Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طرابلس اللبنانية مدينتان للبؤس والثراء في واحدة

سميت "درّة الثورة" التي انطلقت في لبنان منذ 17 أكتوبر وتخالط شبابها في ساحة النور

ساحة النور في مدينة طرابلس اللبنانية (أ ف ب)

يقال إن الفقر والبؤس في لبنان يتمظهران بشكل واقعي في مدينة طرابلس عاصمة الشمال اللبناني، وتحديداً في الجهة الشمالية من نهر أبو علي حيث نشأت مجموعة من الأحياء وشكّلت كتلة من الضواحي، ليس بينها وبين المدينة ارتباط في النشوء والتكوّن، بل هي أقرب إلى أن تكون قرى تحيط بالمدينة، ومنها ضهر المغر وباب التبانة وجبل محسن، وهي الأكثر بؤساً وفقراً في لبنان.

"درّة الثورة"

سميت مدينة طرابلس "درّة الثورة" التي انطلقت في لبنان منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وذلك بسبب مداومة شبابها على الاعتصام الليلي يومياً في ساحة النور، التي حصدت شهرة واسعة على مستوى الثورة لبنانياً. وكان روادها من شباب الأحياء الفقيرة العاطلين من العمل ومن شبان المدينة الداخلية، وتحديداً شباب الميناء، المنتمين إلى الطبقة الوسطى والذين لم يجدوا عملاً بعد تخرجهم من جامعاتهم أو الذين يحلمون بتغيير النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة والزبائنية والفساد والطائفية. فكانت ساحة "الثورة" مكان لقاء هؤلاء الشباب المختلفين اجتماعياً.

وعلى الرغم من الفقر والبؤس العميمين القديمين، تجد أن سكان حي ضهر المغر يعلقون صور رجال السياسة والزعماء الطرابلسيين من كل الأحجام على جدران حيّهم المكدّس تكديساً، كأنه مدينة ضغطت في مكبس ضخم، فازدحمت بيوتها وتلاصقت، وباتت الشوارع زواريب تطلّ عليها النوافذ وأبواب البيوت وشرفاتها، وتتداخل مع ممرات المنازل الداخلية وغرفها.

وهم يكتبون "رجل الثقة والأمانة" فوق صورة واحد من هؤلاء الزعماء، أو "نثق بهذا الرجل"، فوق صورة آخر. وهذا ما يثير استهجان الزائر عن مصدر هذه الثقة وسببها. ولا بد أن مصدر الثقة هو تواطؤ متبادل بين الزعامات السياسية الطرابلسية وأهل الحي. فالزعيم صاحب الثروة الطائلة والتي حصّل جزءاً كبيراً منها من صفقات أبرمها خلال وجوده في السلطة، هو الذي يطبع صوره ويكتب عليها بلسان أهل الحي وغيرهم أنه محطّ ثقتهم. وإذ يقوم أهل الحي بملئه بصور المرشح – الثقة فإنهم يقبضون ثمن عملهم وثقتهم هذين مالاً نقدياً تضاف إليه وعود بأن المرشح سيحسّن أوضاعهم المعيشية والحياتية، التي أقل ما يقال فيها إنها بائسة مزرية. البعض يقول إن هذه الظاهرة اختفت في معظم الأحياء الفقيرة أو الثرية على السواء بعد انطلاق الانتفاضة، والبعض الآخر يقول إن الأمور عادت إلى سابق عهدها مع أفولها أو موتها "السريري" وعودة الفقراء من ساحة النور إلى أحيائهم الداخلية وفقرها وبؤسها.

الحياة على الأدراج

الحي القابع كـ"قنبيطة" ضخمة قرب قلعة طرابلس تقطعه ثلاثة شوارع من الشمال إلى الجنوب، وهي أقرب إلى كونها "زواريب". أما المسافات الفاصلة بين البيوت فإنها بحجم "القادوميات" التي تتسع لشخصين مارين قرب بعضهما بعضاً على الأكثر. يتفرّع من الشوارع الثلاثة أدراج تصل بينها، وتوصل الأدراج إلى أطراف الحي المتباعدة وإلى أعلاه وإلى أسفله، وعلى هذه الأدراج تدور حياة أهل الحي بطيئة ولزجة كالهواء الثقيل المترسّب فيها.

والأدراج هذه ليست أدوات للصعود والنزول على ما يشي دورها الذي نعرفه. بل هي مكان سيلان مياه الصرف الصحي ومياه شطف البيوت من أعالي الحي إلى أسفله، وحيث تتكوّم النفايات التي يتركها السكان أمام أبواب منازلهم في انتظار من يزيلها وهو على الأرجح لن يأتي، بسبب عدم وجود سلّات المهملات أو مستوعبات النفايات في الحي، وقد برّر متعهد التنظيف في طرابلس هذا الأمر بأن أهالي الحي يرفضون وضع المستوعبات أمام أبواب منازلهم، أما سلّات المهملات الصغيرة التي علّقت على أعمدة الكهرباء فقد سُرقت جميعها.

والأدراج متنفّس المنازل ونوافذها ومكان تجمّع الشبان عند عودتهم من أعمالهم في القرى القريبة أو في ميناء طرابلس، حيث يلتقون بأقرانهم العاطلين من العمل والذين ينتظرونهم في الفسحات عند ملتقى الأدراج أو في المقاهي الصغيرة التي تقدم القهوة وورق اللعب، ويشاع أن إدمان الحبوب المخدرة وعلى رأسها "الكبتاغون" بات ظاهرة بين شبان الحي، وهذ الحبوب مصدرها البقاع اللبناني والداخل السوري وقد برزت في الآونة الأخيرة مسؤولية مقربين من "حزب الله" اللبناني عن تصنيعها وترويجها وتصديرها.

الزمن رسام حزين

ولحيّ ضهر المغر لون يشبه لون قلعة طرابلس الأثرية التي تحاذيه، كأن لونه انتقل إليه بعدوى الزمن من تلك القلعة. ولو كان الزمن الذي هام فوق كل منهما رساماً، لقلنا إن زمن القلعة لوّن الحي العتيق وأرسل عليه مسحة حزينة من اللّون المغبّر الذي يوحّد منازله في شكلها ولونها من الداخل والخارج. وحدها صور الزعماء والسياسيين والمرشحين إلى الانتخابات تضيف على الحيّ ألواناً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القسم السفليّ من حيّ ضهر المغر يحاذي حيّ باب التبانة الأكثر فقراً وبؤساً منه، وفي هذين الحيّين تكون السلطة الرمزية ليلاً لشبان الفتوّة والبطالة والغضب والحبوب المخدرة الذين كانوا قبل انتفاضة أكتوبر ينفّسون غضبهم الكامن بالمشادات والمشاكل المفتعلّة مع شبان الأحياء الأخرى، والتي غالباً ما تندلع لأسباب واهية أو حتى باتفاق بين الشلل الشبابية للتسلية وتزجية الوقت وتفعيل العنف وفرض السلطة للأقوى. إلا أن الانتفاضة أسهمت في توحيد هؤلاء الشبان حول مطالب معينة وفي مواجهة الزعماء أنفسهم الذين كانت صورهم تملأ الأحياء. فقام هؤلاء بعد الانتفاضة بنزع هذه الصور واللافتات وتمزيقها وإحراقها تعبيراً عن غضبهم وربما عن يقظتهم على أوضاعهم المزرية وللمتسبّبين بها.

يقول أحد هؤلاء الشبان، إن جميع أقرانه في الحي يحسنون استخدام الشفرة أو الموسى. فمنذ الصغر يبدأ الصبي منهم بتعلم الحرفة من رفاقه الأكبر سناً. ومما يتعلمه أيضاً هو تعاطي حبوب الهلوسة، أو تنشّق مادة "التنر". لكنه يُكمل أنه بعد الانتفاضة والتزام الشبان اليومي بالحضور إلى ساحة النور من أجل المشاركة في الاعتصامات والمسيرات، تقلّصت إلى درجة كبيرة المشادات العنيفة بين الأحياء وكذلك تعاطي الحبوب، فقد وجهت تلك الاعتصامات وهتافاتها الثورية الغضب الكامن في نفوس هؤلاء الشباب نحو مقصد شريف ومبتغى تغيير النظام الفاسد في محاولة لتحقيق حياة أفضل. وهذا المطلب على الرغم من عموميته يتحوّل إلى مطلب شخصيّ لكل شاب مشارك في "الثورة"، وكأن ثورته هذه فيما لو انتصرت وتحقّقت مطالبها، فإنما تعني انتصاره الشخصيّ وتحقّق حلمه بحياة تنتشله من مستنقع الفقر والبطالة والعنف.

شارع الميناء للاستعراض

ليس بعيداً من حي ضهر المغر وجاره باب التبانة البائسين واللذين يشبهان قريتين على حافة طرابلس، كانت تجري قبل الضائقة الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان اليوم، حياة طرابلسية أخرى جديدة في شارع الميناء. وإذا كانت الصورة الإعلامية التي تطغى على طرابلس تجعلها مدينة إسلامية بسبب انتشار المجموعات الأصولية السنيّة وتصاعدها منذ انطلاق الحرب السورية، فإن شارع الميناء يبدّل هذه الصورة ويحوّل طرابلس إلى مدينة شبابية محدثّة ومترفة بعض الشيء، تحديداً في نهارات الجمعة والسبت والأحد، حين يخرج الشبان والشابات من منازلهم ليتفسّحوا على أرصفة الشارع وفي مقاهيه ومطاعمه الجديدة والحديثة.

يستقبلك شارع الميناء في طرابلس بلافتة كتب عليها "انتعشْ أنت في الميناء مدينة الموج والأفق". وللشارع أدواره في إكمال استعراض الشباب الطرابلسي الخارج إلى الحياة المحدثّة والتجمعات فجأة.

تتنوّع في هذا الشارع المقاهي والمطاعم في الشارع بتنوّع روادها. فالمقاهي الأميركية وتلك التي تقدم الوجبات السريعة ينفرد فيها المراهقون، أولئك المختلفون شكلاً والذين يلبسون ثياباً تشبه تلك التي يرتديها مغنو الراب والروك والتي تدل على عدم اهتمام بالملبس يرافقه اهتمام أكيد باختلاف الشكل كالشعر الطويل للشباب والشعر الملوّن للفتيات والسراويل الواسعة والملوّنة لكليهما. أما المطاعم ذات النمط الكلاسيكي أي التي تحتوي على طاولات خشبية وكراس وثيرة وشموع على الطاولات وصحون وأكواب للنبيذ مهيأة للاستعمال، هذه المطاعم يزورها رواد أكبر سناً، شكلهم الظاهر يدل على ثراء وترتيب.

وعلى الرغم من خفوت دور هذا الشارع منذ بداية الانتفاضة وخلال "الحجر" العام بسبب كورونا، فإن شباب هذا الشارع من الأثرياء أو "الطبقة الوسطى" التقوا مع شبان الأحياء الفقيرة في ساحة النور خلال الاحتجاجات. وتشارك الجميع في ترديد الهتافات والمطالب نفسها، ولكن هذا التشارك لم يلغِ الفروقات الطبقية بين الفريقين، ولو أنه عرّف الأثرياء منهم بمعاناة أولئك القادمين من حواف المدينة، إلا أنه بعد انتهاء الانتفاضة وتمدّد الجائحة الفيروسية، وتأزّم الأوضاع الاقتصادية تأزماً كبيراً، عادت الأمور إلى ما كانت عليه. فعاد شبان الأحياء إلى عتمة أحيائهم البائسة وتعاطي حبوبهم التي تأخذهم في رحلة دموية حيناً وحالمة أحياناً. وعادت المدينة إلى فصامها الذي يجعلها مدناً متفرقة في مدينة واحدة وعوالم مختلفة ومتناقضة في مساحة ضيّقة بين الجبل والبحر.