Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الانهيار والسقوط" لإيفلن فو تسخر من الإنجليز بلكنة فرنسية

بطل مضاد لفضح الطبقة الوسطى ومدارسها وأخلاقياتها الفجّة

من اقتباس للبي.بي. سي للرواية (موقع BBC)

إذا كانت رواية الكاتب الإنجليزي إيفلن فو "الانهيار والسقوط" (1938)، تقلّ شهرة عند قرائه الإنجليز عن روايته "العزيز المرحوم"، رغم أن الكاتب نفسه كثيراً ما صرّح بأنه يعتَبر "الانهيار والسقوط" أهم أعماله وأقربها إلى نفسه، فالسبب يمكن أن يكون بسيطاً: في "العزيز المرحوم" وجّه فو سخريته اللئيمة اللاذعة إلى قطاع من المجتمع الأميركي، وهو ما تلاقى مع توجّهات الإنجليز بشكل عام، بينما سدد سهامه في "الانهيار والسقوط" إلى بعض أعرض القطاعات في الطبقات الوسطى الإنجليزية، التي اعتادت أن تشكّل جمهرة القراء، ولا تستسيغ عادة أن تكون موضع السخرية الجارحة.

وسخرية إيفلن فو من أبناء قومه، وحتى أبناء طبقته، في "الانهيار والسقوط" جارحة تماماً، هو الذي ينحو فيها على غرار الفرنسيين رابليه وديدرو ممتشقاً سيف كلماته ومرارة صوره، ليغوص في مجتمع لن يكفّ عن القول إنه لم يكن أبداً راضياً عنه.

وفو يقوم بهذا العمل من خلال شخصية بول بينيفيذر، الشاب البسيط، الذي يكاد يكون بطلاً مضاداً منذ يطالعنا في المشهد الأول بكل بؤسه وإذعانه حين يقع الاختيار عليه، خلال حفل يقيمه أعضاء جمعية طلابية في أحد نوادي جامعة أوكسفورد، كي يكون هو ضحية الحفل، ويُطلب منه أن يتعرّى، وحين يفعل صاغراً، يصار إلى طرده وسط حيرته المتسائلة: لماذا؟

المتهم البريء

والحال أن ذلك الطرد يُنهي مستقبل بول الجامعي، لنراه مرمياً أستاذ مدرسة بائسة في إحدى بلدات منطقة ويلز. وهناك حيث يبدو وكأنّ الحياة توشك أن تبتسم له ولو نصف ابتسامة، خصوصاً أنه يعثر على فتاة يخطبها هي مارغو، سيدة المجتمع الراقية، لا يتنبه إلا لاحقاً إلى أن مارغو إنما تدير في الحقيقة شبكة من بيوت الدعارة في أميركا اللاتينية. هو لا يدرك ذلك إلا حين يجد نفسه معتقلاً مكانها حين ينكشف أمرها، ويعتَبر هو مدير الشبكة.

وهو حين يخرج من السجن يجد طريقه إلى الجامعة من جديد، لكن تحت اسم وقناع قريب من بعيد لبول بينيفيذر، وليس بوصفه بول نفسه. وهكذا من مغامرة بيكارية إلى أخرى، يدور صاحبنا لنرصد من خلال عينيه البريئتين أصنافاً وشخوصاً وجماعات عديدة تشكّل تلك الطبقة الإنجليزية الوسطى التي لا يكفّ الكاتب عن ضربها بسياطه، لكن دائماً من وراء ظهر بطله الذي لا يشكّ بشيء. فهو في نهاية الأمر يبدو راضياً بكل ما يحدث له، معتبراً إياه من حقائق الحياة، إلى درجة أنه حين يقول له ابن مارغو عند نهاية الرواية: "نحن الأرستقراطيين مختلفون إلى حدّ ما"، يجيبه موافقاً: "طبعاً، فأنتم ديناميكيون، ونحن جامدون".

سماعة كبيرة على أذن صمّاء

ربما يكون المشهد الأكثر ارتباطاً بإيفلن فو، هو مشهده وهو يسير على مهل متنزهاً قرب بيته في الريف، حاملاً بوق سمع كبيراً يضعه على واحدة من أذنيه ليساعده على السمع، بعد أن فقد هذه الحاسة. في مثل تلك الحال كان إيفلن يصرّ على وضع البوق إلا في حالة واحدة: حين يقترب منه شخص ما ليحدّثه. عند ذاك كان ينتزع البوق.

هكذا كان إيفلن فو استفزازياً كارهاً الناس محتقراً الآخرين "و... كارها لنفسه"، في المقام الأول كما يقول مؤرِّخو حياته اليوم. ومع هذا كان الرجل واحداً من كبار كتّاب اللغة الإنجليزية. وهو لئن كان من شأنه أن يُنسى بعض الشيء بين الحين والآخر منذ رحل عن عالمنا في أكتوبر (تشرين الأول) 1966، فإنه لا يلبث أن يعود دائماً إلى الواجهة عبر إصدار كتب عديدة عنه، كما عبر إعادة إصدار أبرز كتبه ومذكراته ورسائله.

ويعود نسيان إيفلن فو في العقود الماضية إلى كونه كان يعتبر كاتباً رجعياً، إذ إنه حتى حين اعتنق الكاثوليكية بدل البروتستانتية، بعد أول زواج فاشل له، اختار أن يكون في الجانب اليميني من طائفته الجديدة، فراح ينتقد الفاتيكان بسبب بعض التحرر الذي كان الكرسي الرسولي يمارسه في بعض الأحيان، كما لم يكفّ عن انتقاد تخلي الكنيسة عن استخدام اللغة اللاتينية في الصلوات. غير أن هذه المواقف كلها، رغم وضوحها ورغم أن أدب إيفلن فو كان يعكسها، فإنها لم تمنع مؤرِّخي حياته من أن يتساءلوا دائماً عمّا إذا كان الرجل صادقاً في رجعيته، أم أنه كان يدفع الأمور إلى أقصاها لمجرد العبث والتعبير عن مواقف فوضوية.

في هذا الإطار يكاد فو يعتبر لغزاً. أمّا قراءة رواياته الرئيسية مثل "الانهيار والسقوط" و"خبطة صحافية" و"العزيز المرحوم"، فإنها لا يمكنها إلا أن تزيد الغموض غموضاً. ففي هذه الأعمال تبلغ سخرية إيفلن فو وتهكمه اللئيم حدودهما القصوى، ولا يعود المرء مدركاً ما إذا كان الرجل يهزأ من شخصياته، أم أنه يأخذها على محمل الجدية.

لقد خدعت النقاد

ولد إيفلن فو عام 1903، في رحم عائلة متواضعة الأصول، لكنها تضم كثيراً من المتعلمين المتأدبين، فوالده كان ناقداً وناشراً، وأخوه أليك كان كاتباً بدوره. وإيفلن درس في أكسفورد، لكنه لم يكن متميزاً في دراسته، بل عجز عن نيل الدبلوم، لذلك ترك الجامعة، وقرر الانصراف إلى الصحافة والكتابة، فنشر وهو في الخامسة والعشرين روايته الأولى "الانهيار والسقوط" التي يتحدّث فيها كما أشرنا، بشكل مليء بالسخرية والتهريج عن وضعية المعاهد الدراسية الإنجليزية، راسماً في طريقه صورة قاسية للشبيبة المذهبة. ولقد انطبعت تلك الرواية بحسّ لا واقعي وبعبثية جعلا النقاد يستقبلونها باعتبارها تنتمي إلى أدب الحداثة الرفيع، وهو ما سيسخر منه فو بعد ذلك بنصف قرن حين يقول كم إنه خدع النقاد!

المهم، خلال السنوات التالية تزوّج فو، ثم طلّق واعتنق الكاثوليكية، وتزوج ثانية، ثمّ انخرط في العمل الصحافي، وذهب إلى الحبشة، ليغطي احتلال موسوليني لها لحساب صحيفة "ديلي ميل". ومن الواضح أن الانطباعات التي تركتها أفريقيا لدى الكاتب كانت شديدة المرارة، غير أنه لم يتعاطف مع مآسيها، بل ساند الغزو الإيطالي، أو هذا على الأقل، ما يحاول أن يقوله في رواية "خبطة صحافية" التي تدور أحداثها في بلد وهمي، يشبه الحبشة، يدعى "إيزمايل"، يمتلئ بمراسلين أجانب كاذبين ومهرجين، ومنهم واحد يشبه الكاتب نفسه، وينشر مقالات كاذبة، ومضخمة ومليئة بالحس العنصري، ومن بينها مقال كان فو نفسه نشره في صحيفته!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عزلة ريفية

خلال الحرب العالمية الثانية، انخرط فو في الجيش الإنجليزي، وأرسل ليحارب في كريت، فلم يبل أي بلاء حسن، بل نال سخرية واحتقار رفاقه. ويبدو أن هذا سَرّه لدرجة أنه وصفه بدقة في رواية يدور جزء من أحداثها في يوغوسلافيا، وترينا تيتو، الذي تقول الرواية إنه في حقيقة أمره امرأة متنكّرة في ثياب رجل، وشاذة جنسيّاً. ولسنا بحاجة لأن نذكر كم أن هذه الرواية أثارت سخط اليوغوسلاف والإنجليز سواء بسواء!

في عام 1945 نشر فو روايته الأشهر "العزيز الراحل"، التي يسخر فيها من بائعي معدات الدفن والجنازات في الولايات المتحدة، (وهي رواية حوِّلت ذات يوم إلى فيلم أميركي طليعي وحاد). وفي العام نفسه، راحت حملة الكاتب على الفاتيكان تشتد، رغم تمسُّكه بكاثوليكيته التي قال عنها يوماً: "أنتم ليست لديكم أية فكرة عن مدى القبح الذي كان من شأني أن أكون عليه لو لم أكن كاثوليكيّاً. لولا أن الرب ساعدني، بالكاد كان يمكنني أن أكون كائناً بشرياً". وأمضى فو السنوات الأخيرة من حياته في كتابة مذكراته، شبه منعزلٍ في الريف مع زوجته الثانية وأولاده الستة. وحين رحل لم يأسف عليه كثيرون.

المزيد من ثقافة