Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خلاف ترمب وتيك توك مؤشر إلى الحروب التكنولوجية الكبيرة المقبلة

من المؤكد كما يقول هاميش ماك راي، إن المعركة ستستمر طوال جيل كامل على الأقل وقد تجد المملكة المتحدة نفسها قريباً عالقة في براثنها

كان الرئيس الأميركي قد أمر بحظر تطبيق الفيديو تيك توك. ولكن هل هذا فصل من فصول حرب تكنولوجية قادمة؟ (غيتي)

اعتبروها جولة مناوشات في ما ستصبح حرباً تدوم 30 عاماً. مع أن مشكلة دونالد ترمب مع تيك توك قد حُلّت الآن، إلا أن النقطة الأهم هنا هي إعادة توجيه وإطلاق السياسة الأميركية تجاه الصين.

وسوف يستمر هذا التغيير بغض النظر عمّن يفوز في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الرئاسية أو أي انتخابات لاحقة في الحقيقة. ولن تعود الأمور إلى سابق عهدها. فهذه مسألة سلطة ونفوذ. وخلال شطر راجح من السنوات الثلاثين الماضية، دعمت الولايات المتحدة صعود الصين بشكل كبير، وبنت معها علاقة تقوم فيها الأخيرة ببيع صادراتها الزهيدة الثمن للأولى (أميركا) فيما توفر في المقابل موطئ قدم للشركات الأميركية داخل البلاد. وقد صاغ الأستاذان الجامعيان نيل فيرغسون وموريتز شولاريك مصطلح "صينريكا" Chimerica من أجل وصف هذه العلاقة التكافلية. وقد أيّدتها بكين لأن صادراتها مكنتها من مضاعفة إجمالي الناتج المحلي أربع مرات. أما الولايات المتحدة، فدخلت في هذه العلاقة من ناحية لأن البضائع الزهيدة الثمن الآتية من الصين سمحت لها بتحسين مستويات المعيشة، ومن ناحية أخرى بسبب الشعور العام بأن الصين سوف تخطو شيئاً فشيئاً نحو النموذج الديمقراطي الغربي.

لكن هذا الاتفاق الذي بدأ يصيبه الوهن بعد الانهيار المالي في 2008-2009، تشظى وقُضي عليه تماماً الآن. وشكّلت حرب ترمب مع الصين أحد عوامل الانقسام. بينما كانت هونغ كونغ ومطامع الصين في بحر الصين الجنوبي عاملاً آخر. كما أدى استغلال الولايات المتحدة نفوذها التجاري من أجل إرغام حلفائها على منع استخدام تجهيزات شركة الاتصالات هواوي في شبكاتها دوراً إضافياً في [مفاقمة] الانقسام. وحيثما ترى الولايات المتحدة هدفاً سهلاً- ومهما كان رأيكم بتطبيق تيك توك، فهو سهل جداً- تنقضّ عليه. إذ لديها القدرة المالية التي تمكنها من فعل ذلك. وهي مسألة ترغيب وترهيب: إما تسمحون لنا بالسيطرة على أعمالكم في أميركا وندفع لكم ثمناً سخياً في المقابل أو تخرجون من السوق كلياً. والخيار لكم.

إن هذه الأحداث قاسية جداً وستغدو أصعب بعد. بغض النظر عمّن يكون الرئيس وعن الموقف في الكونغرس، سوف تستمر المعركة الكبرى فيما تتفوّق الصين تدريجياً على الولايات المتحدة على مستوى الحجم الاقتصادي الإجمالي. وقياساً على الاتجاهات الحالية، سيحدث هذا الأمر بعد 10 سنوات. وستبقى الصين أفقر ويبقى إجمالي الناتج المحلي للفرد أدنى، على الأرجح للأبد. لكن عدد سكانها بالإضافة إلى قدرتها على اللحاق بالولايات المتحدة عبر تطبيق التكنولوجيا التي طُوّرت في مناطق أخرى من العالم سوف يضمنان لها استعادة الموقع الذي احتلّته في النصف الأول من القرن التاسع عشر كأكبر اقتصاد في العالم. هذا الموضوع شبه حتميّ مثل كل الأمور الأخرى في عالم الاقتصاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع أنّ أنحاء العالم الأخرى ستفضّل البقاء خارج هذه المعركة غير أنه، وكما رأينا في حال هواوي، سوف تتورّط فيها لا محالة. ومن وجهة النظر البريطانية، لا داعي حتى للتفكير في الخيار الذي ستتخذه البلاد. فأميركا أكبر سوق بالنسبة لصادرات المملكة المتحدة، وأكبر من أي بلد أوروبي آخر- مع أنّ الاتحاد الأوروبي ككل يبقى أكبر منه. وقد تختار دول أخرى الصين. وللمفارقة، انضمّت إيطاليا إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية. 

هل يعني هذا أن المملكة المتحدة ستصبح مجرد شريك صغير للولايات المتحدة؟ نعم، هذا ما يعنيه، لكنها ستحظى باستقلالية. كما هو الحال في بقية أوروبا، لم تطور بريطانيا الكثير من الشركات الكبيرة المتخصّصة بالتقنيات العالية لكن هناك مسألة واحدة حالياً. وهي ملكية "أي أر أم" ARM الشركة التي تتخذ من كامبريدج مقراً لها وتعمل على تصميم معظم الشرائح التي تشغّل الهواتف الجوالة في العالم. وهي متفرّعة من شركة  إيكورن كومبيوترز (أتذكرونها؟) لكن تملكها حالياً مجموعة شركات سوفت بانك SoftBank اليابانية. وهي قيد البيع، أو هذا هو المخطط في أي حال، للشركة الأميركية "نفيديا" Nvidia لقاء 40 مليار دولار (حوالي 31 مليار جنيه إسترليني). 

وكتب المؤسس المشارك لشركة "أي أر أم"  ARM، هيرمان ماوزر، رسالة لصحيفة فاينانشال تايمز مفادها أن هذه العملية لو حصلت ستكون كارثة. إذ فيما تعهّدت سوفت بانك SoftBank بإبقاء التحكم بالأبحاث داخل كامبريدج، سوف تنقل "نفيديا" هذه العملية إلى الولايات المتحدة مع كل ما ينطوي عليه هذا الموضوع من تبعات ليس بالنسبة لكامبريدج والمملكة المتحدة فحسب بل بالنسبة للتكنولوجيا الأوروبية بشكل عام. تربط "نفيديا" تعهّدات ملزمة قانونياً لجهة الحفاظ على المقر الرئيسي للعمليات بالمملكة المتحدة، ودعا حزب "العمال" إلى الالتزام بهذه النقطة. وقد تتدخل الحكومة البريطانية. 

علينا الانتظار كي نرى مآل الأمور. برأيي الشخصي، إنها لفاجعة أن المؤسسة المالية البريطانية لم تدعم صناعات التقنيات العليا في البلاد كما فعلت الولايات المتحدة مع قطاعاتها، لكن هذه الخيانة [الخذلان] قد حصلت بالفعل. والمسألة الجيوسياسية المهمة هنا هي أنه لو بدا أن الولايات المتحدة تتحكم بشركة "أي أر أم"، فهذا قد يخرجها من السوق الصينية. فشركة ذات ملكية يابانية تُجري أبحاثها في المملكة المتحدة تُعتبر نوعاً ما خارج المعركة الأميركية الصينية الكبرى. لكن إن سارت هذه الخطة قدماً، سوف تجلب معها الحرب إلى ديارنا.

إنّما النقطة الوحيدة المؤكدة تبقى أن المعركة ستدور على مدى جيل كامل على أقل تقدير. وعلينا الاعتياد على ذلك وإدراكه. كما حريّ بنا أن نحاول الحفاظ على استقلاليتنا والتعامل بنزاهة مع الجميع، حتى لو وجدنا في النهاية أن المملكة المتحدة تقف في الجانب الأميركي. 

© The Independent

المزيد من رأي اقتصادي