Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يحيى وجدي يحصد الهواء في ديوانه "صور عائلية"

شعر يقترب من اليومي ويجعل من السخرية السوداء موقفا وجوديا

لوحة للرسام المصري جورج بهجوري (موقع الرسام)

لم تكن الإنتقالات الشعرية من مدرسة إلى أخرى مجرد تجديد عروضي، فهناك سمات أكثر عمقاً في تفسير هذه الانتقالات؛ منها مفهوم الشاعر ومفهوم الشعر ووظيفته.

من هذه الزاوية يمكن التعامل مع ديوان "صور عائلية" (دار المرايا- القاهرة) للشاعر المصري يحيى وجدي، حيث تظهر رؤيته للشعر والغاية منه في قصيدة "أرَق الشاعر"؛ التى يرفض فيها الربط بين افتقاد "رغيف الخبز" و"الجوع"، بعد أن أصبح هذا الربط مستهلكاً لا يثير المشاعر، وأصبحت هناك أنواع كثيرة من الحرمان تظهر في عيون هؤلاء الأطفال الذين "يتطلعون إلى هذه الوجبات الشهية فى الإعلانات".

إن الشاعر ينظر إلى علاقة الخبز بالجوع كنوع من التجريد الذي ينبغي أن تتخلص منه القصيدة الراهنة؛ يقول: "هل ستكتب شعراً؟ لا تكتب عن رغيف الخبز إذاً/ أرجوك/ لم يعد رمزاً للجوع ولا الاشتهاء/ لن يحرك في داخلي أي مشاعر". ثم يقول: "بشكل عام لا تجرد/ أكتب عن السجق وأوراك الفراخ الحارَّة/ عن نظرات الحرمان في عيون الأطفال/ إذ يتطلعون إلى هذه الوجبات الشهيَّة في الإعلانات/ حسدهم لمن سيحصلون عليها/ مع تربيتةٍ مِن الآباء/ هذا كله لن يكفيه ألفُ ديوان".

إن هؤلاء الأطفال المحرومين لا يرجون سوى حقوقهم الطبيعية ولا يستسلمون – بالطبع – للنزعة الاستهلاكية التى تبثها إعلانات الدعاية الدائمة. كما تشير بعض الدوال فى السطور السابقة إلى تخلص الشاعر مما يسمى المعجم الشعري الذي يستبعد بعض الألفاظ على اعتبار أنها غير شعرية، والسطور كلها بما تحمله من تناقض تعد تمهيداً لما يشيع في الديوان من أنماط المفارقة المختلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما بين الموتى والأحياء

 في قصيدة "المقابر 1"، نجد هذا التناقض: "فى الطريق المحاطة بالمقابر/ يرفع سائق التاكسي سبابته/ ويتمتم/ يقول لي: الق السلام على الموتى/ مسكين/ لا يعرف أننا لا نتبادل والأحياء أي سلام". تظهر المفارقة أيضاً بين التفكير الدائم في الموت ونسيان الحياة في قصيدة "حياتي" التي تبدأ بقوله: "أضعتُ حياتي في تخيل متى أموت"، وتنتهى بـ"هكذا فاتَني أن أموت فيكِ/ وأن أحيا معكِ".

إن الشاعر – على رغم تكرار دلالتي الموت والقبور – حريص على الحياة ويظهر ذلك فى قصيدة "صالون في قبري" التي يريد فيها صالوناً في قبره؛ لا لشىء إلا لكي تجد حبيبته مكاناً تستقبل فيه صديقاتها ويثرثرن ويسمع صوت ضحكاتها لكي تسلي أرَقه الطويل. هذه الصورة الطريفة تؤكد رغبته في تحويل مكان الموت إلى مكان حياة تعلو فيه الثرثرة والضحكات. لقد تحول القبر من مكان مُقبِض إلى مكان أليف. ولعل هذا ما يتضح في قصيدة "اختياراتنا" التي يسخر فيها الشاعر مِن رؤية الشعراء الرومانسية للبحر بـ"لونه الأزرق اللازوردي في اتصاله مع السماء"، ومن تفضيل الروائيين المدن المزدحمة والمنازل المتلاصقة. الشاعر وحبيبته على العكس من ذلك اختارا القبور؛ لأنها "ساكنة بدون مجاز/ ندفن فيها كلَّ ما نكره/ كلَّ ما نحب/ ونهرب". هكذا تتحول القبور إلى مكان للخلاص إذ يدفن فيها الشاعر كل شىء ويهرب خفيفاً متخلصاً مما يحب أو يكره، وهي رغبة تتوازى مع ما يفعله الرهبان والمتصوفة حين يختارون الأماكن المعزولة عن البشر كنوع من التطهر.

رؤية ذاتية للزمن

وفي قصيدة "حفَّارة القبور"، يتحول حضن الحبيبة إلى لحد يود الشاعر أن يُدفَن فيه: "سأتقاعد في السبعين/ وأبحث عن فتاة شابة تحبني/ وسأجدك/ ستكونين كما أنتِ/ يافعة وجميلة كأنني تركتك منذ أيام/ وسأصطحبك إلى البحر/ لتدفنينني بيديك الجميلتين/ في لحدٍ عميق/ تماماً مثل حضنك/ يا حفَّارة القبور".

لا شك أن السطور الأولى من هذا الشاهد توقفنا أمام فكرة الزمن، فالشاعر يظل – رغم بلوغه السبعين – يرى حبيبته شابة يافعة كأن الزمن لم يمر عليها، وهذه رؤية ذاتية للزمن تختلف عن إيقاعه الطبيعي. وللحرص على هذه الرؤية يكتب الشاعر قصيدة "الزمن" ويختمها بقوله: "سأكون في السبعين وأنتِ في عشرينياتك/ كما كنتِ دائماً طوال خمسين عاماً".

وهناك ما يمكن أن نسميه بالزمن التعويضي الذي يكفر عن خطايا العمر السابق، ففي قصيدة "تعويض" يقول: "أنا مطمئن/ في نهاية العمر ستكون لنا ساعة/ نحب فيها بعضنا بعضاً/ ننسى فيها كلَّ أمراضنا القديمة". ورغم أن الزمن له الغلبة فإن جمال الإنسان يتخذ صوراً أخرى؛ كأن يقول في قصيدة "إغواء": "وجهك النضر هذا/ المغوي/ سأحبه أكثر حين يتغضن بعد خمسين عاماً/ سيكون جميلاً طيباً/ أضعف من أن يقمعني عندما أُقبلك".

إن الشاعر ينأى عن الرؤية الرومانسية للحب بأماكنه الحالمة: المقاعد الطويلة في البارات، المناضد التي تتوسطها وردات المطاعم، ويفضل عليها هو وحبيبته "سلالم البنايات/ لا نصعد أبداً/ ونسعد حين يطردنا الحراس والسكان". لقد فقد الحب إيقاعه الحالم وأصبح عنيفاً؛ هكذا تنصح الأم ابنها وهي تقاتل الموت قائلة: "لستمتع بجنونها/ لا تكتف بالشِعر عوضاً على التهام أنفها/ عن ترك نفسك لها/ لا تخف يا حبيبي/ فلن تموت أبداً/ بعضةٍ في الرقبة".

وعلى عادة الفارس العربي الذي كان يفاخر بانتصاره في المعارك نجد هنا فخراً بهزيمة الشاعر أمام الحب: "لي ندبة فوق عيني/ رسمتها هراوةُ جندي في مظاهرة/ وجرحٌ قديم على ظهري/ كتبه ضابطٌ بسوطه/ لطالما أحببتهما/ الندبة والجرح/ فاخرتُ بهما الحياة منتصراً/ حتى هزمتني يدك حين شجَّت قلبي"؛ وذلك لأنه يعلم "أن المهزوم في الحب هو المنتصر". وعندما يحاول الشاعر تعريف الحب يشبهه بالسباحة التي يصبح فيها كل "غطس" رهاناً مع الموت.

والحقيقة أن ارتباط تيمة الزمن بالحب هو ملمح أساسي في الديوان بحيث يعاود الشاعر رجوعه إلى الماضي واستشراف المستقبل بغرض استكشاف طبيعة الحب، أو تغيير واقعه. ورغم هذا الخيال المتجاوز للزمن فإن الشاعر يحس بالعدمية أو أنه يحصد الهواء؛ يقول: "يوماً ما/ سنخرج إلى الشوارع فرادى وجماعات نحمل الفؤوس والمناجل/ الأولى نضرب بها الأرض فتتفجَّر الثورة/ وبالثانية نحصد الهواء". وهو ما يجعل مواكب الزفاف شبيهة بالجنازات حيث "نبكي في الاثنين أحياناً/ ونعود من كليهما وقد نقصنا واحداً"، ما يذكرنا بقول المعري: "وشبيه صوت النعي إذا قيس بصوت البشير". ولا نقول إن هذا نوع من التناص؛ بل إنه تجاوبات المعاني التي يستدعي بعضها بعضاً.

المزيد من ثقافة