Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حمالون في الجزائر "ثقل الأوزان أقل عبئا من هموم المعيشة"

تجار يستغلون ضعف حيلتهم وظروف البلد الاقتصادية ترفع أعدادهم

حمال في سوق شعبي بالجزائر العاصمة (اندبندنت عربية)

"أمام الحاجة نرضخ للظروف، حتى نُحافظ على ما تبقَّى من كرامتنا بعيداً عن شفقة الآخرين"، شعار يرفعه من أجبرتهم مشقة الحياة على الاستنجاد بظهورهم التي جعلوها مصدر رزق لهم. ولا عجب أن يكون بعضهم من حملة الشهادات الجامعية والدراسات العليا.

لم تمنع الشاب عبد الباسط ساسي، صاحب الـ34 عاماً، ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، من العمل حمَّالاً في سوق خليفة بوخالفة الشعبي، المعروف بـ"ميسوني" في الجزائر العاصمة. يحصل هذا الشاب على نحو خمسة دولارات يومياً، إلا أنه راضٍ بقسمته؛ لأن "اليد العليا خير من اليد السفلى"، كما يقول.

يتصبَّب عرقاً وهو يحمل كل يوم من الساعة الثامنة صباحاً حتى المساء أكياس الخضار وصناديق الفواكه على ظهره من الشاحنات التي تركن أمام السوق لإدخال البضاعة إلى المحلات.

يقول "أنا لا أكره العمل، وأحمل البضائع على ظهري، صحيح أنني أتعب، لكن لا خيار لي سوى العمل حتى أعيش معززاً مكرماً كما أوصتني دائماً والدتي. الحياة صعبة، لكنني أحمد الله لأنني بصحة تسمح لي بالعمل، على الرغم من وضعي".

منافسة شرسة

يلاحظ المتجول في الأسواق الشعبية في الجزائر تزايد أعداد "الحمالين" من كل الأعمار، إذ لا يقتصر الأمر على الكهول، وإنما طاول حتى أطفالاً قُصَّرَ وشباباً جامعيين، فشلوا في إيجاد مناصب عمل بعد تخرجهم.

وفي سوق الجملة للخضار والفاكهة ببوفاريك في ولاية البليدة (47 كلم جنوب الجزائر العاصمة) يعترضك كثير من الحمالين، الذين يأتون في ساعات الصباح بحثاً عن مكانة لهم. المنافسة شرسة، والحركة التي يشهدها السوق تضمن لمن قدم باكراً كسب قوت يومه. تدفع قيمته عن طريق التفاوض المسبق بين التاجر والحمال، غالباً ما يكون أقل بكثير من الجهد المبذول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هنالك يصطفُّ هؤلاء الكادحون، بعضهم يجرُّ عربات مليئة بالبضائع ينقلها من مكان لآخر، وآخرون يحملون أكياساً كبيرة على ظهورهم، يصرخون: "وسّع وسّع" (أي أفسح الطريق)، فالسرعة والصبر على المشقة عاملان مهمان في مهنة العتالة، يقول أحد التجار.

محمد مرواني (اسم مُستعار/ 27 عاماً) يحمل شهادة جامعية، إلا أن معاناته مع البطالة عقب محاولات فاشلة للعمل ضمن مجال تخصصه، دفعته إلى مهنة "العتالة"، يروي لـ"اندبندنت عربية": "أصبحت أشعر أنني عبء على عائلتي، فوالدي بلغ من الكبر عتياً ولا يمكنه الاستمرار في إعالتي طوال حياتي".

بحسرة تعتصر قلبه، يضيف "بعض أصدقائي ممن درسوا معي يعملون خلف المكاتب، بينما انتهت رحلتي مع الدراسة في السوق أحمل سلع الآخرين، وأتلقى الشتائم، لقد ذهب العلم في كيل الزيت" (مثل شعبي يعني أن جهده ضاع).

استغلال في زمن الأزمة

وكشفت أزمة كورونا عن واقع مخفي وهشاشة الاقتصادات العربية، ومنها الجزائر، التي يُعاني اقتصادها تبعات مفرطة لعائدات المحروقات (نفط وغاز)، التي تمثل 93 في المئة من الإيرادات، ما صعَّب من الظروف المالية للبلاد، وهو ما انعكس بطريقة آلية على الفئات التي تعتمد على الدخل اليومي، التي خرجت للبحث عن قوتها بأي ثمن.

في السياق، يسرد الحاج موسى (70 عاماً) معاناته وهو في هذه السن المتقدمة "يقول كثير من التجار إنني لم أعُد نافعاً للعمل حمَّالاً، وإن حركتي بطيئة، فأحياناً آتي إلى السوق وأعود أدراجي من دون دخل يومي، بعدما أصطدم بعبارة من الباعة، يعطيك الصحة عمو، لا حاجة" (لا نحتاج إلى عمل منك).

قضى هذا الشيخ في سوق الحراش بالجزائر العاصمة قرابة 40 عاماً يشتغل عتَّالاً. وساعدته هذه المهنة في ضمان تعليم لأولاده في المدراس الخاصة، يقول "لم تكن هذه المهمة ولا السنوات الضائعة من حياتي سهلة على الإطلاق، فأغلب التجار يُعاملون الحمالين بخشونة، ويصرخون فيهم، لكنها الخبزة يا ابنتي (لُقمة العيش)، أو كما نقول في لهجتنا العامية "شاقي ولا محتاج" (أشقى ولا أكون محتاجاً).

وإضافة إلى التعب والإرهاق، تُعاني فئة الحمالين ظروفاً قاسية، فهي محرومة من التأمين، ومن مرتب التقاعد، وهو ما يُحتِّم على من اختارها أن يُكمل بقية حياته في هذه المهنة إلى أن توافيه المنيَّة.

وتُعوِّل الجزائر على "خطة الإنعاش" التي تمتد حتى 2024، والتي تسعى من ورائها إلى إصلاح الاقتصاد المتضرر جراء فيروس كورونا وهبوط أسعار النفط، وتتعهد الحكومة التي تقر بوجود أزمة اقتصادية، بأن من بين أهدافها الرئيسة محاربة البطالة التي تشهد ارتفاعاً رهيباً، بالإضافة إلى خلق وظائف في السوق المحلية.