Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان يترنح ماليا واقتصاديا وقلق من انفجار اجتماعي

شرح الوفد المصرفي في باريس وجهة نظره ولم يخرق الموقف الفرنسي المسبق

يكمن تركيز الزعامات السياسية على حماية مكاسبها قبل دخول البلاد حقبة "العقد السياسي" الجديد (رويترز)

في الوقت الذي يستنفد سياسيو لبنان الفسحة الفرنسية التي وفرتها مبادرة الرئيس إيمانويل ماكرون لتأليف حكومة جديدة، بالتناتش على الحصص والمقاعد الوزارية، عبر فرض الشروط والشروط المضادة، تمعن البلاد غرقاً في هوّة الانهيار الاقتصادي والإفلاس المالي، فيما الانفجار الاجتماعي بات قاب قوسين من اندلاع شرارته.

لم تبيّن المواقف السياسية العاملة على خط تأليف الحكومة أي استشعار لحجم الخطر الاقتصادي والمالي الداهم، الذي بلغ ذروته بعد انفجار مرفأ بيروت مطلع أغسطس (آب) الماضي.

جلّ ما تركز عليه الزعامات السياسية، يكمن في حماية مكاسبها قبل دخول البلاد حقبة "العقد السياسي" الجديد الذي وعد به ماكرون، ومهّد له بورقة عمل شكلت خريطة طريق للبيان الوزاري للحكومة العتيدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحت وطأة زخم المبادرة ووهج زيارة الرئيس الفرنسي إلى بيروت، التزمت القوى المجتمعة برعاية ماكرون في قصر الصنوبر بتلك الورقة وتنفيذها، على أساس أن المبادرة ظاهرها فرنسي وباطنها أميركي وتحمل بالتالي في طياتها ضغطاً دولياً سيتحول تهديداً ما لم يلتزم لبنان المطلوب منه. لكن انكشاف التباين الأميركي- الفرنسي، منح جرعة أوكسيجين لفريق السلطة الحاكم لاستجماع قواه وإعادة التموضع وفقاً لقواعد اللعبة الجديدة.

الثنائي الشيعي

يحاول الثنائي الشيعي فرض شروطه، منعاً لإقصائه عن الساحة، مؤكداً رفضه أي محاولات لإعادة التوازن إلى المشهد الداخلي، بعدما أبعدت نتائج الانتخابات النيابية قوى أساسية عن الأكثرية ووضعتها في يد فريق الممانعة الدائر في المحور السوري الإيراني.

الهم الاقتصادي

غاب الهم الاقتصادي والمالي وسط الحسابات الداخلية لكل فريق، عن رادار الأولويات، بالرغم من أن عنوان المرحلة المقبلة لا يمكنه أن يكون إلا اقتصادياً ومالياً، الأمر الذي يتوجس منه الثنائي بقيادة "حزب الله"، إذ يستشعر عملية سحب البساط فرنسياً وبعدم ممانعة - حتى الآن - أميركية من استمرار تمدد نفوذه على المرافق والمؤسسات العامة وإدارات الدولة، وفي مقدمتها مرفأ بيروت، وبعدها وزارتا المال والأشغال العامة اللتان سيكون لهما دور مهم انطلاقاً من صلاحياتهما الكبيرة في مجال تأليف البنى التحتية، من خلال فرض واشنطن عقوباتها على وزيري حركة أمل الشيعية وتيار المردة المسيحي القريب جداً من الحزب.

وتلمّس هذا الفريق أن ثمة عملاً يجري على خط فريق تيار "المستقبل" مع الشركات الفرنسية لتقاسم المشاريع.

مخاطر عدم التأليف

يشكل الوقت الضائع في مسار التأليف الذي تأخر مجدداً مع تمديد المهلة الفرنسية، وتريّث الرئيس المكلف في التوجه إلى قصر بعبدا، عاملين ضاغطين بقوة على الملفين الاقتصادي والمالي.

ثمة تحديان أساسيان ستواجههما البلاد بحكومة أو من دونها، علماً أنهما سيكونان أكثر حدّة وخطورة من دون حكومة، وسيفرضان سيناريوهين ستشهدهما في المرحلة المقبلة: الدعم المالي الدولي عبر برنامج مع صندوق النقد الدولي، كانت طلبته حكومة الرئيس حسان دياب المستقيلة، ولم تنجح في بلوغه، والعقوبات الأميركية المتصاعدة.

في الداخل اللبناني، المشهدان الاقتصادي والمالي يزدادان سوءاً في ظل ارتفاع حدّة المخاطر التي تتهدد البلاد: تناقص مستمر في احتياطات المصرف المركزي، ينذر بوقف الدعم للسلع الأساسية، ما يحضّر البلاد لموجة ارتفاع في الأسعار العائدة إلى السلع والمنتجات على أنواعها، ارتفاع مرتقب لسعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية وسط استمرار الأجواء الضبابية حيال الآفاق الاقتصادية المستقبلية. وقد بدأ هذا الارتفاع يظهر تدريجاً في السوق السوداء.

تعطل النشاط الاقتصادي في ظل الشح في السيولة، بعدما استنفدت المصارف ما توافر لديها على مدى الأشهر القليلة الماضية. تعطل أي نشاط استثماري محتمل في ظل انعدام الثقة، وعدم توافر أي مقومات أو حوافز استثمارية مجزية. استمرار وضع المالية العامة في مرحلة حرجة مع تراجع إيرادات الخزينة في شكل كبير، ما يدفع الدولة إلى الاعتماد على المصرف المركزي لسداد الحاجات التمويلية من جهة، ودفع رواتب القطاع العام من جهة أخرى.

تنامي نسبة البطالة في ظل غياب فرص العمل المتاحة أمام أصحاب الكفاءات والاختصاص، ما أدى إلى ارتفاع مقلق في حجم هجرة الشباب، وقد قدّرت إحدى السفارات الغربية في بيروت عدد طلبات الهجرة بما يصل إلى 500 ألف طلب.

ارتفاع مستوى الفقر إلى اكثر من 55 في المئة بحسب آخر تقديرات البنك الدولي، ما يعني أن لبنان متجه نحو انفجار اجتماعي محتّم لا يستبعد أن يترافق مع ظهور حالات عنفية.

سيناريو الفوضى والعزل

وفي حين تعوّل الأوساط الاقتصادية على نجاح المبادرة الفرنسية في إنتاج حكومة جديدة توفر للبلد مظلة أمان دولية تحمي الاستقرار وتعبّد الطريق أمام التزام برنامج مع صندوق النقد للحصول على الدعم المالي المطلوب، لا تخفي قلقها من أن تسقط تلك المبادرة تحت وطأة التشدد الداخلي الذي يعكس تشدد المحور الإيراني، بما يدفع نحو تصعيد واشنطن لضغوطها عبر إدراج مزيد من أسماء سياسيي الصف الأول على لائحة عقوباتها.

ومشهد كهذا من شأنه أن يدفع لبنان إلى سيناريو غامض ومقلق تسوده الفوضى وشريعة الغاب، بعدما بات ثابتاً أن البلاد تتجه نحو عزلة دولية وعربية، متراجعةً عن موقعها ودورها في المنطقة في ظل اتفاقات السلام التي بدأتها دول عربية مع إسرائيل.

المصارف في باريس: لا خرق

في موازاة البعد السياسي للمبادرة الفرنسية الرامي إلى تأليف "حكومة مهمة"، ثمة بُعد مالي يتمثل بتعبيد الطريق أمام القطاع المالي من أجل استئناف المفاوضات مع صندوق النقد بعدما توقفت عند مسألة الخسائر المالية. وكان لافتاً التركيز الفرنسي على ضرورة إنجاز التدقيق الجنائي للمصرف المركزي. وقد وجه الحاكم رياض سلامة إشارة إيجابية إلى الداخل كما الخارج، عبر إصداره التعميم 154 الرامي إلى استعادة نسبة محددة من الأموال التي خرجت منذ ثلاث سنوات.

وقد تلقّى المصرف المركزي الفرنسي بإيجابية هذا التعميم، مبدياً الاستعداد للمساعدة في عملية التدقيق في أموال مصرف لبنان ومالية الدولة والإدارات العامة لإعادة هيكلة مالية الدولة.

وشكّل هذا الموضوع محور لقاءات وفد جمعية المصارف برئاسة سليم صفير في باريس الأسبوع الماضي حيث كان التركيز على توضيح الإشكاليات التي رافقت تحديد الأرقام المالية والخسائر بعد التباينات التي حصلت مع صندوق النقد على خلفية مقاربة المصارف والمجلس النيابي مقابل مقاربة الحكومة.

ولم تستبعد مصادر الوفد أن تُثمر الزيارة اللبنانية، زيارة لوفد اقتصادي مالي فرنسي إلى بيروت لمتابعة البحث. لكن الوفد المصرفي لم ينجح في إقناع الجانب الفرنسي بمقاربته، خصوصاً أن باريس تتبنى المقاربة الحكومية لحجم الخسائر الناجمة عن الهندسات المالية للمصرف المركزي. وقدّم الوفد المصرفي إلى المسؤولين الفرنسيين عرضاً للواقع المالي انطلاقاً من المقاربة المصرفية لتوزيع الخسائر، ساعياً الى إقناعهم بتبني تلك المقاربة ولكن من دون تحقيق تقدم. وكشفت معلومات عن أن الموفد الرئاسي الفرنسي بيار دوكان طلب من رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان تزويده بتقرير "اللجنة الفرعية لتقصّي الحقائق المالية" الذي نسف أرقام الحكومة وقدّم أرقاماً حقيقية للخسائر لا تتجاوز 80 مليار دولار.

كما أظهر أن سبب الخسائر يعود إلى سوء إدارة المال العام من قبل المسؤولين. وعليه، فإن المسؤولية لا تقع على مصرف لبنان والمصارف وحدهما، بل تتحملها أيضاً وفي جزء كبير السلطات السياسية، انطلاقاً من مسؤولياتها في وضع السياسات ومراقبة تطبيقها.

القاسم المشترك بين المصارف والجانب الفرنسي تمثل في التوافق على ضرورة إقرار قانون لتقييد حركة خروج الأموال من البلد، ما يعارضه رئيس المجلس النيابي. وتؤكد المعلومات أنه سيكون في سلم أولويات الحكومة المقبلة أمام البرلمان.

وكان موضوع إنشاء الصندوق السيادي لأصول الدولة، محور اجتماعات وفد الجمعية مع المسؤولين الفرنسيين، إذ اقترح أن يشمل الصندوق أصول 1.1 مليار متر مربّع من الأراضي التي تملكها الدولة وهي غير مستخدمة وبإدارة المصرف المركزي، لاستثمارها مقابل تخفيف الدين الذي سبّبته الدولة وليس المصارف اللبنانية.

 أما الملف الثاني الذي شهد قاسماً مشتركاً بين الجانبين اللبناني والفرنسي، فتمثل في إنشاء الصندوق السيادي، علماً أن هذا الصندوق لا يزال يلقى معارضة داخلية باعتبار أنه يشكل للمعترضين خصخصة مقنّعة لأصول الدولة وممتلكاتها.

صندوق النقد: تركيز على التدقيق

ولم يغب ملف التدقيق عن المواقف الأخيرة لصندوق النقد الذي أعاد الملف اللبناني إلى دائرة الضوء بالرغم من توقف المفاوضات. فقد أعلن المتحدث باسم الصندوق جيري رايس قبل أيام أن "النقاشات التي يجريها مع السلطات اللبنانية تنصبّ على ضرورة إجراء تدقيق محاسبي ومالي لميزانية مصرف لبنان المركزي من أجل تقييم أصوله والتزاماته"، معتبراً أن التدقيق سيساعد على تقييم تمويل المصرف المركزي للحكومة وسياسة الهندسة المالية التي كان ينتهجها، وهما عنصران مهمان لفهم الخسائر المتكبدة في السابق".