Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بولتون وقيم أخلاقية متضاربة

أهم الاستنتاجات المبدئية من تفاصيل كتاب "الغرفة" وجود تخبط في السياسة الأميركية

الرئيس دونالد ترمب ومستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون (أ ف ب)

اطلعتُ على بعض ملخصات وحلقات كتاب مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون، الصادر أخيراً بعد جدل هائل والذي حمل عنوان "الغرفة التي شهدت الأحداث"، ويتضح أن الكتاب مَلِيء بالكثير من التفاصيل والأسرار، فضلاً عن قراءة سريعة للكتاب ذاته إلكترونياً وفي انتظار قراءة تفصيلية. وكما هو معروف سبق تسريب الكتاب ضجة كبيرة بسبب محاولة ترامب وحكومته منع صدوره، لكن المحكمة رفضت هذا الطلب، فضلاً عن أن تسريب الكتاب تم قبل صدور الحكم، ما يشير إلى قوة سياسية تريد استثمار هذا الكتاب لأهداف سياسية واضحة في إضعاف حملة التجديد للرئيس الأميركي، وهي مسألة قد لا تحدث بالضرورة.

إذن نحن هنا أمام قضية أخلاقية كبيرة فيما يتعلق بتنازع مجموعتين من المبادئ والأخلاقيات الكبرى، الأولى هي مجموعة المبادئ التي حاولت إدارة ترمب استخدامها لمنع صدور الكتاب وهي حماية الأمن القومي الأميركي، وتدخل معها مبادئ وقيم الانضباط الوظيفي والولاء، والثانية مجموعة مبادئ أخرى تقوم على أولوية المصلحة الوطنية وكشف العيوب والنقائص الأخلاقية على حساب الانضباط الوظيفي وقيم الولاء.

 

من ناحية أخرى، فإن السوابق المشابهة نادرة، ويقفز إلى الذهن مع الفوارق الكبيرة حدث هز مصر منذ عقود عندما أصدر السياسي والشخصية الوطنية مكرم عبيد "الكتاب الأسود" ضد الزعيم الوطني الوفدي مصطفى النحاس، وانشق بعدها عبيد عن حزب "الوفد" وشارك في تأسيس الكتلة الوفدية أوائل الأربعينيات من القرن الماضي. والمفارقة أن كلا الزعيمين محل تقدير واحترام من كثيرين، وهو ما يخالف تماماً الموقف في حالة ترامب وبولتون، وعموماً أثيرت آنذاك ضجة كبيرة وطرحت منظومتي القيم الأخلاقية. فمن الطبيعى أن ينظر إليها كثيرون من منطلق إضعاف حزب الأغلبية الوطنية وكجزء من الانشقاقات العديدة التي قادت إلى تراجع الحزب الكبير، لكن هناك منطق آخر مهم من مكرم عبيد هو عدم قبول التراجع الأخلاقي للحزب وانتشار المحسوبية والفساد.

ولسنا هنا في معرض مناقشة هذه القضية التي حظيت بالكثير من الدراسات الجادة والموضوعية، لكن يبقى فارقٌ مهم جداً مع حالة ترمب وبولتون، وهو امتداد القضية إلى صلب قضايا السياسة الخارجية الأميركية ومصالحها، خلافاً للنموذج المصري القديم الذي كان أقل تفصيلاً فيما يتعلق بالسياسات العامة وما يكون انعكاساً وناتجاً عن الفساد والمحسوبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الحالة المعاصرة تتجاوز الخيال من كثرة التفاصيل المحرجة التي تتجاوز نمط صنع القرار لترمب وشخصه الذي أراد بولتون فضحه إلى كثير من الأبعاد الأخرى والأسرار التي اعتادت واشنطن كشفها وفقا لتقاليد سياسية راسخة بعد 25 عاماً، ومع إبقاء عدد آخر من الوثائق قيد السرية ليفرج عنها من خلال قانون خاص لمن يطلبها. وحتى في هذه الحالة يتم إبقاء مستندات سرية أخرى وعدم السماح بنشرها. وأذكر شخصياً أن بعض هذه الوثائق حاولتُ الحصول عليها ولكن بلا جدوى.

وهنا يمكن المقارنة مع الشهادات الدبلوماسية التفصيلية لعدد من الساسة، مثل كتابات كيسنجر الهامة التي تضمنت الكثير من التفاصيل، ولدينا كذلك كتابات مهمة عربية ومصرية بشكل خاص من وزراء الخارجية السابقين، لكنها حتى لو كشفت بعض الأسرار فقد جاء ذلك بعد مرور فترات زمنية متفاوتة على ترك مواقع السلطة، كما تظل كلها متسمة بقدر من الانضباط والولاء للمصالح القومية للدولة وقدر ما من الالتزام حتى تجاه الحكم، حتى لو شابت العلاقة خلافات حول ملفات معينة.

ولعل أحد أشهر هذه النماذج هو كتاب وزير الخارجية الأسبق إسماعيل فهمي الذي أعده باحترافية ومسؤولية عالية، ولم يُنشر إلا بعد وفاة السادات بعدة سنوات، فضلاً عن أن الخلاف بين الرجلين كان معروفاً وعلنياً وحول قضية محددة وأدى إلى استقالة الرجل في تفاصيل معروفة، وظل فهمي أميناً على مصالح بلاده حتى وفاته كجندي دبلوماسي محترف.

 

أما الحالة التي أمامنا ففيها كم من التفاصيل الدقيقة لعملية صنع القرار الأميركي في عهد ترمب، ورغم أن كثيراً من هذه الأبعاد معروف بسبب نمط شخصية الرئيس الأميركي وتسريباته الإلكترونية، وكذا ما أعلن بسبب استقالات لعدد من مساعديه، وأيضاً إطاحته بعدد آخر كبير خلال سنوات حكمه التي توشك على إكمال مدتها الأربعة الأولى، وتتعلق هذه التفاصيل بأدق جوانب وانشغالات السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً قضايا المواجهة مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران.

ربما يكون من أهم الاستنتاجات المبدئية من تفاصيل الكتاب تأكيد أن هناك تخبطاً في السياسة الأميركية وعدم وضوح رؤية في كثير من الملفات، بل ربما أغلب هذه الملفات، وهو رأي كان بعض المتابعين في العالم العربي يستبعدونه ويصرون على النظر إلى السياسة الأميركية كقوةٍ عُظمى تخطط كل شيء وتتعمد حالة الإرباك لتنفيذ مخططاتها. وواقع هذه المذكرات أن تنازع الاتجاهات وتضاربها هو السبب الحقيقي، فعلى سبيل المثال الضربة الجوية تجاه سوريا، التي أعطى ترمب انطباعاً بأنها ستكون شديدة، ثم خرجت محدودة، وفسرناها آنذاك بأن المؤسسات الأميركية أرادتها هكذا لكي يستمر لها تأثير ما في مجريات الصراع الذي تريده ممتداً ما دامت لا تريد وكذا لا تملك تأثيراً أكبر، حيث يشير بولتون في الكتاب إلى أن هذا كان موقف وزارة الدفاع الأميركية التي فرضت وجهة نظرها في هذا الصدد على الرئيس ترمب. بالتالي ما كشفه بولتون كان مفهوماً آنذاك ولكنه وثقه بهذه الشهادة.

وفي النهاية يبقى الأمر الرئيس في شهادة بولتون أن اليميني المتشدد صاحب التوجهات العنيفة في الترويج لمصالح بلاده، يمزق رئيسه ترمب، ويتناسى أن صفات الأخير كانت معروفة له وللعالم أجمع، ويبدو أنه ظن عندما بدأ العمل معه أنه سيستطيع ترويض الرجل الجامح غير القابل للترويض، وهو أشار إلى هذا صراحةً، أي أنه تصوّر قدرته على التعامل مع ترمب، وعندما لم يستطع قرّر المشاركة بقوة في تمزيقه، والقضية بالنسبة إليه ليست كشف فساد أو نهج صنع قرار لا يناسب دولة عظمى - رغم أن صحة هذا - من ثم هو لم يختر بين منظومتي قيم كما فعل مكرم عبيد، وإنما اختار دافع الانتقام وحده، ولعل المثل المصري في هذا الصدد عن صراع الأشرار وكيف يؤدي إلى كشف الحقائق يكون مثلاً معروفاً.

المزيد من تحلیل