Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تفهم رسائل أنقرة "المتضاربة" تجاه القاهرة؟

يرى مراقبون أن الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجه أردوغان تدفعه إلى التقارب مع مصر وغاز المتوسط وليبيا خير دليل

تجاهلت القاهرة إشارات أنقرة للتقارب والحوار لا سيما في ملف غاز شرق المتوسط (أ ب)

بين المُغازلة حيناً، والتشدد أحياناً أخرى، والتباين في تصريحات المسؤولين الأتراك، تتأرجح مواقف أنقرة تجاه القاهرة، بشأن الملفات المحلية والإقليمية والدولية المتداخلة بين العاصمتين أخيراً، وذلك بالتوازي مع تطوراتها المتسارعة، بينما تبقى مصر متمسكة بسياساتها المبنية على رفض النهج التركي "المزعزع الاستقرار والساعي إلى التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، والمفتقر للمصداقية"، على حد وصفها.

وخلال الأيام والأسابيع الأخيرة، أبدت أنقرة في أكثر من مناسبة مؤشرات للتقارب مع القاهرة، لا سيما رغبتها في التحاور مع مصر بشأن ملف غاز شرق المتوسط الحيوي والاستراتيجي للبلدين، والإشادة بالجيش المصري في ضوء الأزمة الليبية والجهود الإقليمية المتواصلة للدفع بحل سياسي. لكن، سرعان ما تعود "تصريحاتها العدائية" إلى الواجهة، وهو ما أرجعه مراقبون ومصادر سياسية مصرية، في حديثهم إلى "اندبندنت عربية"، إلى "تجاهل القاهرة رسائل أنقرة بالتقارب، بعد سنوات كثف فيها النظام التركي عداءه تجاه مصر".

ومنذ 2013 يسود التصعيد علاقات البلدين، التي جُمّدت إثر إطاحة الجيش المصري الرئيس المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، حليف أنقرة، من الحكم بعد احتجاجات شعبية واسعة، وبينما ترفض تركيا الاعتراف بأوضاع ما بعد الثالث من يوليو (تموز) من العام ذاته في مصر، صنفت الأخيرة جماعة الإخوان "إرهابية"، وفرَّ عدد كبير من قيادتها إلى تركيا. ومنذ فترة، ارتفعت وتيرة التوتر بين البلدين؛ إذ تتباين مواقف كل منهما إزاء عدد من القضايا الإقليمية، مثل الأزمة في ليبيا ومكافحة الإرهاب والتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط.

سد النهضة أحد سجالات القاهرة وأنقرة

بعد حديث مباشر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن عدم مُمانعة بلاده "التحاور مع مصر، وإمكانية عقد اتفاق معها بشأن التنقيب عن الغاز في منطقة البحر المتوسط وترسيم الحدود البحرية بينهما"، فضلاً عن تلميحه إلى "مباحثات استخباراتية بين البلدين"، وما سبقه من تصريحات مماثلة لوزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو بـ"ضرورة عودة العلاقات بين البلدين"، فضلاً عن دعوة مستشار أردوغان ياسين أقطاي لـ"التوافق"، بغض النظر عن أي خلافات سياسية قائمة، عاد الأخير قبل يومين لانتقاد الموقف المصري في ليبيا، التي تكثف جهودها الدبلوماسية أخيراً للدفع بالحل السياسي في الجارة الغربية عبر استضافة مباحثات سياسية وأمنية بين الفرقاء الليبيين، قائلاً: "لماذا يُلوّح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتدخل في ليبيا، ويترك سد النهضة. الأولى أن يتدخل في إثيوبيا"، في إشارة إلى التحديات المائية التي تواجه القاهرة في ضوء إصرار أديس أبابا على المضي في إتمام سدها المائي العملاق المثير للجدل من دون التوافق مسبقاً مع دولتي المصب (مصر والسودان).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تصريحات أقطاي دفعت وزير الخارجية المصري سامح شكري، للرد بحديث "شديد اللهجة" في وقت متأخر من مساء أمس الخميس، مشدداً على أن القاهرة "لم ولن تفرط في نقطة واحدة من مياهها". وقال شكري، خلال مؤتمر صحافي بالقاهرة مع وزير الخارجية والتجارة المجري بيتر سيارتو "مصر لم ولن تفرط في حبة رمل واحدة من ترابها الوطني في أي مرحلة، ولم ولن تفرط في نقطة واحدة من مياهها، سواء كانت الإقليمية أو المنطقة الاقتصادية الخالصة لها"، معتبراً أن بلاده عندما "تصوغ اتفاقات فهي تصوغها ليس من منظور إرضاء طرف أو عدم إرضائه، لكن من منظور التزام ما تفرضه القوانين الدولية وقانون البحار، مصر تدخل في علاقات على المستوى الدولي اتصالاً بهذه الشرعية، وليس اتصالاً لمحاولات اقتناص أو زعزعة استقرار أو التصرف الأحادي باتخاذ إجراءات خارج نطاق الشرعية، لكن يبدو أن هناك اهتماماً كبيراً من قبل بعض المسؤولين (الأتراك) في ابتكار إثارة الحديث عن مصر ومصالحها".

وانتقد شكري احتضان أنقرة "تنظيمات إرهابية تعمل على زعزعة الاستقرار في مصر من خلال بث أكاذيب واحتضان عناصر إرهابية تؤدي إلى محاولة زعزعة استقرار دول المنطقة، فضلاً عن وجودها العسكري في دول عربية من دون أي سند شرعي"، في إشارة إلى تدخل تركيا العسكري في ليبيا والعراق وسوريا.

واعتبر الوزير المصري أن التصريحات التركية المتكررة "مدعاة للاستغراب والتعجب"، قائلاً "التصريحات فيها كثير من التناقض، فنرى في ما يتعلق باتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان تصريحاً يتضمن اعتراضاً على هذه الاتفاقية، ثم يدلون بتصريح يقولون فيه إن اتفاقية ترسيم الحدود لا تؤثر في المصالح التركية"، واصفاً إيها بأنها "كلها أحاديث متناقضة وادعاءات".

لماذا يبعد التقارب؟

وفق مصادر سياسية مصرية، تحدثت إلى "اندبندنت عربية"، فإن القاهرة "لم تتعاطَ بأي جدية مع المغازلات التركية التي أبداها المسؤولون في أنقرة خلال الأشهر الأخيرة للتقارب مع مصر، إذ تراها عديمة المصداقية، ولذا فهي ترجح الصمت تجاه غالبيتها".

وحسب المصادر ذاتها، فقد "كثفت أنقرة عبر قنوات سرية وعبر أطراف إقليمية ثالثة (لم تسمها) محاولات تقريب وجهات النظر مع القاهرة، إلا أن مصر لها اشتراطات واضحة، على تركيا تنفيذها قبل المضي قدماً في أي احتمالية للتقارب"، معتبراً "أن الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجه حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي هي ما تدفعه إلى التقارب مع القاهرة تبدو سياساتها تجاه الملفات الإقليمية أكثر توافقاً وقبولاً في المجتمع الدولي من السياسات التركية".

وبينما لم تتمكن "اندبندنت عربية" من التواصل مع مسؤولين أتراك للرد على أسئلتها، نقلت وكالة الأناضول التركية قبل أيام تصريحات لياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، لمَّح فيها إلى مساعي بلاده لضرورة فتح "قنوات اتصال بين القاهرة وأنقرة بغض النظر عن أي خلافات سياسية قائمة بين البلدين".

وقال أقطاي "لا بد من أن يكون هناك تواصل بالفعل بغض النظر عن أي خلافات سياسية بين الرئيس أردوغان والرئيس السيسي، فالحكومتان والشعبان يجب أن يتقاربا"، من دون نفي أو تأكيد لمحاولات إتمام التقارب بين البلدين.

لكن، ووفق المصادر المصرية "أبدت أنقرة أكثر من محاولة للتقارب مع القاهرة خلال الشهرين الأخيرين، إذ طلبت إتمام زيارات سرية لمسؤولين رفيعي المستوى إلى مصر للتباحث مع نظرائهم في القاهرة، وعرضت تقديم بعض التنازلات كبادرة حُسن نية لإتمام التقارب، إلا أن القاهرة تجاهلت تلك المحاولات، رغم تدخل أطراف إقليمية لحلحلة الأوضاع"، مشيراً إلى "فقدان القاهرة أي ثقة في المساعي والتحركات التركية".

وفي الأثناء، وحسب محمد حامد، الباحث المصري المتخصص في الشؤون التركية، فإن "القاهرة ترى في التصريحات المتناقضة من تركيا ما يعكس سوء نية أنقرة وعدم وجود نية صادقة، لإنهاء كل الخلافات العالقة بين البلدين"، معتبراً أن "الاستراتيجية التركية تجاه مصر يمكن فهمها من خلال عنصرين، الأول يتعلق باعتبارها محاولة لتشتيت الجهود المصرية، وصرف أنظارها عن قضايا بعينها، والثاني محاولة إنهاء خلافات بعينها، وليس مجمل السياسات التركية المزعزعة الاستقرار والأمن في الدول العربية، وهو ما تعتبره القاهرة حلولاً مؤقتة أو تكتيكية يسهل الانقلاب عليها، ولا يمكن الوثوق فيها، لا سيما مع استمرار التدخلات التركية في الشؤون الداخلية للدول العربية".

وذكر حامد "في ملفي غاز المتوسط وليبيا، تمثل القاهرة حجر عثرة أمام الطموحات التركية، وعليه تحاول أنقرة حلحلة تلك المواقف في سبيل تحقيق مصالحها، وهو ما انعكس في الفترة الأخيرة بعد توقيع تحول منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة إقليمية تضم ست دول متشاطئة للمتوسط، ورفض التحركات التركية للتنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية واليونانية، فضلاً عن استضافة القاهرة المباحثات السياسية والأمنية للفرقاء الليبيين".

المزيد من تقارير