Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السيف الدمشقي صنعة سرية منقوشة بماء الذهب

كشفت الدراسات الحديثة احتواءه على تركيبة نانوية كربونية وأسلاك دقيقة من كربيد الحديد الصلب

يحظى السيف الدمشقي بخصوصية في الشكل والتفاصيل والمواد المستخدمة (غيتي)

تعود صناعة السيوف في بلاد الشام إلى عهود بعيدة، ترجع إلى ما قبل الإسلام، ويعتقد أنها ابتدأت في عصر ديوقلسيان الروماني، ثم برزت في العهد البيزنطي، إذ كان يجلب الحديد من مناجم الأناضول في أماسيا وأضنة وكيليكية العليا.

ويتحدث المؤرخون العرب عن سيوف شامية اشتهرت في بصرى الشام عاصمة الغساسنة، وظلت رائجة بعد الإسلام، كما اشتهر السيف اليماني والقلعي والخرساني والبصري والمصري والمهند والجوفي والنجفي وغيرهم، لكن السيف الدمشقي جاء بابتكار خاص ومختلف عما سبقه، إذ كانت السيوف تصنع سابقاً من النحاس أو الحديد المطروق أو البرونز، في حين صنع السيف الدمشقي مما سُمي بـ "الفولاذ الجوهر".

الدمشقة

وازدهرت صناعة السيوف الدمشقية ابتداء من القرن العاشر الميلادي، وكانت تصنع وفق أسلوب خاص أطلق عليه "الدمشقة". ودخل هذا المصطلح إلى لغات عدة منها الفرنسية "Damasquinage" والإنجليزية "Damascening"، ومن أبرز نماذج هذه السيوف تلك التي صنعها عمال دمشقيون، واستخدمها الخلفاء الأمويون والعباسيون وسميت باسمهم، مثل سيف معاوية وعمر بن عبدالعزيز وسعد بن عبادة وهارون الرشيد وغيرهم، ولا يزال بعضها محفوظاً في متحف قصر "طوب كابي سراي" في إسطنبول.

ويتألف السيف الدمشقي من المقبض الذي يصنع من مواد خام اختيرت بدقة لضمان امتصاص العرق وثبات يد المقاتل، مثل قرن الجاموس أو وحيد القرن، أو من العاج أو الأخشاب القاسية، كما يغلف أحياناً بجلد طبيعي، وتأتي تحت المقبض واقية يد أو ما يسمى "البلجق" لحماية المقاتل من الضربات الساقطة على يده، ثم النصل الدمشقي الخاص الذي تميزه زخارف تكون في معظمها نباتية مصاغة من الذهب أو الفضة بدقة وإبداع لا متناهيين. 

كما كانت تنقش عليه بعض الكتابات كالآيات القرآنية "إذا جاء نصر الله والفتح" أو الأبيات الشعرية، وكذلك العبارة الشهيرة، "لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار". وأخيراً، الغمد الذي كان ولا يزال يحظى بأكبر نسبة من الاهتمام والجمال التصميمي، ويغطى بنقوش من صفائح معدنية فضية أو ذهبية مشكلة يدوياً.

الطراز الدمشقي

يعد السيف الدمشقي من أجود وأثمن السيوف على الإطلاق، بتصميمه الذي يحظى بخصوصية في الشكل والتفاصيل والمواد المستخدمة، إذ يميزه حده القاطع وظهره السميك العريض، مع وجود حدين في الثلث الأخير منه، ونصله المصنوع من الفولاذ الدمشقي المتين ذو الصلابة والمرونة في الوقت ذاته، وتزين سطحه نقوش دمشقية، ويساعد تصميمه المنحني على تفريغ الضربات بعيداً عن يد المقاتل.

لكن أهم ما يميز السيف الدمشقي، وأعطاه هذا القدر الكبير من الشهرة والانتشار، المعدن الخاص المصنوع منه، والذي يتألف من اتحاد معدنين أساسيين، معدن أسود يحوي نسبة عالية من الكربون، ومعدن أبيض بنسبة منخفضة من الكربون، حيث يحافظ كل منهما على خواصه. وقد ساعد هذا التصميم السيف على الانحناء بمرونة وبدرجات قليلة في المعارك، على عكس سابقيه من البرونز والنحاس.

ويشرح شيخ الكار الدمشقي فياض السيوفي طريقة تصنيعه الحالية، ويوضح أنه "يشكل النصل بصهر فلذات الحديد، ثم يطرق عدة مرات ويصقل، وأخيراً تُشكل الميازيب "السوائل" على صفحة النصل لتخفيف وزنه، ويزين أحياناً بنقوش تحمل اسم الصانع واسم السلطان أو اسم صاحب السيف نفسه، ثم يجهز الغمد ويشطب بآلة حادة لتهيئتها لقبول الخيوط أو رقائق المعدن التي ستملأ الخطوط المرسومة، وتشكل الرسومات والكتابات، بما يسمى فن التكفيت الدمشقي، وفيه تصف الخيوط المعدنية الذهبية أو الفضية التي تأتي بسماكة 1.10 ميليمتر، على شكل حصيرة تشكل رسومات وكتابات مختلفة، ثم تعرض بعد تشكيلها لحرارة عالية تساعد في صهر المعدن المضاف والتصاقه بالمعدن الأساسي، وتصقل وتلمع لتظهر بشكلها النهائي".

الفولاذ المدمشق 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان صناع السيوف في دمشق يستخدمون الفولاذ الخام المستورد من الهند "الهندواني wootz"، ويضيفون إليه مجموعة من المواد العضوية السرية، ثم يخضعونه لسلسلة من العمليات التصنيعية حتى يحصلوا على بنية خاصة على شكل زخارف متحدة مع المعدن بشكل مذهل. 

وقد وصفت مجموعة كبيرة من المؤلفات التوثيقية الجزء المعروف من عملية التصنيع هذه، والتي تلخص بدمج قطع من الحديد بعد تحميتها في بوتقة إلى أن تصبح لينة قليلاً، ثم تضاف إليها مواد عضوية مثل قش الرز أو الرمان أو الخشب أو أوراق الشجر الخضراء، ويصنع على الغالب أيضاً بواسطة قضبان الفولاذ ذات الصلابة المختلفة، ثم تعقد هذه القضبان بصورة غير متساوية، وتلحم مع الاستمرار في العقد والطرق وثنيها جميعها على بعضها، وأخيراً تصقل السبيكة الناتجة للحصول على السطح ذو المظهر المتموج.

التركيبة النانوية القديمة

عند إجراء الباحثين لدراسات تحليلية على السيوف الدمشقية لمعرفة تركيبها الكيميائي وبنيتها الميكروية باستخدام تقنيات حديثة، وجدوا فيها تركيبة نانوية تسمى حديثاً بـ "الأنابيب النانوية الكربونية"، وقد تحدثت مجلة Nature"" البريطانية في عددها 7117، الصادر في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 عن أن النصال الفولاذية الدمشقية التي واجهها الصليبيون للمرة الأولى أثناء قتالهم المسلمين، كانت ذات سمات خاصة لم توجد قبلاً في الفولاذ الأوروبي، وتحديداً نمط الخطوط المتموج المميزة "wavy banding pattern" الذي يعرف باسم "damask" ذو الخصائص الميكانيكية والحافة الحادة بشكل استثنائي.

ويقول التقرير، "وجدنا باستخدام المجهر الإلكتروني ذو النقل عالي الدقة، أثناء فحص عينة من الفولاذ الدمشقي "sabre" الذي يعود للقرن الـ 17 أنها تحوي أنابيب نانوية كربونية، إضافة إلى أسلاك نانوية من كربيد الحديد الصلب Cementite"".

من رمز حربي إلى تراثي

أخذت صناعة السيف الدمشقي في العقود الأخيرة طابعاً مختلفاً، بخاصة بعد زيادة الإقبال عليها لغايات تأثيث ديكورات البيوت ذات الطابع العربي التراثي والدمشقي خصوصاً، وتزيينها على شكل صمديات، فأصبحت تصمم بألوان عدة، وتطلى بمواد مختلفة من الذهب والفضة، وترصع بأحجار كريمة مختارة لتناسب مختلف الجلسات والديكورات. 

وأصحبت تصمم بشكل خاص تبعاً للطلب، إذ لا يزال يصنع يدوياً حتى يومنا بنسبة تصل إلى أكثر من 70 في المئة، ويعد من أندر التحف التي تقدم على شكل هدايا ومقتنيات ثمينة للسياح والمغتربين والعائلات الكبيرة، بخاصة بعد انخفاض وندرة صناعها وحرفييها، وكان ولا يزال واحداً من الهدايا المفضلة للملوك والسلاطين والرؤساء، لرمزيته العربية الخاصة.

المزيد من منوعات