Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا ينقص الاتفاق النهائي لسد النهضة؟

مدى سلامة الإنشاءات التي تهدد بالانهيار والتعتيم الإثيوبي على التناحر القومي بالبلاد أخطر الملفات المسكوت عنها في الأزمة

مدى سلامة الإنشاءات الهندسية للسد مشكوك فيها (أ ف ب)

أحرز ملف سد النهضة نقاط تقدم مهمة، ربما تقود إلى الوصول لاتفاق نهائي في غضون الأسابيع المقبلة. هذا الاختراق للموقف المأزوم والمستمر، على مدى تسع سنوات، جاء بعد اجتماع على مستوى القمة تحت مظلة الاتحاد الأفريقي برئاسة جنوب أفريقيا، ومشاركة كل من كينيا ومالي بالإضافة إلى أطراف الأزمة، حيث خلص الاجتماع إلى تراجع إثيوبيا عن موقفها بملء بحيرة سد النهضة بلا اتفاق، والعودة إلى استئناف المباحثات على أن يكون الاتفاق محمياً بأطر قانونية ملزمة لها، في غضون أسابيع اختلف مقدارها بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى.

ولعل في هذه الأجواء تكون الأسئلة مطلوبة ومشروعة حول أسباب هذا التقدم، وما هي الأطراف أو الجهات التي أسهمت في هذه الحالة الجديدة، وما هي نقاط الاتفاق المطلوب الوصول إليها  على المستوى الفني حتى تستطيع إثيوبيا القيام بعملية الملء الأول لسد النهضة تحت مظلة اتفاق إقليمي تتم مراقبته دولياً؟

وبطبيعة الحال هناك عدد من العوامل أسهمت في زحزحة الموقف الإثيوبي وتحول الموقف السوداني، بحيث وجد الموقف المصري قدراً من إسناد دولي وإقليمي، خصوصاً أنه قد تمتع بمرونة معقولة في مسعى جاد للوصول لاتفاق مع شركائه السودان وإثيوبيا.

ويمكن رصد العوامل سالفة الذكر بالتالي

- تدويل الأزمة، إذ لجأت مصر إلى تفعيل البند العاشر من اتفاق المبادئ الموقع بين البلدين في مارس (آذار) 2015، باللجوء إلى وسيط دولي، كان الولايات المتحدة الأميركية، في مباحثات استمرت ثلاثة أشهر باجتماعات أسبوعية ثلاث مرات. ومع التراجع الإثيوبي عن التوقيع على اتفاق واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، ثم تصعيد الملف من الجانب المصري إلى مجلس الأمن على خطوتين؛ الأولى خطاب، والثانية شكوى، طبقاً لمسارات وتطورات المباحثات على موائد التفاوض.

- تدخل أطراف دولية منها وزير الخزانة الأميركي بتواصل نشط مع رئيس الوزراء السوداني خصوصاً عبد الله حمدوك، الذي أخذ على عاتقه مهام تذليل الصعاب، كما برز موقف كل من مجلس الأمن القومي الأميركي، والأمين العام للأمم المتحدة، وهما الموقفان اللذان أكدا ضرورة حسم الخلافات بين الأطراف، وحذرا من مضي إثيوبيا قدماً في ملء بحيرة سد النهضة بلا اتفاق مع شريكيها في النهر مصر والسودان، بما يخالف القانون الدولي، ويمثل سابقة للاستقرار الإقليمي في منطقة ملتهبة أصلاً.

- وجود مرجعية سياسية وقانونية لضرورة الاتفاق بين الأطراف قبل الملء، ممثلة في البند الخامس من إعلان المبادئ الذي تم توقيعه بالخرطوم، وهو الذي يقول بضرورة الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل بين الدول الثلاث.

- عدم قدرة أديس أبابا على إنجاز تحالف إثيوبي سوداني بالمعنى الذي جرى وقت نظام عمر البشير، رغم ممارستها ضغوطاً عسكرية على السودان على الحدود بين البلدين، إذ رفض السودان أولاً توقيع اتفاق ثنائي مع إثيوبيا بشأن الملء، ورفض أي أداء أحادي من جانبها في موضوع سد النهضة، وكذلك إقدامها على إرسال خطاب لمجلس الأمن أسوة بمصر وإثيوبيا، وأخيراً التلويح بوجود أضرار لسد النهضة بالغة تصل لحد المهددات، طبقاً لتصريحات وزير الري السوداني.

- تحرك الاتحاد الأفريقي في ملف سد النهضة بعد تدويل الأزمة على مستوى مجلس الأمن، فتمت دعوة لاجتماع على مستوى القمة بدعوة من كينيا وبرئاسة جنوب أفريقيا باعتبارها رئيس الاتحاد، وحضور مالي وكينيا باعتبارهما عضوين في هيئة مكتب المفوضية، وهو الاجتماع الذي أنجز الاختراق الإيجابي ودام خمس ساعات.

- ما يتردد عن فقدان إثيوبيا للمصداقية على المستويين الدولي والإقليمي بسبب سعيها إلى أن تكون مخرجات المباحثات الثلاثية مجرد توصيات غير ملزمة لها، ولا يقع عليها أي تداعيات إذا تراجعت عنها، بحيث لا يتمتع الاتفاق بأي مرجعية قانونية أو هيئات تحكيم دولية، يمكن اللجوء إليها في حالة تراجعها عن اتفاقاتها، وهي حالة مشهودة خلال التسع سنوات الماضية التي استغرقتها المباحثات. كما تراجعت إثيوبيا في الجولة الأخيرة عن مسألة وجود مراقبين رغم أنها من طلبت حضور جنوب أفريقيا مراقباً، فطلبت مصر الاتحاد الأوروبي بالمقابل. وهو ما وسع نطاق التفاعل والمراقبة للسلوك السياسي الإثيوبي الذي بدا غير محترف على المستوى السياسي والقانوني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق، فإنه من المنتظر أن يتم استئناف المباحثات قريباً، وهي مرحلة تحتاج نوعاً من أنواع الإسناد العربي المطلوب بإلحاح، حتى يتم تلافي فرص تصعيد الأزمة، ويكون لها تأثير إضافي سلبي في مسألة أمن البحر الأحمر، وهو ملف يهم المصالح الخليجية بامتياز.

 

 

من هنا فربما يكون المطلوب حالياً وجود أدوار خليجية نشطة في هذه المرحلة، مساندة للموقفين المصري والسوداني ضد محاولات التغول الإثيوبي في الإقليم، خصوصاً أن إثيوبيا تعوّل على تمويل خليجي لأنابيب نفط تريد إقامتها بعد أن بدأت بوادر لوجود اكتشافات بترولية في منطقة الأوجادين الصومالية، التي تقع تحت السيطرة الإثيوبية، ولعل هذا من أسباب اهتمام إثيوبيا بالبحر الأحمر في هذه المرحلة وسعيها لتكوين قوات بحرية.

وأخيراً فإن النقطتين المطلوب التوافق عليهما بشكل محدد هما، طبيعة التعامل الإثيوبي مع حالة الجفاف الممتد، التي تؤثر في الموارد المائية لنهر النيل مرة كل 20 عاماً، هل ستكون الأولوية لتوليد الكهرباء أم لتدفق المياه؟. والمسألة الثانية هي المرجعية القانونية للتوافق الثلاثي وهو أن يرتقي من درجة توصيات غير ملزمة، كما تريدها، إلى اتفاق قانوني ملزم تحت مظلة القانون الدولي، له تداعيات على الدولة الإثيوبية في حال الإخلال به، وتملك كل من القاهرة والخرطوم آلية التحكيم الدولي.

اما فترة ملء بحيرة السد فتقدر غالبا بسبع سنوات. وفي هذا السياق ستكون إثيوبيا في تقديرنا هي الحريصة على الوصول لاتفاق قبل نهاية يوليو (تموز) حتى يكون موقفها الداخلي متسقاً مع تصريحات مسؤوليها الذين قالوا إنه سيتم الإقدام على الملء في يوليو.

ويبقى هناك ملفان مسكوت عنهما الأول برضا مصري سوداني، والثاني بتعتيم إثيوبي. أما الأول فهو مدى أمان سد النهضة وسلامة إنشاءاته الهندسية، وقابليتها للاستمرار، وهو ملف لم ينل اهتماماً من المسؤولين في كل من مصر والسودان، الذين يركزون فقط على ضمان تدفق المياه.

 ويتبنى خبير السدود بالأمم المتحدة أحمد الشناوي مقولات تفيد بأن سد النهضة سوف ينهار عند وصول الملء أمام بحيرة السد حد الـ7 مليارات متر مكعب من المياه، استناداً إلى أن منطقة السد فالق جيولوجي نشط. ويستند أيضاً في هذا التقدير إلى واقعة انهيار سد أومو الإثيوبي قبل عامين بفعل نشاط هذا الفالق. وهو تقدير ربما يتفق مع أن رقم معامل سد النهضة ضعيف، وأن الدراسات الفنية لهذا السد غير موجودة بعد توقف عمل المكاتب الاستشارية العالمية عقب حدوث خلافات بشأن التقرير الاستهلالي لهذه المكاتب، ولم تكمل عملها.

أما الملف الثاني فهو الموارد المائية الإثيوبية وطبيعة تدفقاتها، وأسباب عدم الاستفادة منها، إذ إن السائد هو أن فقر الشعب الإثيوبي وحرمانه من الكهرباء يعود إلى حرمانه من استغلال نهر النيل، بينما واقع الأمر أن التناحر القومي الإثيوبي قد لعب تاريخياً أدوراً أساسية في تأخر هذا البلد عن التنمية المستدامة، التي يعد الاندماج الوطني أحد أركانها. وهي مهمة لم تنجح فيها النخب السياسية الإثيوبية من كافة القوميات تاريخياً؛ لاعتبارات مرتبطة بالتكوين الحديث للدولة الإثيوبية، وطبيعة الشكوك التي تحيط بأي مشروع للاندماج الوطني، وهو التحدي الكبير الذي يواجهه آبي أحمد حالياً، وربما يهدده بالاختفاء من المسرح السياسي الإثيوبي في الانتخابات المقبلة.

المزيد من تحلیل