الأعمال المسرحية تقتحم الشارع السوري وتكسر "الحصار" بحثاً عن جمهور واسع

عروض خرجت من ظلمات الكواليس إلى الأرصفة والحدائق والأماكن العامة

من مسرحية "عابرون" على ضفة نهر بردى (اندبندنت عربية)"

ازدادت أخيراً التجارب التي قدمها مسرحيون سوريون في الشارع، كرد فعل على همجية الحرب وعسفها، هاجرين مسارح الإطار والمنصة كمكان تقليدي للعروض، لكون الشارع بقي مكاناً مفتوحاً يختلط فيه المواطنون على اختلاف مشاربهم مع رجال الأمن المولجين فرض الحماية. ووفقاً لذلك ظل فضاءً هامشياً للفرجة العامة تخشاه السلطة، وتحرص على تأميمه وإبعاده وعزله؛ ليكون منساقاً تماماً لنظريتها عن إبقاء الجماهير في بيوتها أمام برامج التلفزيون ومسلسلاته، ليمسي الشارع موطن الحشود التي عانت طويلاً من حظر التجول!

بهذا المعنى يمكننا تسجيل العديد من التجارب التي غادرت المسارح المغلقة نحو فضاء الشوارع والمنتزهات والمقابر، وفي مقدمها التجربة التي قدمها المخرج سامر عمران في عرضه "عابرون" وهي كانت بمثابة مسرحية متحركة استقاها عمران من نص "العميان" لموريس ميترلينك مطوّحاً ممثليه في سرير نهر بردى. الخشبة التي أرادها هذا الفنان بديلاً نوعياً عن منصات المسرح التقليدية، مستخدماً الحبال وأضواء السيارات العابرة كمادة للسينوغرافيا التي صممها بنفسه، فالعرض انطلق من حديقة المعهد العالي للفنون المسرحية، ليمتد بشبكة من الحبال نحو مجرى نهر بردى.

هذه التجربة ولّدت فضاءً جديداً أكثر سماحة وبريّة، تخلص بجدية من الجدران الخشبية العاكسة للصوت؛ إذ إنه خلّص الممثل من مايكروفون الجدران؛ نحو مساحات صوتية وانفعالية تتطلب الكثير من الصدق والتصميم على اقتحام الخشبة الجديدة، وذلك من غير اللجوء أصلاً إلى عطالة كانت ستوفرها الكواليس المظلمة بردهاتها الخفيّة عن عيون المتفرجين.

اقترح عمران في هذه التجربة شكلاً ونموذجاً للمسرحية المتنقلة، التي تتطلب بدورها جمهوراً متحركاً مشاءً ومتعاطفاً، جوالاً ومتأملاً في آن. ووفق هذه الصياغة الحديثة لبنية العرض المسرحي، خرج الممثلون من الحياة المسرحية المختبئة، ليكونوا وجهاً لوجه مع ضخامة الفضاء وعبقريته، من أشجار وضفة نهر مستطيل جاف وخطر، وتحركات على شكل دروس "التكتيك" العسكرية، إضافة إلى توليد قدرة صوتية وجسدية جديدة لدى الممثل لمناشدة الحوارات المكتوبة. وكان على التجربة أن تقدم ذاتها في "حصين البحر" وعند ضريح الكاتب سعد الله ونوس، ليقطع العرض مسافة جديدة بين دروب البلدة نحو شاطئ بحر طرطوس، وليكون هذا العرض مغامرة جمالية وفكرية لمسرح شارع استعاد شرط الفرجة الأصلية، وقدم تفاعلاً غير مسبوق مع ما يسميه رولات بارت "جمهور الصدفة" أو "الجمهور العفوي".

المخرجة بيسان الشريف قدمت هي الأخرى أكثر التجارب وضوحاً في "مسرح الشارع" حيث حققت عرضاً بعنوان "صندوق الكار" كانت ساحة عرنوس القريبة من القلب التجاري للعاصمة دمشق فضاءً له. وفيه استعرضت الشريف تاريخ صناعة الحرير في بلادها، متكئة على مجسم ضخم لدودة القزّ نصبته في شارع الصالحية، جنباً إلى جنب مع تصميم لصندوق فلكلوري خرج منه الممثل الذي يدعى "حارس الصندوق" ليروي حكاية الحرفة الدمشقية العريقة، ولتتشابك عبرها سيرة تاريخ المدينة مع صراعات سياسية واجتماعية كان أبرزها فتنة العام 1860، وما جرّته من ويلات على حرفيّي صناعة الحرير الدمشقي، أدت في ما بعد إلى تناقص عدد الورش الشامية المنتجة للبروكار من ثمانين ألفاً إلى ثلاثة آلاف.

المخرجة نغم ناعسة قدمت بدورها عروض مشروعها "ومضة" في شوارع دمشق مفاجئةً الجمهور مع كل مرة تظهر فرقتها لتغني وترقص وتعزف وتنشد في جو احتفالي عبر شارعَي الصالحية والشعلان. وأنجزت في هذا السياق عرضين هما "ومضة لكل السوريين" و"ومضة للمغتربين" وفيهما عملت ناعسة على الاقتراب من الناس في أماكن نزهاتهم وعملهم، بعيداً من أي مصادرة للوعي الجماعي، بل عبر مشاركتهم طقساً احتفالياً بعيداً من أجواء الحرب التي تشهدها البلاد منذ العام 2011.

وكانت المخرجة نسرين فندي أنجزت سابقاً عرضاً لقراءة مسرحية "نهر الجنون" لكاتبها توفيق الحكيم في قارب صيد قبالة مرفأ طرطوس في العام 2015، مكملةً بذلك مسيرة العديد من العروض التي قدمتها في "خان أسعد باشا" في قلب سوق "البزورية" في دمشق القديمة، حيث استعار مسرح الشارع هنا مفهوم الأماكن البديلة، مطوّراً شكل العرض المسرحي، بعيداً من آليات تقديم العرض التقليدي "صالة- خشبة"، ما تطلب جهوداً مضنيةً ومغايرة من الممثل في هذا النوع من التجارب، والتي يمكن وصفها بالانتحارية، لكونها تعترض الشكل الاعتيادي للحياة العامة، وتشاكس السلطة وعيونها بالذهاب مباشرةً إلى الجمهور بدلاً من انتظاره في صالاتٍ معتمة.

في هذا السياق قدم المخرج والممثل نوفل حسين تجربته اليتيمة في مسرح الشارع بعنوان "صرخة" واختار لها ساحة قلعة دمشق كفضاء ضخم وكبير، كان من الصعب السيطرة فيه على ردود فعل الجمهور الذي حضر العرض عبر تنقله من خيمة إلى خيمة، مجسداً آلام المقهورين والمهمشين، وذلك من خلال الإطلالة على مشهديات من معاناة الأم العربية، وما اختبرته في مواجهة الفقر والقمع والإرهاب، لحماية عائلتها وأطفالها، مصوّراً علاقتها مع الأرض وشجرة الزيتون.

قلعة دمشق كانت أيضاً فضاء مناسباً لعرض "ألف مبروك" للمخرجة نورا مراد، التي استخدمت سراديب سجن قلعة دمشق وساحتها الكبرى، لتقديم مسرح حركيّ راقصٍ، تناولت فيه طقوس الزواج في المجتمع السوري، ليكون الجمهور وجهاً لوجه مع راقصي فرقة "ليش" التي قدمت العديد من عروضها في أماكن بديلة، خارجةً من مسارح الإطار المتعارف عليها في سورية.

استفاد الفنان المسرحي السوري من أماكن محددة من الشارع، فلم يستطع التمدد نحو ساحات رئيسة في مدنه وبلداته وقراه، نتيجة تطلبها موافقات أمنية قد تكون في غالب الأحيان مستحيلة زمن الحرب، فآثر بعض الفنانين الأماكن الجانبية والهامشية، لتقديم عروض الشارع، كما كان الحال مع المخرج أسامة حلال الذي قدم عرضه "النفق" في سرداب باب شرقي، وفيه عمل حلال على نص "جثة على الرصيف" لكاتبها سعد الله ونوس، موظّفاً المكان لمصلحة حكاية العرض، تماماً كما فعل المخرج وليد قوتلي في مسرحيته "بانتظار البرابرة" حيث جاءت هذه التجربة في ساحة صغيرة في حي المزة قبالة غاليري "آرت هاوس"، معتمدة على مسرحة نص شاعر الإسكندرية قسطنطين كافافيس، مع إضافة عناصر سينوغرافية متعددة أهمها الأزياء والأقنعة والرقص التعبيري، مع الغناء الحيّ المرافق لحركة الممثلين في الشارع؛ وصولاً إلى توليفة متصاعدة درامياً، قوامها اختبار شراكة الفرجة مع الجمهور، وذلك عبر دمجه مع اللعبة المسرحية إلى أقصى حدود التفاعل مع الممثلين ومجموعات الراقصين.

تبقى التجارب التي قُدِّمت في سورية في مجال مسرح الشارع نادرة وشحيحة، إذا ما قورنت بعشرات عروض أو مهرجانات مسرح الشارع التي تقدم في العالم اليوم، لكنها وعلى قلتها، أرسلت إشارات قوية ضد مصادرة الفضاء الخاص بالمدينة، واقتصاره على الباعة المتجولين وعيون السلطة وباعة اليانصيب وماسحي الأحذية، نحو مقترحات فنية جذبت جمهوراً عابراً، وجعلته في صميم اللعبة المسرحية، راجعةً به إلى زمن كان فيه المسرح لا يقدم إلا في الساحات العامة والأسواق، كما تخبرنا موسوعات المسرح العالمية منذ مدرّجات أثينا وروما وباريس، أيام كانت الفرق الجوّالة تطوف بعروضها بين الناس، بعيداً من مفهوم مسرح النخبة والمختبرات المنكمشة والمنطوية على نفسها.

المزيد من ثقافة