Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تؤثر الاحتجاجات في إثيوبيا على مفاوضات اللحظات الأخيرة حول سد النهضة؟

اندلعت أعمال العنف على إثر مقتل المغني المعارض وكاتب الأغاني الشهير هاشالو هونديسا

أثارت حالة التوتر والاحتجاجات التي اشتعلت في إثيوبيا، الثلاثاء، على إثر مقتل الناشط المعارض والمغني المحلي الشهير هاشالو هونديسا، تساؤلات المراقبين حول إلتزام حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد بتعهداتها المتباينة أخيراً ببدء ملء سد النهضة الإثيوبي من ناحية وكذلك توافقها أخيراً على الوصول إلى اتفاق ملزم مع مصر والسودان حول ذلك، بعدما وصلت المفاوضات بين البلدان الثلاث إلى طريق مسدود دخلت معه الأزمة المستمرة منذ عقد من الزمن إلى أروقة مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي في مسعى متعدد الأطراف من أجل حل عاجل يمنع ما وصفته القاهرة بالتهديد "الوجودي" الذي يحتم عليها "الدفاع عن البقاء" وتأمين "المصالح العليا للشعب المصري"، بحسب ما ذكر وزير الخارجية سامح شكري في خطاب بلاده بالجلسة المنعقدة تحت بند وضع السلم والأمن في أفريقيا، وذلك في أعلى مستوى من التصعيد الدبلوماسي للنزاع على المستوى الدولي.

وبينما تتصاعد الاحتجاجات في إثيوبيا، أعلن مفوض الشرطة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا إنديشو تاسيو، مساء الثلاثاء، مقتل وإصابة عدد لم يتم إحصاؤه بعد، في ثلاثة انفجارات بالعاصمة الإثيوبية خلال الاحتجاجات التي اشتعلت على إثر مقتل المغني المعارض هاشالو هونديسا، موضحاً أنه "قُتل بعض المتورطين في زرع قنبلة علاوة على مدنيين أبرياء"، وأكدت الشرطة في بيان اليوم الأربعاء أنها اعتقلت شخصين على صلة بقتل هونديسا، فيما ذكر جيتاشو بالشا، وهو متحدث محلي اليوم الأربعاء، أن "50 شخصاً على الأقل قتلوا في إقليم أوروميا الإثيوبي خلال الاحتجاجات المشتعلة" منذ مقتل المغني "الأيقوني"، الذي ميزت أغانيه الاحتجاجات "الأورومية" منذ عام 2015.

احتجاجات تجتاح إثيوبيا وقطع للإنترنت

وقد اندلعت الاحتجاجات وأعمال العنف في إثيوبيا على إثر مقتل المغني المعارض وكاتب الأغاني الشهير هاشالو هونديسا، إثر إطلاق النار عليه مساء الاثنين، حيث أعاد مقتل الشاب المنتمي إلى عرقية "الأورومو" إشعال التوتر المشتعل بين أبناء الإقليم والحكومة الفيدرالية التي يتولى آبي أحمد المنتمي إلى العرقية نفسها رئاستها على إثر احتجاجات واسعة وممتدة أطاحت بسلفه هايلي ماريام ديسالين، لكن وصول آبي أحمد وعلى رغم مشروعه "الإصلاحي" لم يغير من الأوضاع في الإقليم والمكون العرقي الأكبر عدداً في البلاد، بحسب مراقبين.

وفي بيان صباح الثلاثاء، قال مفوض شرطة أديس أبابا إن الفنان الإثيوبي، توفي إثر إطلاق نار مساء الاثنين في منطقة جالان كوندومينيوم بأديس أبابا، مشيراً في تصريحات إلى وسائل إعلام محلية إن الشرطة وقوات الأمن الأخرى اعتقلت عدداً من المشتبه فيهم بعملية القتل، وأنها سوف توضح "نتائج التحقيقات"، وذلك قبل أن تعلن الشرطة الإثيوبية في بيان لاحق مساء الثلاثاء أن "انفجارات" هزت العاصمة أديس أبابا خلال احتجاجات مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

وبينما شهدت إثيوبيا خلال العامين الماضيين العديد من عمليات القتل الغامضة التي تعرض لها مسؤولون حكوميون وعلى رأسهم رئيس الأركان السابق سيري ميكونين وكذلك محاولات الاغتيال التي نجا منها كبار المسؤولين بمن فيهم آبي أحمد، أعرب الأخير في بيان عن إدانته للحادث، قائلاً "لقد فقدنا حياة ثمينة، نحن نتطلع إلى تحقيق الشرطة الكامل في هذا العمل الوحشي"، لكن تعامل حكومة آبي أحمد مع الاحتجاجات وصفته وسائل إعلام عالمية بـ"الوحشي" أيضاً، لا سيما في ظل قطع خدمات الإنترنت عن البلاد بعد سقوط 9 ضحايا على الأقل وعدد من المصابين خلال الاحتجاجات التي استخدمت فيها الشرطة الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريقها، بينما سُمعت أصوات طلقات نارية بالقرب من المستشفى التي يرقد فيها جثمان الفنان القتيل في العاصمة الإثيوبية.

 

واندلعت الاحتجاجات في العاصمة وأجزاء متفرقة من إثيوبيا، على وقع أغاني المطرب الراحل ذات الكلمات والموسيقى "الثورية". ففي إحدى أشهر أغانيه قال "لا تنتظر المساعدة حتى تأتي من الخارج، وهو حلم لا يتحقق. قم، اجعل حصانك جاهزاً وحارب، أنت قريب من القصر"، فيما أحرق المحتجون وأسقطوا تمثال القائد العسكري رأس ماكونين والد هيلا سيلاسي آخر إمبراطور إثيوبي.

وقال الناشط الإثيوبي أولو ألو، المحاضر في القانون بجامعة كيلي في إنجلترا، "كانت أعمال هاشالو هي الموسيقى التصويرية لثورة أورومو، عبقرية غنائية جسدت آمال وتطلعات جمهور أورومو".

وقال "ب م" أحد النشطاء من الأورومو المشاركين في الاحتجاجات، وتحفظ على ذكر اسمه لتجنب الملاحقة الأمنية، إن استهداف المحتجين رأس ماكونين الحاكم السابق لمقاطعة هرار في القرن التاسع عشر تحت حكم الإمبراطور مينليك الثاني آنذاك، يرجع إلى رفض الأورومو والعديد من الشعوب الإثيوبية لسياسة آبي أحمد التي تستهدف إحياء الماضي الإمبراطوري ومبدأ مينليك المركزي في الحكم الذي يريد من خلاله صهر الاختلافات العرقية والثقافية والقومية للشعوب الإثيوبية التي تنتمي إلى نحو 50 عرقاً وثقافة مختلفة يعيشون في 10 أقاليم، مؤكداً أن التوتر الراهن يعكس عمق الأزمة التي يعاني منها آبي أحمد والائتلاف الحاكم في إثيوبيا، الذي يسعى لتحويل هذا الإئتلاف إلى حزب واحد جديد تحت قيادة رئيس الوزراء، ويجعل الفيدرالية الإثيوبية مجرد "حبر على ورق"، مستغلاً تعبئة الرأي العام خلف قضية السد، والادعاء أن أعداء إثيوبيا "تحركوا بالفعل من أجل احتلال وتدمير السد العظيم، كما يرددون".

اعتقال "منافس" آبي أحمد

وبينما تشهد البلاد توترات وحالة استقطاب متنامية على خلفية تطورات أزمة سد النهضة وتأجيل الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في أغسطس (آب) المقبل، أعلنت صحف ووسائل إعلام محلية اعتقال الناشط البارز من قومية الأورومو جوهر محمد، يوم الثلاثاء، الذي يُنظر إليه على أنه المنافس الأبرز لرئيس الوزراء الحالي والذي سبق أن أعلن بالفعل نيته منافسة آبي أحمد والترشح إلى منصب رئاسة الحكومة خلال الانتخابات العامة التي تم تأجيلها إلى أجل غير مسمى، بالتزامن مع انسحاب إثيوبيا من مفاوضات واشنطن حول سد النهضة الإثيوبي، حيث أعلنت أديس أبابا حينها رغبتها في الوصول إلى اتفاق عقب إجراء الانتخابات، قبل أن يتم تأجيلها على خلفية صعوبة إجرائها بسبب جائحة كورونا، ومن ثم استئناف جولة جديدة من المفاوضات بمبادرة سودانية، فشلت أيضاً في الوصول إلى اتفاق ما دفع مصر والسودان إلى توجيه خطاباتهما إلى مجلس الأمن.

ويذكر أنه بعد أيام من فوز رئيس الوزراء الإثيوبي بجائزة نوبل للسلام اندلعت احتجاجات وأعمال عنف واسعة النطاق سقط خلالها العشرات من الضحايا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تضامناً مع مؤسس "شبكة إعلام الأورومو OMN" جوهر محمد الذي حاولت السلطات التضييق عليه بعد شهور من عودته من منفاه الاختياري بالولايات المتحدة تجاوباً مع الإصلاحات السياسية التي أعلنها آبي أحمد.

 

وأعلنت الشبكة مداهمة مقارها في إثيوبيا، حيث كانت قد أجرت مقابلة الأسبوع الماضي، مع المغني الراحل، أعرب فيها عن إدانته للعنف الذي ارتكبه الأباطرة والأنظمة السابقة بحق شعب الأورومو وبخاصة الإمبراطور ميلنيك، وانتقد أيضاً سياسة رئيس الوزراء الحالي، وقالت مصادر إثيوبية إنه تم إيقاف خدمة الإنترنت في جميع أنحاء البلاد في حوالي الساعة 9 صباح الثلاثاء بالتوقيت المحلي. كما أكد موقع "بوركينا" الإثيوبي مساء الثلاثاء، اعتقال بيكيلي جيربا الأمين العام لحزب مؤتمر أورومو الاتحادي.

وأكدت شرطة العاصمة الإثيوبية أنه تم القبض على 35 شخصاً بينهم جوهر محمد "على خلفية اختطاف جثمان الفنان القتيل هاتشالو هونديسا"، بحسب بيان.

وبدوره، اعتبر المختص في الشأن الإثيوبي هاني رسلان، رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة، إن جوهر محمد يمثل ليس فقط خصماً منافساً لرئيس الوزراء الحالي، بل "تهديد حقيقي للإئتلاف الحاكم في إثيوبيا وللمستقبل السياسي لآبي أحمد الذي كان يفترض أن يدخل في أول اختبار حقيقي لشعبيته المتراجعة خلال أسابيع إذا تم إجراء الانتخابات التي تم تأجيلها إلى أجل غير مسمى، واحتجاجات الأورومو الذين تمكنوا خلال احتجاجات واسعة وعنيفة على مدار 3 سنوات بداية من عام 2018 من إطاحة حكومة ديسالين، مما أدى إلى صعود طموحهم القومي إلى عنان السماء، وشعورهم بخيبة أمل عميقة ويأس من التغيير على رغم وصول آبي أحمد الذي لا يزال منتمياً لنفس السياسات العدائية لقومية الأمهرة التي عانى منها شعب الأورومو تاريخياً منذ العهد الإمبراطوري الذي يصمم آبي أحمد على استعادته من جديد في مسعى لتوحيد البلاد التي تعاني انقسامات عرقية شديدة"، على حد وصفه.

مخاوف جديدة

وأكد رسلان وجود "قلق" و"ترقب" لدى القاهرة من متابعة التطورات المتسارعة في الداخل الإثيوبي، بعد ساعات من انعقاد جلسة مجلس الأمن حول سد النهضة وما بدى خلال خطاب مندوب أديس أبابا من نية جديدة من محاولة "التنصل" من المساعي الشاقة للوصول إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، لا سيما بعد اتفاق قمة الاتحاد الأفريقي بمشاركة مصر وإثيوبيا والسودان يوم الجمعة على استئناف المفاوضات والوصول إلى اتفاق خلال مهلة أسبوعين، على رغم إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي عن بدء ملء السد خلال تلك المدة.

وأكد الباحث المصري خطورة المشهد الراهن في إثيوبيا بالنسبة إلى المفاوضات المرتقبة، معتبراً أن الحكومة الإثيوبية تراهن دائماً على المضي قدماً في إجراءاتها الأحادية من أجل توحيد جبهتها الداخلية، لكن "لا يبدو أن ذلك بات بإمكانها اليوم بعد اشتعال الموقف وبخاصة مع تعبير العديد من النشطاء من الأورومو عن رفضهم لاستغلال قضية السد سياسياً من جانب رئيس الوزراء الحالي لتبرير قمع المعارضين أو إدخال البلاد في عداء أو حرب من أجل استثمار أزمة السد لتعزيز شعبيته".

 

وكان الناشط الإثيوبي المعارض جوهر محمد قد حذر بالتزامن مع جلسة مجلس الأمن حول سد النهضة، من خطورة الموقف الراهن للأزمة بوصولها إلى مجلس الأمن تحت بند "السلم والأمن في أفريقيا"، قائلاً في آخر تدوينة له قبل مقتل الفنان الإثيوبي، واعتقال جوهر نفسه لاحقاً، "بات الجميع يعلم أن قضية (سد) النهضة لم تعد فقط مشكلة، بل حرب"، معتبراً إنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع مصر، ربما تتعرض إثيوبيا إلى الخطر خلال أسبوعين، معتبراً أن ما تحقق من "نجاح دبلوماسي" لبلاده يرجع إلى وزارة الخارجية وليس رئيس الوزراء آبي أحمد، بخاصة أن الاضطرابات في إثيوبيا ربما تدفع آبي أحمد إلى محاولة مواصلة تعبئة الرأي العام الداخلي من جديد بالتصعيد في مسألة السد، مشيراً إلى أن تصاعد الأحداث ربما يدفع أيضاً في الاتجاه المعاكس بإبداء مرونة في أزمة سد النهضة والتركيز على مواجهة التحديات الداخلية، مؤكداً أن ما تشهده العاصمة الإثيوبية وإقليم الأورومو الذي تقع ضمن أديس أبابا ضمن أراضيه، من الممكن أن يستمر في ظل حالة الانسداد السياسي الراهنة في إثيوبيا على خلفية تأجيل الانتخابات.

بينما يرى أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية، بجامعة القاهرة، أن الحكومة الإثيوبية أصبحت ملزمة بالتعاطي بإيجابية مع المفاوضات وحسمها خلال مهلة الأسبوعين التي حددها قادة البلدان الثلاث في قمة الاتحاد الأفريقي، مؤكداً أن الأزمات الداخلية مستمرة في إثيوبيا منذ سنوات، و"كلما اقترب حسم الخلاف حول السد تحدثت أديس أبابا عن المشكلات الداخلية للتنصل من توقيع الاتفاق، بمعنى أنها توظف ورقة المعارضة لتحقيق مكاسب خارجية، وتوظف الأزمات الخارجية في توحيد الداخل أو تبرير قمعه، ما أدى إلى ضياع جدية المفاوضات وتحولها إلى مناورات سياسية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تدخلات أطراف خارجية

وعلى الوجه المقابل، قال أمانئيل قبرمدهن، المتخصص الإثيوبي في الشؤون الدبلوماسية والدولية، في تصريحات إلى "اندبندنت عربية" إن "الأزمة السياسية الداخلية حالياً في إثيوبيا ربما تدفع حكومة الدكتور آبي أحمد إلى مزيد من التشدد في مواقفه في ما يتعلق بسد النهضة، وبخاصة بالنظر إلى أن العديد من التدخلات الخارجية في قضية سد النهضة الإثيوبي العظيم ارتبطت بدور ومواقف مصر، سواء من خلال محاولات عرقلة التمويل من البنك الدولي ومؤسسات التمويل الدولية، أو عبر أحد التكتيكات والاستراتيجيات التي اتبعتها مصر بدعم عديد من أطراف المعارضة في إثيوبيا للتأثير في مواقف الحكومة، وكذلك تدويل القضية بإدخال أطراف لدعم مواقفها مثل الولايات المتحدة".

وبسؤاله حول ما الذي يمكن أن يدعو القاهرة إلى التدخل في الشأن الإثيوبي، إذا كان هناك اتفاق بالفعل على استئناف المفاوضات والوصول إلى اتفاق في غضون أسبوعين، أوضح قبرمدهن أنه "على رغم عدم اتهام أديس أبابا لأي طرف خارجي بشأن علاقته بما يجري حالياً من توتر واحتجاجات عنيفة، وكذلك أنا لست متأكداً من دعم مصر لهذا التوتر، لكن سبق أن اتهمت إثيوبيا مصر وأطرافاً خارجية أخرى بذلك خلال السنوات الأخيرة، بالتالي فإن التوترات الداخلية في إثيوبيا سيكون لها تأثير حتمي في أزمة السد والمفاوضات المرتقبة وفق ما تم الاتفاق عليه في قمة الاتحاد الأفريقي، فسوف تدفع حكومة إثيوبيا إلى المضي قدماً في خطتها لملء السد الذي لا تحتاج إلى إذن من أحد للشروع فيها، لكنها ستبقى حريصة على ألا يتسبب ذلك في ضرر للأطراف الأخرى، سواء توصلنا إلى اتفاق أم لا، وذلك بحسب التزامنا باتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015".

المزيد من تقارير