Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من باريس سلام لبيروت

رسالة فن وحب من أجل لبنان في معهد العالم العربي

جانب من الحفلات الموسيقية التي نظمها معهد العالم العربي في باريس (اندبندنت عربية)

على مدار ثلاثة أيام متواصلة بدءًا من يوم الجمعة 25 سبتمبر (أيلول) الجاري، ومن قلب معهد العالم العربي في باريس، وتحت عنوان "24 ساعة من أجل لبنان"، وجّه الفرنسيون رسالة أمل ودعم للشعب اللبناني في كل مكان. وقفوا معه وساندوه بالحب وبالفن. ففاضت رسالتهم بجمال لا يهزمه القبح أبداً، مهما تكاثرت عليه المصائب والفجائع.

خلال فترة الفعالية، تحولت باحة معهد العالم العربي الخارجية إلى منارة ثقافية تشعّ بجميع أنواع الفنون الملتزمة بقضايا الإنسان أولاً والوطن اللبناني ثانياً. وقد سعى الحدث الذي نظمه المعهد بمبادرة من رئيسه جاك لانغ وبالتعاون مع كل من المؤلف والمسرحي وجدي معوض، مدير مسرح "لا كولين" الوطني في فرنسا، "ستيشن بيروت" و"إذاعة فرنسا الثقافية"، إلى تعبئة الرأي العام الفرنسي والدولي إزاء مأساة مرفأ بيروت التي وقعت يوم 4 أغسطس (آب) الماضي، وذلك بمساهمة أكثر من 60 فناناً ومثقفاً ومفكراً هم لبنانيون وأصدقاء للبنان.

من جهتها خصصت "إذاعة فرنسا الثقافية" عطلة نهاية الأسبوع هذه وختامها مساء اليوم الأحد، لمجموعة من البرامج الخاصة والمجلات الإذاعية والمناظرات والمقابلات والتحقيقات والوثائقيات عن الوضع في لبنان بعد مرور ما يقرب من شهرين على الفاجعة. شارك في الحوارات الإذاعية محللون سياسيون وجيوسياسيون تناولوا الوضع الراهن في لبنان بعلاقته مع المعطيات المختلفة. وكانت لروائيين وصحافيين ومؤرخين آراؤهم التي أبدوها من واقع خبراتهم في  البرامج ذاتها التي تخللتها مداخلات مع موسيقيين ومطربين اللبنانيين.

إبراز الجانب الحضاري للبنان

عرض في اليوم الأول على خشبة المسرح المنتصبة تحت مشربيات الواجهة الخارجية الرئيسة للمعهد، جزء من نتاجات جميع هؤلاء الذين حضر بعضهم بجسده وتفاعل بشكل حي ومباشر مع الجمهور المختلف الجنسيات والفئات، بينما شارك البعض الآخر من وراء شاشة عرض عملاقة بواسطة فيديوهات وتسجيلات يمكن أن تدرج تحت جميع أنواع الفنون.

أما يوم أمس السبت، فانتقل الجزء الثاني من الفعالية إلى مسرح رفيق الحريري في المعهد. وعلى الرغم من الاحتياطات المتخذة من اتباع نظام التباعد الاجتماعي والمحافظة على المسافات الآمنة ضمن حيّز المسرح المغلق، يمكن القول إن الأمر خرج عن السيطرة بعض الشيء، إذ ازدحم المكان بالجمهور الذي جاء ليشارك لبنان الحب والحزن.

عكست الفعالية التنوع والغنى الثقافي والفني اللبناني في مواجهته للكارثة الحاصلة. كل يعبّر بطريقته وأسلوبه الفريد، وباللغة التي يختارها: العربية، الفرنسية أو حتى الإنجليزية. وبين النمط الكلاسيكي والنمط الحديث وما يتخللهما من تدرجات وفروقات، شهد جمهور معهد العالم العربي كيف يمكن للبنانين أن يكونوا قادرين على الرفض والعطاء والإصرار في الوقت ذاته.

أعمال عن الروح وسط الفوضى

جميع الأعمال المقدّمة في الفعالية، ركزت على الروح وسط هذه الفوضى من التشرذم والضياع. وعلى سبيل المثال، اختار الكوريوغراف والراقص ألكسندر باوليكيفيتش بمشاركته من وراء الشاشة، الجسد ليعبّر به عن الألم الذي تبدّى في كل انثناءة ومع كل حركة. في جبيل على أطراف بيروت المنكوبة، حيث الخراب ينتثر رماداً، تمايل بجسده المغطى بملابس سوداء، معلناً الحداد على أرواح من رحلوا. بينما جسّدت لقطات الفيديو المرافق لأداء إياد حسن على آلة البزق، معنى التحول والانكسار والفقدان في لقطاته المتتالية. وبصراحة لم نكن نعرف هل الصور ترتسم بموسيقاه؟ أم أن لحنه كان يعزف مشاهد الدمار بأسى يشعل القلب ويرميه رماداً خلال لحظات؟

في إحدى أكثر الفقرات العاصفة ألماً وأملاً، فتحت كلمات وجدي معوض، الجراح حدّ الشقاء. نبشت عميقاً داخل روح كل لبناني وكل إنسان الآن وهنا. كان هادئاً ومتزناً في قراءته للنص المكتوب بين يديه. لم يقم بأداء مسرحي تمثيلي، وهو اللاعب المتقن لهذا النوع من الأداء. كان هو فقط، الكاتب والمثقف المقهور على وطن يسرق وينهب. كان يناجي بمنولوغه الأرواح الضائعة والمنسية هناك تحت الركام، ويرمي كرة الأمل بعيداً منه ثم يعود ليلتقطها من جديد على وقع ضربات الفنان عصام كريمي على آلة البيانو.

أعمال قبلت التحدي

من زاوية أخرى، اتخذت معظم أعمال الفنانين المشاركين التصدي مهمة وهدفاً. هو تصدٍ للموت، للفناء وللبشاعة. وقدمت لنا الشقيقتان ميشيل ونويل كسرواني نموذجاً جميلاً جسّدتا في دقائقه القليلة، فناً معاصراً يجمع بين الغناء وفن الفيديو والتصوير الفوتوغرافي والأداء التمثيلي. إنها أغنية بمثابة بيان ناقد وساخر من الحكومة اللبنانية وإعلان للبقاء والاستمرار بشجاعة غير مستغربة.

تشير الأغنية بكلماتها إلى أن النظام اللبناني قد شغل اللبنانين بالفواتير، وزّع الجوع بالتساوي على كل الطوائف، وأن أخطاءه الكارثية هي مجرد "حادث فردي" لا أكثر ولا أقل، إذ لا يوجد من يتحمل المسؤولية.

وفي حديث مع "اندبندنت عربية"، قالت ميشيل الموجودة في باريس بينما أختها نويل تقيم في بيروت، إن ما يحدث في وطنهما فرض عليهما إنتاج فن سياسي يلتزم التعبير عن قهر اللبنانين ومصائبهم الآخذة بالتزايد يوماً بعد يوم. ولو افترضنا أن هذا الوضع الكارثي غير موجود، كان بإمكانهما تقديم أغانٍ عن أمور أخرى في الحياة، كالحب مثلاً. لذا قالت في الأغنية "كان بدي ياها أغنية رومانسية" لكن للأسف، لا بد من أن تكتب عن الوجع بدلاً عنها.

وتبيّن أن أغنيتهما تردّ في واحد من مقاطعها على تصريح وزير الداخلية اللبناني عندما أشار في خطاب له ما بعد أزمة فيروس كورونا إلى أن الشخص الذي سيخرج للتظاهر كنا نقول إنه سيُمنَع... لكنه الآن سيُقمَع... سيُقمَع... فتقولان: "روح يا حمام وقلو يا سيدي: نحن لا نُقمَع... لا نُقمَع... ولو حتى قمعتونا منرجع منطلع... منطلع"...

ثم تؤكّد: "حاولنا في الأغنية نقل المشاعر على حقيقتها نت دون تصنّع. مشاهدي أنا تختلف بألوانها ونمطها عن مشاهد أختي التي عاشت الكارثة على أرض الواقع. حاولنا أن نظهر ما يحصل من دون مبالغة، ركّزنا على الأمور الإيجابية، تحديداً أولئك الشبان والشابات الذين لم يملّوا من العمل والتنظيف في الشوارع منذ الانفجار، وبيّنا الخراب على حقيقته".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أثر الفن لا يُنكر...

تحدث الموسيقي اللبناني زيد حمدان، رائد موسيقى الأندرغراوند في لبنان والعالم العربي مع "اندبندنت عربية" حول مشاركته في فعالية "24 ساعة من أجل لبنان"، فقال: "في كل مرة أقف على المسرح وأعطى الفرصة للحديث أمام الناس، أغتنم الفرصة لأحكي عن بلدي المخطوف. عن تلك المافيا التي احتلّت البلد بمن فيه. كفنانين نستطيع أن نعبّر عن رأينا بحرية، نتحول إلى المقاومة الحقيقية التي تسعى إلى التخلص من نظام سياسي فاسد. نحن نُقتل ونُقهر كل يوم، والفن هو طريقتنا لنقول لا".

وأضاف: "الفن قيمة جمالية عالية بإمكانها أن تحارب البشاعة وتثور ضد القبح. النتيجة لا تكون سريعة، لكنها تترك أثراً تراكمياً مع الأيام".

من جهتها، أوضحت المغنية والموسيقية السورية لين أديب لـ"اندبندنت عربية" أنها كسورية وليست لبنانية، تشارك في هذه الفعالية من أجل لبنان لأننا جميعاً، لبنانيون وسوريون وجعنا واحد. وقالت: "لقد عشت آخر سنة من حياتي في لبنان، ذلك البلد الذي قدّم لي الكثير بالفعل. لو حدثت فعالية مماثلة من أجل سوريا، كنت سأشارك بالتأكيد".

وأردفت: "شعرت بألم كل لبناني يعيش في ظل حكومة فاسدة كتلك التي تحكم شعبي في سوريا. باختصار: أنا هنا لأقدّم صوتي لجميع أبناء تلك المنطقة التي تختبر المعاناة بكل أشكالها... ما يجري فوق أراضينا أكبر منّا جميعاً. نحن نعي هذه الفكرة ونعترف بها. لكن من قال إن الموسيقى لا تستطيع أن تغيّر الواقع!؟ الأمر يتطلب وقتاً طويلاً بالتأكيد، إلا أن أثر الفن في التغيير لا يمكن نكرانه".

لم يكن الهدف من الفعالية تسليط الضوء على حجم الخراب الكارثي الذي لحق ببيروت، مدينة الحياة، بعد الانفجار. فتلك المهمة قامت بها وسائل الإعلام العربية والغربية وما زالت مستمرة بنقل التطورات حتى اليوم. لقد تم تنظيم الحدث لإبراز الجانب الحضاري من لبنان، الذي لا يغفل عنه أحد، وللسماح بالكلمات والموسيقى والألوان أن تعبّر عن شجاعة اللبنانيين ورغبتهم المتوالدة، يوماً بعد يوم، في العيش والحب والفرح.

المزيد من فعاليات