رابعاً: أساليب الترجمة ونتائجها
على الرغم من أن الترجمة لم يكن لها ذلك النضوج العلمي في بداية عهد العرب المسلمين، إلا أنها قد نمت بالتدريج عبر مراحل تجاوزت فيها المشاكل التي قابلتها، وهكذا تم تجاوز التراجم الأولى الضعيفة التي يعود سببها إما إلى أن المترجمين الأوائل لم يرجعوا إلى الأصل اللغوي للمصدر، أو لأن غالبيتهم كانوا أطباء ليسوا متخصصين بالعلوم العقلية، أو لأن بعضهم كان مبتدئاً بالترجمة، كما وصف حنين بن إسحق نفسه عند ترجمة سريانية لأحد كتب جالينوس، إذ يقول، "ثم إني ترجمته – وأنا حدث من أبناء عشرين سنة أو أكثر قليلاً – لمتطبب من أهل جنديسابور يقال له شيريشوع بن قطرب من نسخة يونانية كثيرة الإسقاط. ثم سألني بعد ذلك وأنا من أبناء أربعين سنة أو نحوها – حبيشُ تلميذي إصلاحه بعد أن كانت قد اجتمعت له عندي نُسخ يونانية، فقابلت تلك ببعضها بعضاً حتى صحت منها نسخة واحدة، ثم قابلت بتلك النسخة [التي ترجمها ابن شهدا ترجمة سيئة النص] السرياني وصححته، وكذلك من عاداتي أن أفعل في جميع ما أترجمه".
في هذا الصدد يقول أبو حيان التوحيدي (310-414 ه/922-1023 م) في "المقابسات" إن "الترجمة من لغة اليونان إلى العبرانية ومن العبرانية إلى السريانية ومن السريانية إلى العربية قد أخلّت بخواص المعاني في أبدان الحقائق إخلالاً لا يخفى على أحد. ولو كانت معاني يونان تهجس في نفس العرب مع بيانها الرائع، وتصرفها الواسع، وافتنانها المعجز، وسعتها المشهورة لكانت الحكمة تصل إلينا صافية بلا شوب وكاملة بلا نقص، ولو كنا نفقه من الأوائل أغراضهم بلغتهم لكان ذلك أيضاً نافعاً للغليل وناهجاً للسبيل ومبلغاً إلى الحد المطلوب".
أما أساليب الترجمة، فيمكننا أن نستعرض تحليل صلاح الدين الصفدي (696-764 ه/1296-1363 م) في هذا الشأن، حيث يشير قائلاً، "للترجمة في النقل طريقان، أحدهما طريق يوحنا بن البطريق، وهو أن ينظر إلى كل كلمة مفردة في اليونانية، وما تدل عليه، ثم يأتي المترجم بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى، فيثبتها وينتقل إلى الأخرى، كذلك حتى يترجم جملة ما أراد تعريبه. وهذه الطريقة رديئة لوجهين، أحدهما أنه لا يوجد في اللغة العربية الكلمات الكافية التي تقابل اللغة اليونانية، ولهذا وقع في خلال التعريب كثيراً من الكلمات اليونانية على حالها، والوجه الثاني أن أسلوب التركيب في لغة يختلف إلى لغة أخرى، فتقع أخطاء في استعمال المجاز، أما الطريق الثاني في التعريب فيمثله حنين ابن إسحق، والطريقة في أن يأتي بجملة. فيحصّل معناها في عقله، ثم يعبر عنها باللغة الأخرى بجملة تطابقها، هذه الطريقة أجود من الأولى، لذلك لم تحتج كُتب حنين إلى تصحيح إلا في كُتب الرياضيات لأنه لم يكن متعمقاً بها، أما كُتب الطب والمنطق والعلوم، فأغلب كتبه لم تحتج إلى أي تصحيح".
ولكن هذه الترجمة الحرفية قد جاءت إلى العرب من قِبل المترجمين السريان بشكل كبير، ولذلك فقد أورثوهم النطق السرياني وليس اليوناني. على سبيل المثال، إن أسماء سقراط، وأفلاطون، وأرسطو طاليس ليست كلفظ سوكراتس وبليَتون، وأرستوتاليس كما يقول أهل اليونان. ومع ذلك، فقد أحدثت الترجمة نتائج مهمة وخطيرة، سواء كان في تحريك اللغة العربية عن طريق الألفاظ والاشتقاق والتجديد، أو في تطوّير بُنية التكوين الفكري في عقلية العرب بشكل عام. فقد ظهرت المذاهب العقلية مثل القدرية، والمعتزلة، والأشعرية، وغيرها، وكذلك المذاهب الصوفية عند ابن الفارض، وابن عربي، والحلاج وآخرين غيرهم، علاوة على الفلاسفة من الكندي، والفارابي، وابن سينا إلى الغزالي، وابن رشد، وابن خلدون من الذين وضعوا مذاهب فلسفية تخصهم؛ بل إن الترجمة استطاعت أيضاً أن تؤثر في الشعر العربي، إذ تجد الزهد عند أبي العتاهية، والطبيعة عند أبي تمام، والحكمة عند المتنبي، والتفلسف عند أبي نواس، والتشاؤم عند المعري، والمنطق في كتابات الجاحظ، والنقد الأدبي عند أبي هلال العسكري وعبد القاهر الجرجاني.
والأخير في كتابه "أسرار البلاغة" تناول الترجمة كدراسة ودقة في استعمال المفردات، فالمترجمون العرب وضعوا لكل جزء من أجزاء الجسم في الإنسان والحيوان لفظاً خاصاً به، "فالشفة" في الإنسان هي "المشفر" للبعير، و"الجحفلة" للفرس. كما بيّن الجرجاني وجوب التفريق بين نوعين من الاستعارات، استعارات غير مفيدة، لا تعدو أن تكون توسعاً في اللغة، واستعارات مفيدة كأن تصف إنساناً بأنه أسد، أو سفينه بأنها جبل، وذلك بوجوب النقل باللفظ ومراعاة الاستعارة، إذ إن نقل الاستعارة المفيدة بمعناها فقط فيه حرمان من نكتة بلاغية.
وعلى الرغم من هذه الدقة، إلا أن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى بعض الجوانب السلبية الناتجة عن ضعف الترجمة عند بعض الناقلين التي أدت إلى سوء الفهم وإساءة التقييم بحق الفلاسفة اليونانيين، خصوصاً أفلاطون وأرسطو، علاوة على عدم التدقيق في بعض الكُتب التي نسبت خطأً إلى مؤلفين لم تكن لهم، فأثرت على مسيرة الفكر العربي الإسلامي؛ كما حدث مع فيلسوف العرب الكندي (185-256 ه/805-873 م) عندما نقل أجزاء من كتاب "التاسوعات" لأفلوطين تحت عنوان "الإلهيات" لأرسطو، بالإضافة إلى ذلك، أن النزعة التوفيقية التي نقلوها عن الأفلاطونية المحدثة، قد قيدت عقلية إبداعاتهم، وأثقلت حرية تفكيرهم أكثر مما ينبغي.
كيفما كان الأمر، فإن حركة الترجمة كان لها دورها، وخصوصيتها في رفد العقل العربي بأفكار وآراء، ونظريات في مختلف العلوم والآداب، إذ تمكن من خلالها من تكوين فكر خاص لحضارة عربية إسلامية امتازت بالأخذ والعطاء في عملية التطوّر الحضاري الإنساني، لا سيما في فترة القرون الأربعة الأولى من الإسلام، عندما كانت العربية لغة الدولة الرسمية، وكان للمترجم منزلة مرموقة في الدولة وفي المجتمع، شكّلت الترجمة رافداً حيوياً في ازدهار تلك الفترة المُنيرة من تاريخ العرب في بناء حضارة الإسلام.