Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يضيف أزمة جديدة لصناعة السفن في الإسكندرية

الركود أصاب المهنة فأغلقت الورش وسُرح العمال إلى إشعار آخر

تواجه صناعة السفن في مصر تحديات عدة فاقمتها جائحة كورونا (اندبندنت عربية)

مبان خشبية من طابقين، ورسوم قديمة خطت بمهارة فنان على واجهاتها، وبصمة السنوات التي تعاقبت عليها تظهر جلية محملة برائحة اليود، على طول طريق البحر بالأنفوشي في الإسكندرية.

واحدة من معالم "النوستاليجيا" في منطقة" بحري"، المميزة بورش صناعة السفن، تمتد على طول الشاطئ بتصاميمها البديعة لتخبرك أن هنا قامت صناعة عريقة، وصدّرت فنون "الصنعة" إلى مختلف المدن في مصر طولاً وعرضاً.

و"أسطوات" توارثوا المهنة أباً عن جد يخبرونك بذكرياتهم مع تلك المهنة تارة وآلامهم من ركودها المفاجئ بسبب جائحة كورونا التي أحدثت شللاً كاملاً بعد مرورهم بضعف الإنتاج بسبب أزمات متوالية كان آخرها انتشار الوباء وفرض الحظر والتوقف بشكل كامل.

هنا صمت بين السطور يخبرك أن تلك البقعة التي تعد أكبر وأقدم ترسانة لصناعة السفن في الشرق الأوسط تغرق في صمت، ومن دون صفير إنذار من منقذ، أنشأها محمد علي باشا، كأقوى ترسانة بحرية تحمل أكبر أسطول بحري لمواجهة خطر العدو أثناء الحروب عام 1827.

عدسة "البيانولا" عراقة يحكيها التاريخ 

كتلك الصور القديمة التي نراها بمجرد التقاء نظراتنا وعدسة "البيانولا" تلك الآلة التي تشبه السحر، الإحساس نفسه يباغتك بمجرد أن تعبر من بين المارة تاركاً السيارات وضجيجها خلفك على امتداد طريق قلعة "قايتباي"، تتسلل بين المباني الخشبية لتفاجئك الألوان والتصاميم القديمة لترسانة صناعة السفن "بالأنفوشي".

تشعر كأنك تتجول داخل "البيانولا"، وأنت ترى المراكبية و"الأسطوات" في زي مميز غالباً لايتسني لك رؤيته سوى في أفلام الأبيض والأسود، هياكل السفن القائمة تحت الإنشاء تبرهن على براعة وبصمة مميزة لدى أبناء الإسكندرية، الهيكل وحده قطعة فنية من دون طلاء أو زخارف.

 

 

يرجع عمر منطقة تصنيع السفن في بحري إلى الحقبة التاريخية لمحمد علي باشا، حيث اعتبرها أفضل منطقة يقيم فيها أقوى أسطول بحري لحماية البلاد في عام 1826، ومنذ ذلك الحين تمركزت صناعة السفن في المنطقة نفسها من الإسكندرية.

قامت على تلك الصناعة حياة عشرات الأسر، يتوارث أفرادها المهنة جيلاً بعد جيل ويضعون أسرارها مع صندوق وصيتهم لأبنائهم كإرث قيّم يجلب الذهب ورغد العيش معه، فكان مصير الأطفال من الذكور معروفاً في مدرسة من دون معلمين يتتلمذون على يد "أقدم وأكبر أسطوات بحري".

" التوت"، "الكافور"، "الزان"، الأبلكاش"، "الصويط" هي أنواع الخشب المستخدم في صناعة المراكب، بحسب الأسطى شحاتة القبطان واحد من أقدم أصحاب الورش بالأنفوشي، مرجعاً ذلك إلى صلابتها وقدرتها الكبيرة على تحمل ملوحة البحر، مؤكداً أن صناعة السفينة الواحدة تستغرق في البناء من ستة أشهر إلى ثمانية وقد تتعدى تلك الفترة، حيث يتوقف تحديد ذلك على رأس المال والتمويل ومدى استعداد الممول.

أقدم "أسطوات" الأنفوشي وذكرياته كأصغر مراكبي

الأسطى "شحاتة القبطان" أقدم أسطوات بحري يروي لـ"اندبندنت عربية"، حكايته مع صناعة السفن، ودخوله تلك الحرفة منذ نعومة أظافره، فيقول، هنا في بحري عائلات بالكامل تعمل بهذا المجال، وولادة طفل ذكر لديهم يعد منة كبيرة من الله عليهم وإشارة تدخل عليهم السعادة، معناها امتداد نسلهم في تلك المهنة، وعدم انقطاع أرزاقهم حيث مدَرّ رزقهم الوحيد، فلا يؤتمن الغريب على مصير وأموال العائلة، لذا حين ولادتي كانت عزومة حافلة بألذ مأكولات البحر للأهل والجيران والفقراء، فعادة ما تذبح الذبائح في تلك المناسبات لكن كانت طقوس الاحتفال بمجيئي مختلفة.

 

 

عينان صغيرتان تراقبان في دهشة أيادي "الصنايعية" وهي تتنقل في خفة أثناء بناء مركب الخواجة اليوناني "ألبير"، كان هذا أول سحر يخطف عقل وقلب الأسطى شحاتة القبطان، وأصبح عقله ككاميرا فوتوغرافية يسجل المشاهد في صمت خلال طفولته وأعوامه الأولى، إلى أن حمله في يوم أحد المراكبية أعلى السفينة مع الأسطوات بناء على رغبة الصغير الذي لم يتعدّ عمره السنوات السبع.

 ومن دون إذن قرر أن يقوم بما يقوم به الأسطوات حتى أن والده لم يفرّق بين صنعته وصنعة الآخرين، ولفرط سعادته حينها قرر أن يوكل إليه أدواراً متعددة أثناء عملية بناء السفن ليصبح أصغر أسطى مراكبي بالأنفوشي ولقّب حينها بالقبطان حتى ظل يحمل هذا الاسم إلى أن أصبح أكبر وأقدم أسطى بالأنفوشي، ويتابع "شحاتة القبطان" أنه عشق تلك الحرفة وعلمها لأطفال المنطقة وشبابها كما تعلمها وهو صغير لتأثير ذلك عليه تأثيراً كبيراً في البراعة وإتقان تلك الحرفة . 

"بحري" وأول لقطة سينمائية في مصر1897

البصمة المميزة لمنطقة "بحري" في الإسكندرية، والمناظر الخلابة الطبيعية التي تتلاقى مع الأعداد الضخمة من المراكب على اختلاف أحجامها وتصاميمها البديعة على طول الشاطئ جعلها أولى الوجهات للخواجة "مسيو بروميو" المكلف بتصوير أول فيلم سينمائي بمصر عام 1897، من قبل دار لومبير"الفرنسية" التي عرفت بأول من أخترع التصوير السينمائي في العالم، لتلتقط أول لقطات في تاريخ مصر يوم الأربعاء في العاشر من مارس (آذار) للعام نفسه، كانت واحدة منها لقطة في إحدى البواخر بمنطقة" بحري".

 

توالت الأحداث والتواريخ على منطقة بحري، وظل العامل المشترك فيها أنها وجهة لأهل الفن من السينمائيين والتشكيليين والأدباء والشعراء وعظماء الفن والغناء، فكان من بين الأفلام التي تم تصويرها بالإسكندرية بخاصة منطقة "بحري"، فيلم "بنات بحري" بطولة ماري منيب وعبد السلام النابلسي وآمال فريد عام 1962، وفيلم الصعاليك وغيره من الأعمال السينمائية والفنية، فغنت هدى سلطان لبحري أغنية "من بحري وبنحبوه" وغيرها من الأعمال الكثير.

صناعة السفن تغرقها جائحة كورونا

ملامح لاثنين من الرجال لفحتهما شمس شاطئ "الأنفوشي" تستوقفنا، خلف ساحة كبيرة لورشة صناعة السفن على الشاطئ ، تخلو من البشر والصنايعية سوى من هذين الاثنين اللذين افترشا الأرض يتناولان الشاي الدافئ ونظراتهما خاوية كحال الساحة من حولهما، ونظرة سريعة على المكان تمنحك قراءة للمشهد: ورشة متوقفة ومراكب في مرحلة من مراحل بنائها توقفت أيضاً منذ زمن يخبرك بهذا الصدأ الذي انتشر على السطح، وأحدث بجمالها تشوهات تلتقطها بمجرد النظر من بعد.

نتجاذب أطراف الحديث معهما ونبرة اليأس والحزن تشوب صوتيهما، يقول المعلم خميس 54 سنة واحد من أسطوات المنطقة: أعمل في تلك الصنعة طوال سنوات عمري، فأنا ولدت هنا ونشأت وسط السفن، وتوارثنا المهنة أباً عن جد، حتى أن كل المعلمين الذين تعلمت على إيديهم توفاهم الله، ولم يبقَ منهم سوى المعلم حمدي الدوجشي والمعلم شحاتة القبطان، فنأخذ العهد من بعدهم ونتحمل مسؤولية تعليم الصنعة لأولادهم وأحفادهم من بعدهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتابع "خميس" أن المعلم "حمدي الدوجشي" علمٌ من أعلام المنطقة والصناعة الآن، فهو وريث المعلم عرب الدوجشي، ولكن الحال الآن ليست كما كانت في السابق حيث أننا متوقفون ونعاني حركة ركود كبيرة منذ عام 92 منذ أن مُنعت الرخص، الأمر الذي أدى إلى هذا الركود، وحاولنا التواصل مع الجهات المسؤولة مراراً وتكراراً لحل المشكلة لكن لا يوجد منقذ، والحال يسوء عاماً بعد عام وأصبحت تلك المهنة بعد الازدهار الكبير الذي حققته خلال عقود تندثر وتغرق كل يوم من دون أن يشعر أحد، بعدما كنا أكبر ترسانة لصناعة السفن في الشرق الأوسط.

ويضيف "خميس" أننا لم نستفِق بعد من الأزمة الأساسية حتى لحقت بنا الأزمة الأكبر جراء أنتشار وباء كورونا وفرض حظر التجوال وتوقف كل شيء، فبعدما كنا نعمل حتى وإن ليس بالشكل الكافي كما كنا في السابق، إلا أن فيروس كورونا فاجئنا جميعاً ليحدِث شللاً تاماً وتوقفاً كاملاً بسبب الركود الذي أحدثه، ولم يعد لدينا ما ندفعه حتى من يوميات العمال فاضطررنا إلى غلق الورش وتسريح مؤقت للعمال إلى إشعار آخر، لتنال منا ومن الجميع حالة من الإحباط ومحاولة الكثير منا البحث عن مورد رزق آخر.