Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رغبة وكراهية في قصيدة "النار والثلج" لروبرت فروست

أينتهي العالم بانفجار شمسيّ أم بمصير جليديّ؟

روبرت فروست (من موقع poetry foundation)

ذات يوم رأى الشاعر الأميركي روبرت فروست أن من حق الشعراء، ولو في زمن العلم والعقلانية الذي كانته بدايات القرن العشرين، أن يتخيّل هو أيضاً كشاعر كيف ستكون نهاية العالم. ومن هنا، على سبيل استيحاء من كان يعتبره سيّد شعراء العالم وأستاذه الأكبر النهضوي دانتي في الجزء المعنون "الجحيم" من رائعته "الكوميديا الإلهية"، وجد فروست ضالته في النشيد الثاني والثلاثين من ذلك الجزء لينظم قصيدته "النار والثلج" التي باتت منذ ظهورها للمرة الأولى في عام 1920، واحدة من أشهر القصائد الشعرية الأميركية، وبالتأكيد القصيدة الأشهر بين كل ما كتبه فروست في مساره الكتابي الطويل، المسار الذي من المعروف على أية حال أنه أعاد إلى الشعر الأميركي مجده الذي كان قد اضمحلّ منذ غياب والت ويتمان، وفي انتظار ظهور ويليام كارلوس ويليامز ورائعته الفريدة من نوعها في الحياة الأدبية الأميركية "باترسون".

بين الرغبة والكراهية

إذاً منذ زمن بعيد كان معروفاً أن هذه القصيدة التي تبلغ اليوم العام المئوي الأول، قد استوحيت من عمل دانتي، الذي لا شك في أن فروست قد ربطه بنهاية العالم كما كان تصوّرها أمام رصده فظاعات الحرب العالمية الأولى من ناحية، والفظاعات الأخرى التي اقترفها وباء الإنفلونزا الإسبانية الذي كان اجتاح العالم قبل ذلك بعامين. ومع هذا ها نحن نرى العالم الفلكي الأميركي هارلو شابلي يقول في مقال له نشره عام 1960 في مجلة "الفنون والعلم"، أنه هو من ألهم فروست تلك القصيدة "حيث كنت قد التقيته قبل كتابته لها بعام، أي في 1919 وحدثته حديثاً علمياً عن أن الدنيا سوف تنتهي ذات يوم بواحدة من طريقيتين: فإما أن تنفجر الشمس وتصبح ناراً هائلة تقضي على عالمنا مبيدة كل ما ومن عليه، وإما أن تفلت الكرة الأرضية من ذلك المصير فلا تصاب بالحريق لكنها في المقابل سوف تتجمد تماماً بحيث يفنى كل من عليها". ويضيف شابلي أنه فوجئ في العام التالي ببروست ينشر القصيدة معلناً أنه استوحاها من "جحيم" دانتي.

تقول القصيدة: "يقول البعض إن العالم سوف ينتهي وسط اللهيب/ لكن البعض الآخر يقول إنه سينتهي بالثلج/ أما أنا فانطلاقاً من خبرتي في مجال الرغبة فإنني أقف في صف أولئك الذين يتحدثون عن النار/ أما إذا قُيّض للعالم أن تكون له نهايتان/ فإنني أعرف بما يكفيني من كراهية/ أن دمار العالم بالثلج سيكون عظيماً أيضاً/ وقد يكون كافياً..." ومن المفيد أن نذكر هنا أن فروست إنما نقل عن دانتي فكرة ارتباط النار بالرغبة والثلج بالكراهية... ما يعزّز فكرة ارتكازه إلى دانتي بصرف النظر عما زعمه شابلي بعد ظهور القصيدة بأربعين عاماً. مهما يكن فإن مؤرخ الأدب الأميركي جون سيريو كتب بدوره دراسة أكد فيها أن قصيدة فروست إنما هي في حقيقتها تكثيف واف لـ"جحيم" دانتي، مقيماً نوعاً من التوازي بين سطور القصيدة التسعة ومراتب الجحيم التي هي تسعة أيضاً لدى دانتي، مؤكداً أن الخط التنازليّ الذي تسير عليه البنية الإيقاعية للقصيدة يتلازم تماماً مع الخط الإيقاعي التنازلي لدى دانتي. من دون أن يكون في هذا أيّ دليل قاطعٍ على أية حال تماماً، كما ليس ثمة أيّ دليل على صحة ما زعمه شابلي.

أميركا والشعر والشعراء

على الرغم من أن الولايات المتحدة هي وطن وولت ويتمان وإيمرسون، كان كثيرون ينظرون إليها أواخر القرن التاسع عشر وعند بدايات القرن التالي له، باعتبارها بلداً ليس للشعر فيه مكان. فقط بعد ذلك بزمن طويل نُظر إلى الأرض الأميركية على أنها أرض يمكن للشعر، بدوره، أن يكون له فيها مكان على الرغم من صراخ ألان غينسبرغ واحتجاجه. ولعل هذا الفصل بين أميركا وبين الشعر، كان هو الذي يقود خطوات الشعراء الأميركيين في ذلك الحين إلى أوروبا وغير أوروبا باحثين عن مكانتهم الشعرية فيها، نقول هذا ويخطر في بالنا بالطبع أسماء مثل ت. إس. إليوت وعزرا باوند.

لكن لئن كان رحيل مثل هذين الشاعرين إلى القارة العتيقة منطقياً بالنظر إلى حداثتهما وأوروبيتهما، فإن اختيار شاعر أميركي ثالث هو بروست للرحيل ذات يوم إلى إنجلترا يبدو لنا أكثر مدعاة للعجب، بخاصة أن فروست الذي يعتبر أكبر شعراء أميركا شعبية في القرن العشرين، ظل في شعره كما في حياته وتقلباته محمّلاً بالقيم الأميركية منافحاً، إلى حد ما، عن الحلم الأميركي. ومع هذا ها هي الحقيقة التاريخية تقول لنا إنه هو الآخر حدث له في 1912، وكان في الثامنة والثلاثين من عمره، أن حمل زوجته وأبناءه مرتحلاً بهم إلى إنجلترا، حيث هناك فقط أتيح له أن ينشر أول مجموعتين شعريتين له "وصية ولد" (1913) و"شمالي بوسطن" (1914). بيد أن قراءة لأشعار هاتين المجموعتين تضعنا مرة واحدة في وجه العقلية الأميركية نفسها، ما يعني أن فروست لم يكن بحاجة حقيقية للرحيل. وربما كان هذا "الاكتشاف" هو ما دفعه إلى العودة بعد سنوات إلى حضن وطنه الأميركي بعد أن كان قد حقق لنفسه سمعة عالمية طيبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استيعاب رسمي

قلنا إن روبرت فروست الذي ولد في 1874 وتوفي عام 1963 وهو في قمة مجده، يعتبر أكثر شعراء أميركا شعبية في قرننا العشرين هذا، وهو تأكيد لا تشوبه شائبة ولكن ما يُضعف من شأنه ما قامت به المؤسسة الرسمية الأميركية من استيعاب لروبرت فروست وشعره، حيث تقدمه دائماً بوصفه شاعر الطبيعة والفضاء الأميركيين. وليس من قبيل المصادفة في هذا المجال أن تكون المختارات التي ترجمها يوسف الخال إلى العربية اوائل سنوات الستين من أشعار روبرت فروست نشرت في بيروت الكوزموبوليتية يومها.

صحيح أن روبرت فروست شاعر أميركي بامتياز، وهو أميركي في أعماقه على الرغم من سنواته الإنجليزية وعمله مع الشعراء "الجيورجيك"، الذين كانوا يستخدمون لغة بسيطة تنتمي إلى الطبيعة، تكاد تشبه النثر متّخذة من داخل العبارة موسيقاها، وصحيح أنه على شاكلة الغالبية العظمى من الشعراء والأدباء الأميركيين أمضى حياته تحت شعار الترحال والقيام بشتى المهن، من التدريس إلى صناعة الأحذية مروراً بالعمل في المزرعة ما أعطى شعره طابعه الريفي التأملي، كل هذا صحيح، ولكن من الصحيح أيضاً أن فروست كان شاعر القلق في الآن نفسه. بل شاعر "الإرهاب الداخلي" على حد تعبير الناقد تريلنغ الذي أعاد اكتشافه أواسط الستينيات وشاء، بدراسة عنه، أن يعيد له قيمته المشاكسة والقلقة بعد أن اعتبر من قبل السلطة جزءاً من التراث الأميركي الممتثل.

مهما يكن فإن قراءتنا اليوم شعر روبرت فروست ستكشف لنا عن ازدواجية أساسية لدى "هذا الشاعر الذي انتمى إلى بلد اللاشعر": فهو حين يطلق نفسه على سجيتها في تعبيره الشعري يصل إلى الذروة كما في "شمال بوسطن" و"وصية ولد" و"نيوهامبشاير" و"ساقية الغرب" وكلها تنتمي إلى سنواته الأولى، أما حين يشاء أن يحول نفسه إلى معلم فكر وإلى شاعر - فيلسوف، كما في قصائد "شجرة الجدود" (1942) و"قناع العقلط (1945) وطقناع الشفقة" (1947) فإنه يفقد قيمته الشعرية، ويبدو بحسب تعبير الشاعر كينيث وايت "أشبه بعضو في مجلس النواب يتحدث عن أميركا وقيمها وفكرها العميق وقد خيل إليه أنه تقمص شخصية في واحد من أفلام فرانك كابراط. مهما يكن فإن فروست أثبت، ذات يوم، أن بإمكان أميركا أن تنتج أيضاً شعراء لا يقفون بالضرورة ضدها وضد قيمها، ولعل هذه قيمته الكبرى بالنسبة إلى الأميركيين.

المزيد من ثقافة