Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هدية أخيرة من إيزادورا دانكان إلى فانيسا ريدغريف

شال وسيارة ينهيان حياة الراقصة وجائزة "كان" للمبدعة التي جسّدتها

 ايزادورا والشاعر يسينين ( موقع ويكيميديا)  

هو بالتأكيد واحد من تلك المشاهد التي لا تُنسى أبداً في تاريخ السينما العالمية. مشهد بقي محفوراً في ذاكرة مشاهدي السينما على الرغم من أن أكثر من نصف قرن من الزمن قد مرّ على عرض الفيلم الذي يشكل جزءاً منه، بل هو جزء أساسي منه على اعتبار أن الفيلم كله إنما صُنع انطلاقاً منه، وتتابعت مشاهده لتوصل إليه. الفيلم الذي نتحدث عنه ينتمي على أي حال إلى ذلك النوع الذي لم يكن قد أُعطي بعد اسم "بايوبيك" أي أفلام السيرة. والسيرة المعنية ههنا هي سيرة واحدة من كبيرات راقصات بدايات القرن العشرين، وإن كانت قد باتت منسية حين حُقّق عنها في الفيلم في عام 1968 تحديداً. أما بالنسبة إلى المشهد فيدور في الشكل التالي، سيارة رياضية فخمة من النوع الذي لم يكن يقوده إلا كبار الأثرياء والنجوم في ذلك الحين أي في العام 1927. في السيارة التي تنهب الأرض على الطريق الساحلي المؤدي إلى إمارة موناكو في الجنوب الفرنسي، ثمة رجل وامرأة، والحقيقة أن الرجل لا يهمنا كثيراً هنا، فهو لم يكن سوى واحد من عشاق تلك المرأة الكثر. لكنه سيكون الأخير.

 

 

الشال القاتل

ذلك لأن ما سيحدث في ذلك الحين أن المرأة التي كانت تحسّ بسعادة لم تحسّها منذ زمن طويل، كانت ترقص وتتمايل في السيارة المكشوفة مستمتعة إلى حد كبير بطيران شالها في الهواء علامة على قدر كبير من الحرية والانطلاق. ولكن فجأة يطير الشال، وهو لا يزال ملتفاً حول رقبة المرأة ليعلق دون انتباه منها أو من السائق في إحدى عجلات السيارة، ويلتف خلال أجزاء من الثانية حول رقبة السيدة ويخنقها. وكانت على هذا النحو نهاية المشهد كما نهاية الفيلم، ولكن أكثر من ذلك نهاية إيزادورا دانكان التي أراد الفيلم الذي أخرجه كارل رايز أحد أقطاب تيار "السينما الحرة" في بريطانيا سنوات الستين، ولعبت دوره الرئيس الممثلة الكبيرة فانيسا ريدغريف، أن يروي من خلاله حكاية تلك الفنانة المبدعة مذكراً إيانا بأن في خلفية سيرتها الصاخبة، وفي خلفية ذلك الموت الذي يبدو للوهلة الأولى موتاً لئيماً لسيدة مجتمع، ثمة امرأة كانت استثنائية في ذلك الزمن المبكر. امرأة امتهنت الرقص "كفعل ثوري" بحسب رؤيتها، وكنوع من "النضال ضد جمودية المجتمع"، هي التي كان الرقص اهتماماً رئيساً في حياتها، لكنه أتى على الدوام تالياً للنضال السياسي. وحسبنا للتذكير بهذا أن نذكر أن إيزادورا دانكان رغم كثرة عشاقها في فترة من حياتها، كان لها، وكما قالت دائماً، حبيب أبدي واحد هو الشاعر الثوري الروسي يسينين.

إذاً، لم تعش إيزادورا دانكان حتى تشهد مايو (أيار) الفرنسي في 1968، بما اعتمل فيه من ضروب ثورة، ومشاكسة، ومحاولة لتجديد مسار العالم أو تغييره، وكان ذلك طبيعياً لأن تلك التي يعتبرها الكثيرون أعظم راقصة عرفها القرن العشرون، توفيت قبل نحو أربعين عاماً، من انتفاضة الطلاب اليساريين. ومع هذا حملت إيزادورا في فؤداها بذور كل الأحلام والمبادئ والقيم التي نادت بها تلك الانتفاضة، من تطلع إلى العدالة الاجتماعية، إلى الثورة على الظلم، إلى مناصرة قضايا المرأة، إلى الوقوف في جانب هموم الطبقة العاملة. وإلى ذلك كله، وتماماً كما كان حال «ثوار مايو الفرنسي» في 1968، عاشت إيزادورا دانكان حياة لهو بورجوازية، ولم يكن نضالها في نهاية الأمر سوى نزول من عليائها الطبقي إلى هموم الطبقات المسحوقة.

ومن هنا لم يكن غريباً أن يرتبط اسم إيزادورا دانكان باسم فانيسا ردغريف، بل أن تتخذ ملامح إيزادورا، وإلى أبد الآبدين ملامح فانيسا. ولم يكن هذا فقط بسبب التشابه في تطلعات هاتين المرأتين ونضالهما المشاكس، بل كذلك وبخاصة لأن فانيسا ردغريف لعبت الدور بكل جوارحها معلنة أنه أصدق وأجمل دور سينمائي لعبته في حياتها الفنية الطويلة، متحدثة دائماً وبخاصة عن مشهد الشال وهي دامعة العينين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحياة مجدداً على الشاشة

عبر ذلك المشهد، كما عبر الفيلم كله، عرفت فانيسا ريدغريف كيف تعيد إلى الحياة واحدة من أساطير فن الرقص في تلك الأزمنة، تلك الفنانة التي فتحت الطريق أمام ما يسمى بـ«الرقص السيمفوني»، وزاد من هوس المعجبين بها أنها كانت تصر دائماً على الرقص حافية القدمين، وهي مرتدية ثياباً إغريقية كلاسيكية. وكانت إيزادورا، قد عرضت فنون رقصها في طول الولايات المتحدة وعرضها، قبل أن تتجه إلى أوروبا، حيث راحت تتسم بالطابع الأوروبي مختلطة بالأوساط الثورية اليسارية مطالبة بالتغيير في طول العالم وعرضه، مؤكدة أن هذا التغيير لا يمكنه أن يكون منفصلاً عن تغييرات أساسية ينبغي أن تطاول الفنون والذهنيات. بالتأكيد كانت إيزادورا دانكان التي اعتبرت نفسها منذ وصولها القارة الأوروبية ابنة حقيقية لذلك "العالم القديم الذي لن ينبثق التجديد إلا من ثناياه، وقد استعاد زهو فنونه" بحسب تعبيرها. باختصار منذ وصولها إلى أوروبا راحت إيزادورا تعتبر نفسها أوروبية، وتحمّل أوروبا مسؤولية إشعال الثورة التغييرية في العالم كله، ومن هنا ما نقوله حول ما ستكون حالها وحياتها عليه لو أنها عاشت حتى اندلاع ثورات العام 1968. وربما لا نكون مغالين هنا إن قلنا إن كون فانيسا ريدغريف هي التي قامت بدورها في الفيلم المذكور لا يمكن أن يكون صدفة (وهي نالت على أدائه جائزة أفضل ممثلة في مهرجان "كان")، فحتى من قبل الفيلم كان كثر يرون في ريدغريف وفنها ونضالاتها نوعاً من الاستكمال لمسيرة إيزادورا دانكان، تلك المرأة التي كان يقال دائماً إنها إنما خُلقت للفرح والثورة والحياة.

 

 

نهاية ما قبل النهاية

لكن حياة إيزادورا دانكان لم تكن فرحاً ورقصاً وتجوالاً في أنحاء العالم فقط، بل كانت حياة مآسٍ كذلك. وكانت ذروة تلك المآسي في أبريل (نيسان) 1913، حين غرق طفلاها ديردر (8 سنوات)، وباتريك (3 سنوات) في نهر السين، بعد أن انقلبت فيه سيارة أبيهما. حدث ذلك قبل 14 عاماً من رحيل إيزادورا دانكان، ومنذ ذلك الحين وحتى الحادثة التي أودت بحياتها في سبتمبر (أيلول) 1927 لفّ الحزن حياة إيزادورا، التي كانت قد بلغت التاسعة والأربعين من عمرها، وتعرف أنها لن تنجب أبداً بعد ذلك.

ولدت إيزادورا دانكان العام 1878 في الولايات المتحدة، وانصرفت إلى الرقص باكراً، مازجة بين الحركات التعبيرية والحركات الرياضية، وذلك للمرة الأولى منذ العصور الرومانية. وهي أسست مع شقيقة لها، في نيويورك، عدة مدارس للرقص التعبيري، وكان من شأنها أن تبقى في الولايات المتحدة، وتحقق نجاحاً وثروة كبيرين، لولا اكتشافها للشيوعية فوقفت مناصرة لها، ثم بارحت الولايات المتحدة إلى أوروبا حيث عاشت مغامرة زواجها الأول الذي أنجبت منه طفليها، وبعد رحيل الطفلين وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى، قادها نضالها ورغبتها الدائمة في الترحال، إلى روسيا حيث شاركت في نضال الشيوعيين في الوقت الذي نما لديها اهتمام بالفلسفة، وتمعن متزايد في بحث الأفكار الاجتماعية. وفي روسيا تعرفت إلى الشاعر الثوري يسينين، الذي سرعان ما تزوجته، وأسهمت معه في الثورة البولشفية. غير أنها سرعان ما انفصلت عن يسينين، ثم خسرته نهائياً حين وضع حداً لحياته بالانتحار. وبعد نجاح الثورة وانتحار يسينين، عادت إيزادورا إلى أوروبا لتعيد في أول العشرينيات مجدها القديم، لكنها كانت قد غدت شبه منسية، إضافة إلى أن نضالاتها إلى جانب الشيوعيين زادت حدة عداء الصحافة لها، فكفّت عن أن تكون راقصة العالم الأولى، لتصبح سيدة مجتمع، وتعيش حياة ترف ولهو، كانت نهايتها على شكل شال التف عليها وقتلها.

المزيد من ثقافة