Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف سترد مصر على فشل مفاوضات سد النهضة وبدء حجز المياه من دون اتفاق؟

القاهرة تتعامل مع الموقف الراهن على أنه حالة انسداد للمسار التفاوضي والدبلوماسي

سد النهضة الإثيوبي مصدر للتوتر في حوض نهر النيل (أ ف ب)

وسط تضارب الأنباء حول بدء ملء خزان سد النهضة الإثيوبي بعد يوم من إعلان انتهاء الجولة الأخيرة من المفاوضات المستمرة منذ نحو عشر سنوات بين مصر وإثيوبيا والسودان حول قواعد الملء الأول والتشغيل السنوي للمشروع الأضخم على نهر النيل من دون الوصول إلى اتفاق، أعلنت وزارة الخارجية المصرية أن القاهرة "طلبت إيضاحاً رسمياً عاجلاً من الحكومة الإثيوبية بشأن مدى صحة هذا الأمر"، مؤكدة أن مصر تواصل متابعة تطورات ما تتم إثارته في الإعلام حول بدء إثيوبيا ملء خزان سد النهضة، وهو ما اعتبره مراقبون رداً "هادئاً" لا يعكس ما ستتجه إليه أكبر دول حوض نهر النيل من خيارات متعددة لحماية أمنها القومي والمائي مما سبق أن عدّته "تهديداً وجودياً" خلال خطابها إلى مجلس الأمن بشأن الأزمة قبل أسابيع.

وأثارت صور للأقمار الصناعية لتجمعات كبيرة للمياه خلف السد، وأنباء نقلتها وسائل الإعلام الإثيوبية المحلية يوم الأربعاء حول بدء الملء رسمياً، ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي في كل من مصر والسودان، فيما أكدت مصادر حكومية مصرية مسؤولة تحدثت إلى "اندبندنت عربية" أن الملف عاد من جديد إلى وزارة الخارجية بعد أسبوعين من رئاسة وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبدالعاطي لوفد بلاده بالمفاوضات التي تمت تحت رعاية أفريقية وانتهت "كما بدأت بغير توافق"، حيث من المقرر إعلان خطوات مصر اللاحقة من خلال وزارة الخارجية التي سوف تتولى من جانبها مواصلة تحركات مصر الدبلوماسية، بغض النظر عن إقدام إثيوبيا على أي خطوة أحادية من شأنها مخالفة التزاماتها بموجب إعلان المبادئ الموقع عام 2015 وغيرها من الاتفاقيات والأسس التعاقدية وقواعد القانون الدولي التي تحفظ لمصر حقوقها المائية، جنباً إلى جنب مع احتفاظ مصر بحق اللجوء إلى كافة "الخيارات" الممكنة للتعامل مع الأزمة.

 

 

انسداد أفق التفاوض

وقالت مصادر دبلوماسية مصرية إن القاهرة تتعامل مع الموقف الراهن على أنه حالة انسداد للمسار التفاوضي والدبلوماسي، مع فشل المفاوضات في الوصول إلى اتفاق خلال مهلة الأسبوعين التي أعلنتها القمة الأفريقية المُصغرة في أواخر يونيو (حزيران) الماضي، وعزم إثيوبيا على بدء ملء خزان سد النهضة بصورة أحادية، بالتالي فإنها "مستمرة في تصعيدها الدبلوماسي في المحافل الدولية ومجلس الأمن للتأكيد على منع إثيوبيا من اتخاذ أي خطوة أحادية من شأنها تهديد الأمن والسلم إقليمياً ودولياً"، مضيفة "قولاً واحداً، ليس من حق إثيوبيا بدء ملء السد من دون التوصل إلى اتفاق معنا"، و"لا معنى لنفي بدء الملء اليوم، أو غداً، في ظل التصميم على الإجراءات الأحادية والتشدد في الموقف التفاوضي الذي أفشل جهود التفاوض على مدى عقد كامل من الزمن". 

وقال عضو لجنة الشؤون الأفريقية بمجلس النواب سيد فليفل لـ"اندبندنت عربية"، إن رفض إثيوبيا التوقيع على أي اتفاق خلال الجولات الثلاث الأخيرة بمشاركة الولايات المتحدة ثم بوساطة السودان وأخيراً برعاية الاتحاد الأفريقي، يعني مخالفة صريحة لاتفاق إعلان المبادئ، وعزمها على بدء ملء السد بتصرف أحادي أياً كان تأثير ذلك في حصة مصر من مياه النيل، فإنه "دليل جديد أمام المجتمع الدولي على أن مصر تتعامل مع دولة تنصلت من التزاماتها القانونية، وسعت إلى إرباك المشهد من جديد بما تمارسه من سلوك إعلامي غير مسؤول تزعم من خلاله بدء الملء ثم تنفي الأمر ثم تؤكده على لسان المسؤولين، ثم تنفيه، وتنسب مسؤولية التجمع المائي خلف السد إلى الأمطار والطمي، في سلوك أقل ما يوصف به أنه غير مسؤول". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستكمل النائب المصري "أنا شخصياً لا أصدقهم في أي شيء يقولونه منذ بداية الأمر، فهم منذ عقد من الزمن يعملون على بناء سد أكبر من المطلوب لتوليد الكهرباء وهدفه حجب مياه النيل عن مصر والتنصل من التزاماتهم بموجب الاتفاقيات الدولية والحقوق التاريخية المكتسبة في مياه النيل التي نص عليها إعلان المبادئ عام 2015، وهو نهج مخالف للقانون الدولي الذي يزعمون عدم التزامهم به لتوقيع الاتفاقيات الخاصة بحصص المياه في الحقبة الاستعمارية على رغم أنهم كانوا الدولة الأفريقية الوحيدة المستقلة في هذا الوقت "وقت الاستعمار الأوروبي"، والدولة الوحيدة التي تمددت حدودها بعد الحقبة الاستعمارية، ونحن الآن نتعامل مع دولة ذات تكوين هش وتعتبر الملف ورقتها السياسية الوحيدة من أجل الحفاظ على تماسكها الداخلي، وتتنكر للاتفاقيات الدولية القديمة، واتفاقية رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميلس زيناوي في التسعينيات، وحتى أحدث اتفاق وهو إعلان المبادئ، بعد رفضها توقيع اتفاق واشنطن"، مؤكداً أن مجلس النواب سيدعم الإدارة المصرية في "أية خطوات تتخذها للحفاظ على الأمن القومي وبقاء الشعب وكيان الدولة المصرية". 

رهانات الوقت الضائع

وتوقع مراقبون أن تلجأ مصر إلى إعلان خطوات محددة كرد على "التعنت" الإثيوبي في ظل "صمتها" حالياً عن التعليق بشأن فشل المفاوضات، وقال أيمن شبانة أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة في تصريحات خاصة، "إن الخيارات المتاحة الآن أمام مصر هي اللجوء إلى مجلس الأمن لإخطاره مجدداً بتطورات الموقف، وتنبيهه وفقاً للمادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة إلى خطورة الوضع على الأمن والسلم الدوليين، و"على مجلس الأمن هنا أن يطالب إثيوبيا بوقف الملء فوراً، ومن دون انتظار، وأن يتأكد من ذلك، وبوسعه أيضاً الحصول على فتوى من محكمة العدل الدولية حول مدى خرق إثيوبيا للقانون الدولي وبخاصة اتفاق 1902 وإعلان المبادئ 2015، هذه الفتوى لها حجية سياسية وليست لها حجية قانونية، ويمكن الاستناد إليها في حال اللجوء إلى الخيار الأخير وهو البديل العسكري، فالجيش المصري لا يمكن أن يقف مكتوف الأيدي أمام هذا التهديد الذي يمس مصلحة مصيرية، فمصر تعتمد بشكل كلي على مياه النيل، ولا يمكن لأي دولة بحجم مصر أن تتحمل هذا التهديد، أو أن تبقى كافة أوجه الحياة وخطط التنمية فيها معتمدة على قرار إثيوبي بمنح المياه وهي عصب الحياة أو منعها".

الخيار العسكري لا يزال قائماً

ودعا عضو مجلس النواب المصري فليفل حكومة بلاده إلى أن "تحسم أمورها وتوجه رسالة قوية إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي لمنع إثيوبيا من بدء ملء السد من دون اتفاق، مع التأكيد على أن كل الوسائل المتاحة بعد تنصل إثيوبيا من التزامتها حتى لو لم تبدأ بالفعل ملء السد، فإثيوبيا خالفت إعلان المبادئ، وأطاحت به منذ تصميمها على عدم توقيع أي اتفاق ملزم بعد 5 سنوات من توقيع الإعلان الداعي إلى الوصول إلى اتفاق، وكذا إعلانها عدم الاعتراف بالاتفاقيات السابقة، كما أنها خالفته من حيث الواقع de facto، إذ إن الدول دخلت إعلان المبادئ من منطلق الشك في السلوك الإثيوبي، إذ أكد الإعلان كلمة الثقة وحسن النية التي تكررت 11 مرة في الاتفاق، ما يعني اعتراف الاتفاق بالمراوغة الإثيوبية والشك في سلوكها ونواياها، وهو ما تأكد للعالم أجمع الآن، والاتهامات الرسمية لإثيوبيا موثقة في تقرير اللجنة الدولية بعد عام 2011، فهناك اتهام بعدم مراعاة أمان السد والآثار الاقتصادية والبيئية، وبناء السد بهدف حرمان الآخرين من حقوقهم أكثر من نيل مصلحة وطنية وهي توليد الكهرباء كما يزعمون، ولذلك مصر تتعامل مع دولة لم تعد تقيم  وزناً لاتفاقياتها مع مصر وعلى رأسها إعلان المبادئ، ولذلك على مصر ألا تقيم وزناً لإعلان المبادئ أو للسد، وسنعتبر أنه سد دمار وخراب على مصر".

وشدد فليفل على أن "كل الخيارات متاحة" أمام القيادة المصرية للتعامل مع هذا التهديد "الوجودي" لأمن مصر القومي ولبقائها كدولة، مشيراً إلى أنه من الناحية القانونية لا حاجة لمصر لإعلان إلغاء إعلان المبادئ قبل اللجوء إلى أية حلول "غير سلمية" للنزاع، مؤكداً أنه يكفي استناد مصر إلى مخالفة إثيوبيا للإعلان من جانبها، وإلغائها له بحكم الأمر الواقع، مشيراً إلى أن البرلمان المصري لم يصدق بعد على الإعلان ولم يعرض أمامه، لكنه "له قيمة قانونية لأنه تم التوقيع عليه من جانب رؤساء الدول والحكومات في مصر وإثيوبيا والسودان".

وقال اللواء محمد الشهاوي العسكري المصري المتقاعد ومستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا، في تصريح خاص، إن مياه النيل تمثل "مسألة حياة أو موت" بالنسبة إلى مصر، وهو ما يحتم على القاهرة إبقاء كافة الخيارات متاحة لحل أي نزاع حولها، مضيفاً "مصر متمسكة بالحل السياسي والدبلوماسي للأزمة، حتى آخر لحظة، لكن هذا لا يعني تنازلنا عن حق الدفاع الشرعي عن النفس المنصوص عليه بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وسوف نمنع إثيوبيا من اتخاذ أي إجراء أحادي من خلال مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، لكن كل الخيارات متاحة إذا مضت إثيوبيا قدماً في تنفيذ تهديدها المعلن بالفعل، فمياه النيل لا تنازل عن قطرة من حقوقنا فيها، كما لا يمكننا التنازل عن حبة رمل من أراضينا، والدفاع عن أمن مصر وبقائها مسؤولية مقدسة للقوات المسلحة المصرية ولا تهاون فيها قيد أنملة".

المزيد من متابعات