Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحمامات الأثرية في مصر إرث ثقافي على مر العصور

كانت تعد منتديات اجتماعية وإحدى وسائل الترفيه

لعبت الحمامات في القاهرة القديمة دوراً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً (اندبندنت عربية)

مقاعد من الرخام ونوافذ من الزجاج الملون وأبخرة تتصاعد وسط قاعات فسيحة تتوسطها فسقيات مزخرفة، تلك هي الصورة التي ارتسمت في أذهاننا عن الحمامات العامة من خلال الأفلام السينمائية والمسلسلات التي تتناول حقباً تاريخية قديمة، إلا أن هذه الصورة تشكل جزءاً كبيراً من الواقع الذي عاشه أهل هذه الفترة خصوصاً ممن كانوا في الحواضر الكبرى مثل مدينة القاهرة التي اشتهرت بحماماتها التي تبارى في وصفها المؤرخون وشكلت أحد أهم معالمها في ذاك الوقت.

عرف المصريون الحمامات العامة منذ أقدم العصور، فمنذ حقبة الفراعنة تواجد في الثقافة المصرية مفهوم الحمام العام، وكان التطهر شرطاً لدخول المعابد، واستمر تطورها مع توالي العصور حيث أنشأ الرومان الحمامات العامة في مصر بشكل يحمل طابعهم الثقافي واستمرت كجزء من ثقافة المصريين آنذاك، أما التطور والازدهار الحقيقي في هذا الأمر فكانا مع الحقبة الإسلامية فيها حيث انتشرت الحمامات العامة في كل ربوع البلاد، وأبدع في بنائها الحكام، وأصبحت جزءاً أصيلاً من حياة الناس لأسباب متعددة، على رأسها أولوية النظافة وأهميتها وطهارة البدن باعتبارها شرطاً أساسياً للصلاة، وكانت خصوصاً القاهرة أحد أهم معالم المدينة التي تبهر زائريها وتثير إعجاب المؤرخين الذين استفاضوا في وصفها باعتبارها ملمحاً رئيساً لثقافة الناس ولمدى التقدم الحضاري الذي كانت عليه مصر في ذلك العصر بين البلدان .

وعن الحمامات الأثرية فيها وتاريخها وتطورها، يقول الخبير الأثري سامح الزهار، "ازدهرت الحمامات في مصر خلال فترة العصر الإسلامي وكان لها دور مهم على مستويات متعددة إلى جانب دورها الأساسي، فالحمام في القاهرة القديمة ليس مجرد مكان للاغتسال، بل له دور في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فهي آنذاك تمثل ما يشبه النوادي الاجتماعية حالياً كونها مكاناً يلتقي فيه أهل الحي".

ويضيف، "خلال العصر الإسلامي كان بناء الحمامات العامة في المدن ذات الأهمية نفسها كبناء المساجد والأسبلة والأسواق فما إن استقر المسلمون في مدينة الفسطاط حتى أنشأوا حماماً أطلقوا عليه اسم حمام الفأر لصغر حجمه ليتوالى بعد ذلك إنشاؤها كأحد الرموز الثقافية للمدينة، وسبب الاهتمام بها يعود إلى أن الغالبية العظمى من الناس لم تكن لديها المقدرة على إنشائها في منازلها، إذ كان الأمر حكراً على الأغنياء الذين في بعض الأحيان رغم ذلك يفضلون الذهاب إلى الحمامات العامة باعتبارها شكلاً من أشكال المنتديات في المدينة".

حمامات القاهرة

بالطبع كانت القاهرة درة المدائن في مصر على مدار عصور طويلة وكان لمنشآتها بعض التميز باعتبارها العاصمة والمدينة الرئيسة في البلاد ومقصد المسافرين من تجار وعلماء ورحالة، لذا اتخذت حماماتها رونقاً خاصاً وطابعاً فريداً، وبوفرة أكبر، إذ انتشرت في أحيائها كمعالم تميزها كالأسبلة والتكايا والمدارس،  وعن هذا الأمر يفيد الزهار، "يقال إن أول من شيد حماماً بالقاهرة كان العزيز بالله ثاني الخلفاء الفاطميين وقد أحصى المقريزي في خططه حماماتها، وأنها كانت في حدود الـ 50 تعود للعصور الفاطمية والأيوبية والعثمانية، كما ذكر المؤرخ أوليا جلبي الرحالة التركي 55 من هذه الحمامات في كتابه (سياحة نامة)، وفي عصر الحملة الفرنسية ذكر علماؤها أن حماماتها تصل إلى 100".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أضاف، "ومع التطور وانتشار توصيل الماء إلى المنازل، أخذت الحمامات العامة في التناقص تدريجاً، وقل الاهتمام بإنشائها ودمر كثير منها، حتى أنه في الوقت الراهن لم يبقَ منها سوى سبعة تقريباً تعتبر أثرية، وهي حمام بشتاك، الحمام المؤيدي، حمام إينال، ومن العصر العثماني حمام الطنبلي، حمام الملاطيلي، حمام السكرية، وحمام العدوى".

حمام إينال

وبسبب عوامل الزمن، فإن معظم الحمامات الأثرية القليلة الباقية في مصر قد دمر أو تم إهماله بمرور السنوات، إلا أن حمام إينال الواقع في شارع المعز لدين الله الفاطمي لا يزال محتفظاً بحالته كما هي، ويعتبر لرواد الشارع أحد أهم المزارات السياحية الإسلامية في العالم، كنموذج متبقٍ لما كان عليه شكل الحمامات في ذاك العصر، بتقسيماتها من الداخل، إذ تتكون من المسلخ وهو المكان المعد لخلع الملابس، وفيه غالباً شخص مسؤول عن حفظ متعلقات الزائرين وتوزيع أدوات الاستحمام عليهم، يليه ما كان يسمى بيت أول، وهو المكان المعد لجلوس المستحم لعتاد جسمه على الحرارة قبل الاستحمام وبعده، ثم بيت الحرارة وهو القاعة الأساسية فيها حيث المغاطس والأحواض يتوسطها حوض من الرخام فيه ماء شديد السخونة، وأخيراً المستوقد الذي توقد فيه النار الضرورية لتسخين الماء.

والشخص الذي يعمل في الحمامات يطلق عليه اسم الحمامي وظيفته مساعدة الزبائن والقيام بأعمال التدليك وغيرها، عدا أن لها أغراضاً أخرى علاجية يقصدها الناس للاستشفاء، إضافة إلى أن الحمامات أحياناً كانت تقدم بعض الخدمات التجميلية مثل قص الشعر أو حلاقة الذقن.

 

 

وعن حمام إينال يقول الخبير الأثري الزهار، "يقع حمام إينال في شارع المعز لدين الله وتتكون عمارته الخارجية من واجهة واحدة فيها مدخل رئيس عبارة عن حجر غائر يغطيه عقد مدائني ذات صدر مقرنص تتوسطه فتحة باب ذات مصراع خشبي واحد، تعلوه لوحة حجرية بها نقش نصه (أمر بإنشاء هذا الحمام مولانا السلطان المالك الملك الأشرف إينال عز نصره بتاريخ شهر رجب سنة 861) وفي الداخل قاعة استقبال مربعة ذات أرضية من بلاطات حديثة، وسقف من عروف خشبية تتوسطه شخشيخة تحتوي 28 نافذة مستطيلة للتهوية والإنارة".

ويضيف، "في داخله مغطس مربع تغطيه قبة ذات فتحات صغيرة للإنارة، وفرشت أرضيته ببلاطات مستحدثة تتوسطها فسقية رخامية، كما توجد حجرة لخلع الملابس ذات مصاطب حجرية عدة مغطاة بألواح رخامية للجلوس، وفي أحد جدرانها فتحة باب صغير يفضي إلى حجرة ساخنة ذات مساحة مربعة كبيرة تغطيها قبة صغيرة من الطوب اللبن، تحوي 16 دائرة كنافذة مزينة بزجاج ملون تتوسطها فسقية حجرية دائرية فيها ماء ساخن، ويعتبر حمام إينال النموذج المتبقي من شكل الحمام وعمارته في ذاك الوقت".

أفراح واغتيالات

كانت الحمامات العامة تحوي الكثير مظاهر الحياة الاجتماعية في مصر، ومن المتعارف عليه ارتباطها بالأفراح ومناسبات الزواج، إذ يذهب العريس إلى حمام الرجال للاغتسال، وتذهب العروس إلى حمام النساء للتزين، ويخرج كل منهما في موكب وزفة كبيرين مصحوبين بالرقص والغناء والزغاريد حتى مكان الحفل، وهو مشهد لا يختلف كثيراً عما يحدث اليوم من ذهاب العروسين إلى مراكز التجميل قبل الذهاب إلى قاعة الزفاف أو مكان الحفل، وعلى جانب آخر، كانت مكاناً لعقد الصفقات بين التجار، وللأحداث السياسية باعتبارها مكاناً هادئاً مخفياً عن العيون. عن هذا الأمر يقول الزهار، "كان للحمامات العامة دور كبير في الحياة الاجتماعية للمصريين، منها ما هو مخصص للرجال وآخر للنساء، وما هو مشترك بينهما، للنساء الفترة الصباحية والرجال فترة المساء، وكان يعتبر كإحدى وسائل الترفيه، يحصل الرجال على بعض التسلية والترفيه من خلال الغناء وغيره، وللنساء التزين والحديث مع الجارات والرفيقات، مثلما يمثل بمقاييس هذا العصر فكرة النادي.

ويضيف الزهار، "كانت هذه الحمامات في زمن لا وجود فيه لوسائل أخرى للتواصل وكمصدر للأخبار يتناقلها الناس، عدا أنها مكان لعدد من الاغتيالات السياسية لأمراء المماليك، بعيداً عن الزحام والحراسة، وعن أعين الرقباء".

"اللي اختشوا ماتوا"

ارتبطت بالحمامات العامة بعض الأمثال الشعبية والمقولات المأثورة التي لا يزال يستخدمها الناس حتى يومنا هذا في مصر، وتتناقلها الأجيال حتى من دون أن تعرف أصلها أو ما هي الحكاية التي بنيت عليها، ومن أشهرها مقولة أن دخول الحمام ليس مثل الخروج منه، والمثل الشهير القائل (اللي اختشوا ماتوا)، وعن أصل هذه المقولات يقول الخبير الأثري، "ارتبطت بعض الأمثال الشعبية بوقائع حدثت في الحمامات العامة ومنها المثل الشهير "اللي اختشوا ماتوا"، والذي يعود أصله إلى أنه في أحد الأيام كانت بعض النساء في أحد الحمامات وشب حريق كبير داخله فهرع بعضهنّ للخارج عاريات إنقاذاً لحياتهنّ، بينما بقيت أخريات إذ شعرن بالخجل من الخروج بهذا الوضع، وأتى عليهنّ الحريق، فأصبحت هذه القصة مقولة يتناقلها الناس عند الحديث عن أشخاص تجاوزوا حدود الأدب". ويضيف، "المقولة الثانية ( دخول الحمام ليس مثل الخروج منه)، وهي شائعة في المجتمع المصري حتى الآن وتعود إلى أن أحد الأشخاص أنشأ حماماً جديداً ولتشجيع الناس على التردد عليه، أعلن في أحد الأيام أن الاستخدام مجاني، وعندما انتهوا من الاستحمام وأرادوا الخروج طلب منهم دفع النقود، وقال لهم هذه العبارة إن دخول الحمام ليس مثل الخروج منه، لتبقى مستخدمة حتى الآن كمشكلة بدايتها لم تكن تنبئ بنهايتها".

المزيد من منوعات