Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الزفة الشعبية وأنف خارج الكمامة هكذا عاد المصريون للحياة في كنف كورونا

انتقال الجائحة عبر الهواء يطلق سلاح التنكيت والتبكيت في البلاد وسط ملايين لا يبالون بمخاطرها

ميدان العتبة السوق الشعبية لغالبية المصريين وسط القاهرة  (رويترز)

يحمل سجادته، يرتدي كمامته، ويهرع إلى المسجد ما إن يؤذن المؤذن لصلاة الظهر. يقف على بعد مترين من أحد المصلين. ويسارع إلى ترك المسجد عقب الصلاة. يحمل زجاجة المطهر، ويرتدي كمامته، ويشتري تذكرته، ويقفز في أول عربة مترو تصل إلى المحطة. يحسب أنفاسه شهيقاً وزفيراً ويترجل محطة قبل وجهته مفضلاً السير في الهواء الطلق على التنفس في الهواء الملبد بأنفاس الآخرين تحت سطح الأرض.

تطهر يديها، وترش رشة أخرى على ملابسها، وترتدي كمامتها وتدخل من بوابة النادي الرياضي بعد الخضوع لقياس الحرارة وتتوجه مباشرة إلى مضمار الركض. تمشي ثم تهرول ثم تركض ثم تسارع في الخروج من النادي بعد رفض دعوة الصديقات للانضمام إليهن في المقهى المفتوح في الهواء الطلق، فرب حماية أفضل من احتمال إصابة، ورب وقاية خير من إمكانية عدوى.

 

 

العودة الاختيارية ومقهى مصر الجديدة

عادت الحياة الطبيعية "الجديدة" إلى أرجاء مصر بعد أسابيع الحظر والإغلاق الجزئيين. لكن قرار العودة الرسمي بمحاذيره وقيوده لا يعني قرار العودة الطوعي من قبل المصريين. البعض عاد قبل قرار العودة، والبعض الآخر آثر التريث ومال إلى التفكر والتدبر، وفريق ثالث عاد بقلق لا يخلو من توتر، ورابع يعتقد أنه عاد مع توخي الحذر واتباع الوجل لكن ما تراه العين يشير إلى أنه لا الحذر موجود أو الوجل مثبوت.

مرت الأيام الأولى بعد قرار عودة المصريين إلى الحياة الطبيعية "الجديدة" بمقاييس مواجهة الفيروس مروراً يعكس تراوحات كثيرة وتغيرات عديدة طرأة على المئة مليون مصري ومصرية. ورغم شيوع أمارات البهجة وعلامات الراحة على الأماكن المكشوفة من وجوه المارة، فإن إيقاع الحياة في الشارع أبعد ما يكون عن الطبيعي.الطبيعي أن تعج "قهوة البسفور" في الشارع التجاري في حي مصر الجديدة، شرق القاهرة، في مثل هذا الوقت من منتصف النهار بعدد هائل من مرتاديها. لكن العدد لم يعد هائلاً. المقهى من الداخل شبه فارغ، وفي الخارج يراعي الجالسون قدراً من التباعد الاجتماعي يقدر بنحو 50 سنتيمتراً بديلاً عن الـ150 سنتيمتراً الرسمية. وفي ذلك يقول أحد العاملين في المقهي أن "هذا يعود إلى خصوصية المكان". الخصوصية التي يقصدها اتضح أنها ضيق المكان.

 

 

وضعية الأنف وزفة التعافي

الضيق الشديد الذي يصيب البعض من العائدين إلى الحياة الطبيعية "الجديدة" جراء ارتداء الكمامات يدفعهم إلى دسها أسفل الأنوف، وهو الدس الذي يتحول تدريجياً إلى أسلوب حياة لدى كثيرين. حرارة يوليو (تموز) القائظة مع استحالة ارتداء الكمامة لساعات طويلة يبدو أنها سمة المرحلة الحالية. ويضاف إلى الحرارة وضيق النفس ثقافة شعبية عامة مترسخة بأن على الحكومة أن تقرر وعلى المواطن أن ينفذ دون تدخل الأولى في آليات التنفيذ أو تفاصيله. يقول سائق الأجرة الأربعيني علي سليمان من خلف الكمامة بينما أنفه حرة طليقة "أنا مواطن ملتزم. الحكومة قالت ارتدوا كمامات، ارتديت كمامات. لكن وضعية الأنف هذه تعود إلي".

وضعية الأنف ليست الوضعية الوحيدة التي تحتاج إلى مراجعة ويتطلب تصحيحها مثابرة ومكابدة عناد الأهالي وترسخ ثقافة التلاحم الجسدي تارة بفعل طبيعة الشعب وأخرى بسبب الزحام وضيق المكان. قرى وأحياء شعبية عدة ترسخ تقليداً جديداً في زمن كورونا يتنافى تماماً مع قواعد الفيروس. زفات شعبية صاخبة وحفلات شارعية متلاحمة أصبحت سمة الاحتفاء بعودة المتعافين من الفيروس إلى بيوتهم. المشاعر الشعبية الطيبة تقف في تحدٍ واضح وخرق صارخ لأبجديات الوقاية من الفيروس القاتل. فمن زفة صاخبة في كفر سعد بحيري في مدينة شبين القناطر إلى زفة أخرى ولكن بالدراجات النارية في إحدى قرى محافظة الشرقية بعد عودة أحد السكان متعافياً، إلى ثالثة بالطبل والمزمار البلدي وتوزيع الشوكولاتة على المعازيم احتفاء بتعافي أحد شباب قرية كفر الصلاحات في محافظة الدقهلية وعودته إلى بيته، يقف الفيروس باحثاً عن مسافات التباعد الاجتماعي أو احترازات الوقاية والحماية دون جدوى.

 

 

جدوى فتح السينما

جدوى إعادة فتح دور السينما تطرح نفسها على طاولة أصحابها والقائمين على غرفة صناعتها. فبعد إعادة فتح دور السينما بطاقة 25 في المئة فقط بحسب القرارات الرسمية، أشارت غرفة صناعة السينما إلى أن الإغلاق الكلي أفضل من الفتح الجزئي بحسابات الربح والخسارة.

وبحسب الغرفة، فإن نسبة الـ25 في المئة تعني إعادة تشغيل الكهرباء والماء والخدمات والعمالة ما يعني خسارة كبيرة للصناعة وللمكان. وبينما تطالب الغرفة برفع نسبة التشغيل إلى 50 في المئة ليتعادل الدخل والكلفة وتجنب الخسارة، يشير لسان حال شباك التذاكر أن رواد السينما ما زالوا في مرحلة مراقبة الوضع عن بعد والاكتفاء بـ"نتفليكس" ونظائره لحين إشعار آخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إشعارات عديدة تسللت إلى واجهات المحال التجارية، لا سيما المتاجر "السوبر ماركت" ومحال بيع الأطعمة الجاهزة والخضراوات والفواكه. أغلب هذه الإشعارات إما تعلن عن الإجراءات المفروضة من قبل الحكومة حيث حتمية ارتداء الكمامة ومراعات التباعد وتجنب الازدحام، لكن شيطان العدوى يكمن في التفاصيل.

تقول همت فهمي، 52 عاماً، الخارجة لتوها من معركة كلامية مع عدد من زبائن المتجر الشهير في حي الدقي بمحافظة الجيزة، إن "التجمهر أمام موقع بيع الأجبان واللحوم المصنعة لا يفتح الباب أمام كورونا فقط، بل يرحب بكل أنواع الفيروسات وما تيسر من ميكروبات. ورغم توافر الأرقام التي تضمن التعامل مع العملاء بأسبقية القدوم، فإن الغالبية تصر على التلاصق أمام البراد في تحدٍ واضح للفيروس. والغريب أن مطالبتي بالتباعد تقابل من البعض إما بسخرية أو بتجاهل".

احتياطات المتاجر

تجاهل البعض من إدارات محال السوبرماركت لإجراءات الوقاية عبّر عن نفسه في مسح أجراه "المركز المصري لبحوث الرأي العام" (بصيرة) قبل أسابيع. أظهرت نتائج المسح الذي أجري في محافظتي القاهرة والجيزة فقط، أن أغلب المحال لم تتخذ الاحتياطات الكافية لمنع نقل العدوى من حيث وضع المطهرات لاستخدامها قبل بدء التسوق، وتطهير عربات التسوق قبل استخدامها، والتأكد من مسافات التباعد الآمنة بين العملاء عند طابور الدفع. وفي المقابل، قدم عدد من المحال نموذجاً رائعاً من حيث سبل الوقاية والحماية، حيث ابتدع البعض طريقة ذكية في تنظيم دخول العملاء بتحديد أعداد المتسوقين في أوقات الازدحام والحصول على أرقام المنتظرين الهاتفية لإبلاغهم بإمكانية دخولهم مع تقديم خصم خاص لهم نظير انتظارهم، وتوفير كمامات ورش عربة التسوق بمطهرات قبل تسلمها.

 

 

مسجد الحسين والتمسح بالجدار

يوم تسلم مسجد الحسين في الحي الذي يحمل اسمه في قلب القاهرة ليعاد فتحه أمام المصلين كان أشبه بيوم عيد. اليوم يقف المسجد حزيناً مهموماً لائماً تصرفات البعض غير المسؤولة وتقاعس مسؤوليه عن تنفيذ إجراءات وقواعد الحماية المنصوص عليها في شأن إعادة افتتاح المساجد لصلاة الجماعة باستثناء صلاة الجمعة، بعدما تم إغلاق أبوابه مجدداً.

يقول رئيس القطاع الديني في وزارة الأوقاف جابر طايع، إن قرار إعادة الإغلاق "القاسي على القلب" جاء بعد تصرفات بعض المصلين غير المسؤولة وإهمال العاملين في المسجد. وكان عدد كبير من المصلين توجهوا عقب الصلاة إلى الجدار الذي يقع خلفه ضريح الإمام الحسين ووضعوا عليه أياديهم وقبّلوا الجدار وتمسحوا به، كما يفعل البعض ظناً منهم أنهم يتبركون بصاحب المكان، دون أن يمنعهم القائمون على أمر المسجد. ونتج عن ذلك إغلاق مديرية أوقاف القاهرة المسجد لحين إشعار آخر وإحالة الأئمة والعاملين فيه إلى التحقيق بتهمة التقصير وعدم تطبيق إجراءات التباعد واقتصار الوجود في المسجد على الصلاة الفروض.

 

 

صاعقة النرجيلة

افتراض منع تقديم النرجيلة "الشيشة" في مقاهي مصر ظل حتى أشهر قليلة مضت تصوراً أقرب إلى الكابوس لمحبي الشيشة وأعدادهم بالملايين، وحلماً مستحيل المنال للقلة القليلة من كارهيها لأسباب صحية ومعارضيها لتعدي شاربيها على الحرمة الصحية للآخرين. وقد نزل الجزء الخاص بمنع تقديم الشيشة تماماً في مقاهي مصر ضمن قرارات العودة إلى الحياة الطبيعية "الجديدة" نزول الصاعقة على محبيها.

فقد حفلت تدوينات قطاع من المحظورين وتغريدات البعض من المحظورات على مدار أسابيع الإغلاق الجزئي الماضية بأمنيات فتح المقاهي وآمال العودة إلى "الغالية" "بنت الغالية" الشيشة. لكن أتت رياح العودة بما يشتهي عشاق الشيشة، وهو ما أفسد عليهم بهجة العودة وفرحة الفتح. البهجة المجروحة والفرحة المنقوصة مثلت نصراً مبيناً لأعدائها ممن عادوا إلى المقاهي التي سبق وهجروها بسبب هيمنة الشيشة وسيطرة الأدخنة في أرجائها المفتوحة والمغلقة، ومعانتهم مع التدخين السلبي.

 

 

رحم المعاناة

ومن رحم المعاناة تولد الابتكارات، ولو كانت كاسرة للقرارات وخارقة للقوانين وضاربة عرض الحائط بالإجراءات الاحترازية والمسؤولية الاجتماعية. فلم تكد تمر أيام قليلة على عودة الحياة، حتى أعلن وزير التنمية المحلية محمود شعراوي تواتر اتصالات مواطنين يبلغون عن مقاهي تقدم الشيشة رغم الحظر. نحو 200 مخالفة بتقديم شيشة في مقاهٍ في أقل من ثلاثة أيام عكست تمسك البعض بتلابيب الشيشة رغم الفيروس ودون الالتفات إلى خطر العدوى. في الوقت نفسه، شهدت مبيعات الشيشة الإلكترونية والمحمولة ارتفاعاً ملحوظاً يبرره عماد أمين، صاحب محل لبيع التبغ وأدواته، بمنع تقديمها في المقاهي، وإن كان يرى أن جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الشيشة يكمن في التجمعات.

تجمعات من نوع آخر تفرض نفسها على ملايين المصريين مع عودة الحياة، لكنها تجمعات الأبناء والبنات في مراكز الدروس الخصوصية، المعروفة شعبياً بالسناتر، التي رغم إغلاقها ضمن قرارات الإغلاق في مارس (آذار) الماضي. جولات الكر والفر بين أصحاب "السناتر" والمعلمين والأهل والطلاب من جهة والدولة ممثلة في أجهزة الضبط وقوات الأمن من جهة أخرى لم تفتر خلال أسابيع الإغلاق.

ويبدو أن "السناتر" صنعت لنفسها مكانة تفوق في أهميتها المدارس لدرجة أن أهالي الطلاب والطالبات المنقولين من الصف الثاني إلى الثالث الثانوي هذا العام بدأوا يخوضون ملحمة "افتحوا السناتر" وليس المدارس عنكبوتياً وعلى أثير مجموعات "واتساب" لا سيما ما يعرف بـ"غروبات الماميز" الداسين أنوفهم في كل كبيرة وصغيرة خاصة بالتعليم.

 

ملحمة المواصلات العامة

ملحمة ذات نكهة أخرى تدور رحاها في ظل عودة الحياة ولكن بالمواصلات العامة. نحو 1.2 مليون راكب يومياً يستخدمون الخطوط الثلاثة لمترو أنفاق القاهرة الكبرى في ظل كورونا، وكان المعدل في زمن ما قبل كورونا نحو 2.5 مليون راكب يومياً. إجراءات التعقيم واحترازات الحماية تجري على قدم وساق في المحطات والعربات. والغالبية المطلقة ترتدي الكمامات، لكن ما زالت آلاف الأنوف تطل عارية رغم أنف الفيروس.

الطريف أن الفيروس دفع ركاب الميكروباصات السرفيس إلى الإقبال الرهيب على المقاعد المتاخمة للنوافذ بغية إخراج وجوههم بأكملها خارج المركبة تحسباً من راكب يحمل العدوى أو كورونا حائرة في أرجاء العربة. إلا أن الأيام الماضية حملت أخباراً مؤكدة حول احتمال حمل الهواء لفيروس كورونا، حيث لا نافذة مفتوحة تقي أو مشياً في الشارع يحمي.

الحماية بالضحك

الحماية التي يلوذ بها كثيرون تكمن في نكتة هنا أو دعابة هناك. وفي زمن الثورة المعلوماتية وتعلق من 54 إلى74 مليون مصري ومصرية بشكل من أشكال الاتصال بالإنترنت تتحول الدعابة إلى ترند والنكتة إلى "الأكثر مشاهدة" في خلال ثوان معدودة. لذلك، ما إن ورد خبر احتمال حمل الهواء لفيروس كورونا، حتى انتشر كوميكس "ها! إيه تاني؟!" المأخوذ عن الفنان محيي إسماعيل في حوار إعلامي شهير، وآخر للفنان يحيي الفخراني من مشهد في فيلم "الكيف" حين انتابته موجة ضحك هستيرية أثناء تقديمه لواجب العزاء وقال لموبخيه "مش قادر أمسك نفسي"، المؤكد أنه لولا سلاح الضحك والتنكيت، لتحول فيروس كورونا وجائحته ومحاذيره وخسائره إلى قاتل يحصد الأرواح ليس فقط عبر إصابات جسدة مميتة، ولكن لاعتلالات نفسية قاتلة.