه غير معروفة وتنتمي إلى دول بعيدة لا تعني هذا في شيء، ولا تؤثر على ذاك في المستقبل، فإنه بلغة الأرقام تقدر الكلفة التي يتحملها الاقتصاد العالمي بسبب سوء التغذية بأشكاله من نقص الغذاء والمغذيات الدقيقة وزيادة الوزن والبدانة بحوالى 3.5 تريليون دولار أميركي سنوياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي كل سنة على مدار السنوات الـ 75 منذ تأسست "منظمة الأغذية والزراعة" في 16 أكتوبر (تشرين أول) عام 1945، يحتفل العالم بالطعام زيادة أو كفاية أو نقصاناً. وجرت العادة أن تنظم الدول والجمعيات والناشطون والأفراد سباقات ماراثون ترفع شعارات المطالبة بتأمين الغذاء للجميع، ويتم تنظيم المسيرات التي باتت تعرف باسم "مسيرات الجوع"، إضافة إلى معارض وعروض ثقافية ومسابقات وحفلات موسيقية يسلط جميعها الضوء على الغذاء والجوع.

منصات بديلة

الكوكب الذي يرزح تحت سطوة "كوفيد-19" منذ مطلع العام الحالي، ويتعرض جانب معتبر منه لبداية موجة ثانية عنيفة من الوباء، يلجأ اليوم في يوم الأغذية العالمي إلى منصات بديلة ووسائل مبتكرة للإبقاء على الاحتفال قائماً، وعلى الدعوة إلى مناهضة الجوع وسوء التغذية ونقصانها، مستمرة.

وليت الجوع ونقص الغذاء مستمرين على ما هما عليه، لكن الواقع يشير إلى أن الوضع يسير من سيء لأسوأ، ومنظمة الأغذية والزراعة تقول إن ما يزيد عن ملياري شخص في العالم لا يحصلون بانتظام على غذاء آمن ومغذ وكاف، وإن الطلب على الغذاء بدأ في الارتفاع، وتتفاقم الأزمة بتوقع وصول عدد سكان العالم مع حلول عام 2050 إلى حوالى عشرة مليارات نسمة.

أفعالنا هي مستقبلنا

الـ 7.5 مليار الذين يحيون على ظهر الكرة الأرضية اليوم موعودون باحتفالات معظمها افتراضي، وعنوانها "معاً ننمو ونتغذى ونحافظ على الاستدامة. أفعالنا هي مستقبلنا". واليوم لا يستوي أو تكتمل قيمة الغذاء الصحي المتكامل واستدامة توافره للجميع إلا بالنظر إلى ما فعله الوباء، وما يمكن لدول العالم أن تقوم به لاحتواء آثاره الحالية والمستقبلية.

أبطال الغذاء

وتشير "منظمة الأغذية والزراعة" إلى أن احتفالات اليوم تسلط الضوء على الدور المحوري للغذاء والزراعة في الاستجابة لـ "كوفيد-19". دعوات شتى تنطلق من أجل التعاون والتضامن العالميين لمساعدة الفئات الأكثر ضعفاً على التعافي من الأزمة. الدول أيضاً مدعوة لإعادة البناء بشكل أفضل من خلال جعل النظم الغذائية أكثر مرونة وقوة، حتى تتمكن من تحمل التقلبات المتزايدة والصدمات المناخية، وما كورونا إلا مثال واحد، والحل الأمثل لتقليل آثار الأزمة الحالية، والجاهزية لما هو مقبل، يتمثل في تقديم أنظمة غذائية صحية ومستدامة للجميع، مع توفير سبل عيش لائقة للعاملين في النظام الغذائي.

 

هؤلاء سواء كانوا يزرعون أم يحصدون أم يصطادون بالرغم من الظروف الصعبة، والذين يستحقون عن جدارة لقب "أبطال الغذاء" أو "Food Heroes"، يقفون اليوم على منصة التكريم، حتى وإن كان الوقوف افتراضياً.

وينضم اليوم أيضاً سفراء "منظمة الأغذية والزراعة" ورؤساء وكالات الأمم المتحدة في روما وغيرهم إلى الاحتفال. كلمة المدير العام للمنظمة شو دونيو تحمل رسائل للجميع للتضامن والتحرك من أجل ضمان غذاء صحي للجميع، ودعوات إلى التحرك لضمان تعافي الجميع من آثار "كوفيد-19"، وحصول سكان العالم على ما يحتاجون من غذاء صحي ومغذ، تأتي من بابا الفاتيكان فرانسيس ورئيس إيطاليا سيرجيو ماتاريلا والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لضمان تعافي سكان الأرض غذائياً من آثار الوباء المستمر.

معايير الكوكب الغذائية

الوباء قلب معايير الكوكب رأساً على عقب، والاحتفالات السابقة بهذا اليوم لم تخرج يوماً عن إطار "الحماية الاجتماعية لإنهاء الفقر والجوع في الريف" أو "تحسين مكونات الغذاء وعناصره" أو "وقف هدر الطعام" أو التوازن الغذائي والبدانة" أو "دور المساعدات الغذائية في أوقات الأزمات الإنسانية" أو ما شابه. هذا العام يأتي يوم الأغذية العالمي محملاً بثقل رهيب، إذ الوباء يهدد العالم بسلاح الجوع وتدني نوعية الغذاء بشكل غير مسبوق.

وقبل أسابيع، أصدرت منظمة "أوكسفام" الخيرية تقريراً حذرت فيه من أثر وباء "كوفيد-19" في تعميق أزمة الجوع في عدد من المناطق المعروفة باسم "بؤر الجوع"، وبين هذه البؤر ثلاث دول عربية، هي اليمن وسوريا والسودان. وأشارت التقارير إلى أن عدد الوفيات الناجم عن الجوع مرشح ليصل إلى 12 ألف وفاة يومياً مع نهاية العام الحالي.

خريطة الجوع في العالم

خريطة الجوع في العالم لعام 2019 تشير إلى أن 821 مليون شخص، بمعدل واحد بين كل تسعة أشخاص لا يحصلون على ما يكفيهم من غذاء، والوضع العربي على الخريطة ليس مثالياً، ففي مناسبة اليوم العالمي للأغذية تجدر الإشارة إلى أن أوضاعاً عدة انقلبت رأساً على عقب في المنطقة، بدأت بأحداث عام 2011، واستمرت على مدى العقد الماضي لتتكلل بالوباء.

الصمود الغذائي في سوريا

سوريا على سبيل المثال خسرت مواردها البشرية والبنى التحتية والمصادر التي كان يعتمد عليها المزارعون في عملهم، وبالرغم من ذلك، فكثيرون قرروا البقاء ومتابعة إنتاج الغذاء، وتنقل منظمة الأغذية والزراعة تجارب نساء سوريات اخترن البقاء وإنتاج الغذاء والصمود في وجه حرب استمرت عشر سنوات كاملة.

المسؤول في منظمة الأغذية والزراعة في محافظة حمص خليل الجاني يقول إن "كوفيد-19" غيّر العالم كله، كما الممارسات الشخصية والعملية، وبالرغم من ذلك تمكن فريق المنظمة في سوريا من مواصلة أنشطته للوصول إلى المزارعين الأكثر هشاشة، من أجل تعزيز صمودهم وتحسين وضع أمنهم الغذائي.

اليمن والزراعة

وضع غذائي بالغ السوء أيضاً يتذكره الجميع في اليوم العالمي للأغذية، تدور رحاه في اليمن، حيث تشنّ "منظمة الأغذية والزراعة" حملة تقوم على دعوة صناع القرار والقطاع الخاص والمزارعين إلى رفع الوعي حول ما يمكن لكل فرد أن يلعبه من دور لإحداث تحول في الأنظمة الغذائية لأهل اليمن. وتشير المنظمة إلى أنه بالرغم من الظروف الأمنية والوبائية بالغة الصعوبة، إلا أن جهوداً مكثفة تبذل لتحسين الوضع الغذائي هناك. والمثير للإعجاب هو أن النساء اليمنيات يلعبن دوراً إيجابياً رائعاً في الزراعة الريفية، لاسيما في ما يتعلق بالنظم الغذائية التي توفر 60 في المئة من الأيدي العاملة في زراعة المحاصيل، و90 في المئة في مجال تربية الثروة الحيوانية وعشرة في المئة من العمالة بالأجر.

 

وتطلق منظمة الأغذية والزراعة نداء في اليوم العالمي للأغذية للتضامن من أجل مساعدة السكان الأكثر تضرراً في اليمن، بخاصة الأسر التي تعولها نساء أو كبار سن أو ذوو إعاقة، وذلك من أجل التعافي وجعل النظم الغذائية أكثر استدامة وقدرة على تحمل الصدمات.

صدمات مكثفة

جانب كبير من الأوضاع الغذائية في العالم العربي للنازحين في الداخل واللاجئين لدول مجاورة أو غير مجاورة لا تسرّ، فمنظمات أممية وأهلية عدة يعلو صوتها بتحذيرات من أن "كوفيد-19" يفاقم تدني أوضاع اللاجئين السوريين الغذائية.

فالمتحدثة باسم "برنامج الغذاء العالمي" إليزابيث بيرز حذرت قبل أسابيع من أن الكساد الاقتصادي الناجم عن الوباء فاقم تدني أوضاع مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في المنطقة العربية، وهي الأوضاع التي كانت مصنفة قبل الوباء بأنها "فقر مدقع". وحذرت من أن أعداد اللاجئين الضعفاء الذين يفتقرون إلى الموارد الأساسية للبقاء في الدول التي نزحوا إليها تزيد بشكل كبير، بسبب الطوارئ الصحية المفروضة نتيجة "كوفيد-19". وقالت إن فقدان الدخل دفع عائلات اللاجئين إلى "حافة الهاوية"، إذ إن "كثيرين باتوا غير قادرين على دفع إيجارات البيوت، ويضطرون إلى اقتراض المزيد من المال، وخفض استهلاكهم من الغذاء والدواء".

الغذاء سلام

ولعل منح جائزة نوبل للسلام لـ "برنامج الأغذية العالمي" التابع للأمم المتحدة قبل أيام، خير برهان على أن الغذاء يعني السلام، وأن محور الغذاء أصبح في صلب قضية سلام العالم. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قال في حينها، "من غير المعقول أن يذهب مئات الملايين من الناس إلى فراشهم كل ليلة وهم يتضورون جوعاً، وأن تقف ملايين أخرى على شفا مجاعة بسبب جائحة "كوفيد-19"، مشيراً إلى أن "في عالمنا جوعاً للتعاون الدولي"، مثنياً على دور البرنامج الذي يعمل بمنأى عن السياسة، وفي القلب من الاحتياج الإنساني، ألا وهو الطعام. وأشار كذلك إلى التحديات المناخية المنسية حالياً، والتي سماها "تهديدات وجودية تجعل أزمة الجوع أسوأ".

 وحتى لا تسوء أزمة الجوع، فإن يوم الأغذية العالمي يوجه دعوة للتضامن العالمي لمساعدة الفئات الأكثر ضعفاً على التعافي من الأزمة، ولجعل النظم الغذائية أكثر صموداً وصلابة، حتى تتمكن من تحمل التقلبات المتزايدة والصدمات المناخية، ولتوفير وجبات صحية مستدامة بأسعار معقولة للجميع، ولتوفير سبل عيش لائقة للعاملين في النظام الغذائي.

وتعرض "منظمة الأغذية والزراعة" للمرة الأولى خرائط وأفلاماً في المسرح الروماني الشهير في روما وعلى واجهة مبنى مقرها، ونجوم العرض أبطال الغذاء الذين واصلوا الزراعة والحصاد والصيد، واستمروا في نقل ما زرعوا وحصدوا واصطادوا إلى موائدنا رغم أنف ظروف الوباء، والأوضاع الأمنية الصعبة هنا وهناك.

المزيد من دوليات