Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محمد أبي سمرا يقارب الشقاق اللبناني بوجوهه المتعددة

زمن وتاريخ وذاكرة في حال مأزومة وهويات مبعثرة تجمع بينها حروب أهلية

لبنان الذاكرة الجميلة :بريشة الرسام صليبا الدويهي (موقع الرسام)

يجمع كتاب الروائي والباحث اللبناني محمد أبي سمرا "وداع لبنان" (رياض الريس للكتب والنشر-2020) شهادات وسيراً لأشخاص من مسيحيي جبل لبنان، رووا فيها مسارات جزئية ومحطات وأوقاتاً من حياتهم العائلية والشخصية، وحوادث من التاريخ الاجتماعي لذاك الجبل وتحولاته في القرن العشرين. وهذا بحسب مقدمة الكتاب. وتؤلف الشهادات والسير هذه فصولاً أو شذرات من التأريخ الشفوي الحي للاجتماع المسيحي البلدي في جبل لبنان. وهو تأريخ جزئي وتفصيلي للاجتماع وحوادثه المحلية أو البلدية، وأنماط العمران والعيش والعلاقات والتدبير الاجتماعي والسياسي، كما يختبرها ويعيشها ويرويها الرواة في عائلاتهم وبيئاتهم، وتنعكس في تكوينهم الفردي والاجتماعي وسلوكهم.

وتنقل الروايات كيف عاش أصحابها ويعيشون انتماءاتهم وهوياتهم وزمنهم الاجتماعي المحلي، علاقاتهم وحوادثهم ونزاعات جماعاتهم وصراعاتهم، وصلة هذه النزاعات والصراعات بهويات الرواة الشخصية والعائلية وبيئاتهم المحلية، وبلبنانهم ولبنانيتهم.

وتتقصى السير والشهادات الموزّعة بين ضفتي كتاب "وداع لبنان" في فصول سبعة، الشِقاق الأهلي المحلي في مجتمع جبل لبنان في أوقات من القرن العشرين. وهو شِقاق تجتمع فيه وتتقاطع شِقاقات كثيرة: بلدية محلية وأهلية وعائلية، طبقية واجتماعية مرتبية ونَسَبيّة وعشائرية متوارثة، حزبية وعقائدية محدثة لا تخلو من أصداء الهويات الأهلية والفئوية والمناطقية الفاعلة والقوية.

"لبنانية" الطوائف

في مقدمة "وداع لبنان" يستنتج الكاتب، جامع الشهادات والسير، أن الانتماء إلى لبنان في جبل لبنان المسيحي يختلف عنه في مناطق ومجتمعات التخالط شأن بيروت مثلًا. ففي دوائر الاختلاط الطائفي يتبادل المتخالطون ما سماه أحمد بيضون مرة "خجل اللبنانيين الطائفي". أما مناطق ومجتمعات الصفاء الطائفي فلا يحتاج أهلها إلى مثل ذاك الخجل، ويعيشون على راحتهم ورسلهم، وربما غير منتبهين لطائفيتهم. ويتساوى في هذا المسيحيون والمسلمون.

لكن لبنانية المسيحيين، تختلف عن لبنانية المسلمين. وهذا الاختلاف هو موضوع "الخجل الطائفي" ومداره في مناطق الاختلاط ومجتمعه ودوائره. ويرى أبي سمرا أن لبنانية المسيحي بديهية وفطرية، أي متوارثة، ولا يداخلها سؤال ولا التباس في هويته الفردية والجمعية المجتمعية. أما لبنانية المسلمين، فعلى خلاف الأولى، أي ليست فطرية ولا متوارثة، ويداخلها سؤال والتباس وشِقاق تطاول هوية الشخص الفرد وهوية الجماعة وتختبرهما.

وظلّت الجماعات اللبنانية كلها وبدرجات متفاوتة - بحسبه -  تتبادل القلق والريبة والمخاوف الكامنة والخافتة حيناً، والعلنية المتوترة أحياناً. فالمسيحيون، الموارنة خصوصاً، لطالما كانوا قلقين وخائفين على لبنان ودولته وعلى هويتهم من المسلمين. والمسلمون كانوا قلقين وخائفين على هويتهم، ويضيفون إلى قلقهم وخوفهم الريبةَ من لبنان ودولته منذ إعلان "لبنان الكبير" في العام 1920، قبل قرن من الزمن.

صراع ومشاعر 

وانطوت نشأة الدولة اللبنانية الحديثة أو المعاصرة، كغيرها من الدول العربية المشرقية، على شيء من البرود والقسر في العلاقات بين جماعاتها، بحسب الكاتب. والجماعات الأهلية في لبنان، لم تطوِ حيرتها وقلقها في "دولة لبنان الكبير" الوليدة (1920). ولعل الإقرار العلني بهذه المخاوف والريبة، مداراتها والتحايل عليها، وتكريسها مداورة وعلى نحو موارب في أعراف أو ميثاق الدولة الوليدة ودستورها، وفي الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية، هي ميزة لبنان عن محيطه من الدول العربية.

ولم يمحُ اختلاط سنوات الخمسينيات والستينيات اللبنانية (تسميها بعض الأدبيات اللبنانية الزمن الجميل) "الخجل الطائفي" الذي كان يتواصل من خلاله اللبنانيون في المناطق والمجتمعات المختلطة طائفياً، بل ربما أجلّته وأجّجته في ما بعد.

ويكتب أبي سمرا واصفاً أبناء جيله من المسلمين الذين تراوحت مشاعرهم بين شعور بالانخطاف بصورة لبنان واللبننة في مدينة حرية الاختلاط والسفور والأهواء والتعبير وتفتح الرغبات في دوائرها البيروتية وفي ضواحي بيروت من جهة، وشعور التململ من الإنتماء إلى لبنان، أي الانتماء السياسي إلى لبنان وهويته "الوطنية" التي كانت تصلهم بصفتها صنيعة المسيحيين ولبنانهم ولبنانيتهم. "لذا عاشوا شقاقاً بين رغبتهم في التلبنن الاجتماعي والثقافي وبين نفورهم من لبنان السياسي. وحتى رغبتهم في التلبنن الاجتماعي - الثقافي كانت تنطوي على مكابدة نفسيّة وأخلاقية ناجمة عن مرتبتهم العامية في الاجتماع اللبناني، وهكذا راحوا يتلقفون صور لبنان الاجتماعي - الثقافي ويسكنونها على نحو هيامي وهوامي خلّف في أنفسهم وذواتهم ارتجاجاً وجودياً، وربى في صدورهم ضغينة دفينة، اجتماعية - سياسية على لبنان الدولة والمجتمع. كانت واحدة من العوامل التي فجّرت العنف على غاربه في الحروب الأهلية الملبننة سنة 1975".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مقارنة ومقابلة

فصول كتاب "وداع لبنان" وشهادات سكانه المسيحيين وسيرهم الفردية والجماعية والمجتمعية، يغيب عنها الشعور المتنافر للمسلمين تجاه لبنان واللبننة. وذلك لأن السير والشهادات تقتصر على المسيحيين اللبنانين فقط. ولبنانية المسيحيين لبنانيتهم السياسية والاجتماعية واحدة موحدة ومندمجة أصلاً في مجتمعهم، ومتجانسة ومتوائمة بعامة مع قيم المجتمع المسيحي وتقاليده.

أما ما كان يثير نفور المسيحي ويغيظه على وجه العموم - بحسب مقدمة الكتاب - فهو ضعف لبنانية المسلم السياسية والاجتماعية، فيما هو ينظر إليه غالباً من علياء مرتبيّة إلى صاحب مرتبة أدنى. ومن هذين النفور والغيظ ولِد الغضب والضغينة المسيحيان على المسلم وعلى نفور المسلم من لبنان السياسي وهويته. وتبيّن السير والشهادات أن المسيحيين الموارنة خصوصاً، ليسوا في حاجة إلى اختبار لبنانيتهم الاجتماعية والسياسية، ولا إلى امتحانها امتحاناً فردياً شخصياً، لا في تجارب حياتهم الفردية ولا تجاربهم الاجتماعية العامة، إلا في حال إقامتهم وعيشهم في دوائر الاختلاط أو الخجل الطائفي. لكن "الخجل الطائفي" اللبناني انفجر خلال الحروب اللبنانية المتناسلة منذ العام 1975، وانجلى عن شِقاقات لا تعدّ ولا تحصى، بين اللبنانيين وجماعاتهم وطوائفهم.

ويشير الكاتب إلى أننا نعيش اليوم، بعد مضي عقود ثلاثة على توقف الحروب الداخلية الملبننة، لنحصد ثمارها في كل منطقة وحي وشارع، عصبيات عائلية وأهلية وطائفية، عائلات وأهلاً وطوائف، أجهزة وزعماء ونواباً ومناصب للعائلات والأهل والطوائف... وفي قلب هذا كله، تحته وفوقه، تنافر علني فاضح ووقح، ودبيب فوضى شاملة وتحلل جماهيري في العمران والأشياء، في الحياة اليومية والحوادث واللغات والتعبير، وشقاقات أهلية قبلية - جماهيرية باردة ومتناسلة لم يسبق لها مثيل في تاريخ لبنان الحديث.

وفي "التأبين" نشهد لحظة التلاشي والاختفاء وربما الموت، كأنها تتمة لكتابه أو خلاصة له: "يراودنا اليوم - نحن معاصري لبنان الستينيات وحروبه الأهلية (1975-1990)، والحقبة التي تلتها وطَبَعها حضور رفيق الحريري وسياساته (1992-2005) بطابعهما، الذي راح يحتضر بطيئاً بطيئاً منذ حرب (يوليو) تموز 2006 - يراودنا شعورٌ غير مسبوق بحضوره وقوته الساحقة: لقد مُحقَ لبنان وفقد ذاكرته، وكبرنا سنواتٍ عشراً على الأقل في سنة 2020 المشرفة على نهايتها بعد أشهر ثلاثة.

كأن ما يشبه مطرقة هائلة هوت على لبنان وعلينا في هذه السنة، فأطبقت عليه وعلينا حتى الاختناق والمحق، اللذين قد يشبهان ما خلّفه محق الجراد إبان الحرب العالمية الأولى. أو كأنما فأس ضخمة هوت على الزمن والتاريخ اللبنانيين، فبترتهما عن ماضيهما كله، وجعلتهما ماضياً وتاريخاً بعيدين، نائيين وسحيقي القدم.

المزيد من كتب