Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المنصة الإلكترونية محاولة غير كافية للسيطرة على تدهور العملة اللبنانية

انهيار سريع لسعر صرف الليرة وخوف من ثورة جياع

أطلق حاكم مصرف لبنان العمل بالمنصة الإلكترونية للتداول بالعملات ولا سيما بين الدولار الأميركي والليرة اللبنانية (رويترز)

بدأ الانهيار السريع لسعر صرف الليرة اللبنانية التي خسرت خلال الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران) الحالي 30 في المئة من قيمتها، وبلغت نسبة الخسائر المتراكمة منذ ما بعد اندلاع الثورة في 17 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 نحو 80 في المئة، وهو انهيار يبدو أقوى من مساعي الحكومة التي شكلت خلية أزمة مالية أمنية تحاول عبثاً ضبط سعر الصرف المتفلت.

فالحكومة تعالج النتائج بدلاً عن معالجة الأسباب الحقيقية لتراجع سعر الصرف، وفي مقدمها تلاشي ثقة اللبنانيين في العملة الوطنية، ثم وصول الاحتياطيات النقدية من العملات الأجنبية في مصرف لبنان إلى مستويات متدنية تلامس الاحتياطي النقدي الإلزامي، في ظل استنزافٍ مستمر لتغطية ودعم استيراد المواد الأولية الأساسية كالمحروقات والطحين والأدوية والمواد الغذائية الأساسية، تضاف إليها عمليات التهريب إلى سوريا الخاضعة لعقوبات أميركية مشددة جففت الدولار في سوريا، وحدت من قدرتها على الاستيراد.

وفي وقت يلامس سعر صرف الدولار مستوى 8 آلاف ليرة في السوق السوداء مقابل 1515 ليرة للدولار في المصارف، أطلق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة العمل بالمنصة الإلكترونية لعمليات الصرافة للتداول في العملات بين الدولار الأميركي والليرة اللبنانية لدى الصرافين عبر تطبيق إلكتروني تحت مسمى."Sayrafa"

صورة واضحة عن حجم الطلب

والتطبيق مخصص للصرافين المرخصين كما المصارف والمؤسسات المالية ليشكل مرجعية رسمية لتسعير الدولار في السوق الموازية، وسيوثق التطبيق الذي سيعمل من خلاله القطاع المالي، كل عمليات الصرف للتجّار والمؤسسات والأفراد إلكترونياً، إذ سيعطي لمصرف لبنان صورة واضحة عن حجم الطلب والعمليات في سوق القطع، ومعلومات سيرتكز عليها البنك المركزي للتسعير ولمتابعة حجم السوق وتقلباتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا التطبيق أعلنه حاكم مصرف لبنان من السراي الحكومي، بعد لقاء جمعه برئيس الحكومة حسان دياب، والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، ووزير الاقتصاد راوول نعمة. وقال سلامة إن هذا التطبيق سيفعّل في الأيام المقبلة، مؤكداً ألا صلاحية لمصرف لبنان بالتدخل في السوق السوداء التي تتحرك بأحجام صغيرة وهي غير منظمة.

سلامة كشف أيضاً أنه تم تداول أكثر من ثمانية ملايين دولار في أول يوم عمل للمنصة، بينما سيبقى سعر الصرف الرسمي عند حدود 1515 ليرة للدولار الواحد، ما يساعد على ضبط واستقرار أسعار المواد الأولية الأساسية، بالتالي يسهم في الحفاظ على استقرار اجتماعي.

المنصة الإلكترونية بين سوقين

واحدة من فوائد المنصة الإلكترونية يوضحها الأستاذ الجامعي البروفيسور جاسم عجاقة، وهي مركزية السعر، إذ من المعروف أن الصرافين لا يتبعون سعراً محدّداً، وتختلف أسعار الدولار لديهم بحسب مستوى ربحهم، بالتالي، تأتي أهمية المنصة من ناحية توحيد السعر بين كل الصرافين سواء كانوا من الفئة "أ" أو "ب"، وأصبحت لدى كل عميل (زبون) القدرة على معرفة سعر الصرف من خلال الشاشة التي يضعها الصرّاف، والتي تُظهر سعر الدولار مقابل الليرة اللبنانية كما هو في المنصة الإلكترونية، ما يعني أنه أصبح من غير الممكن التحايل أو التلاعب على المُشتري من خلال تطبيقات على أجهزة الهواتف يتمّ التلاعب فيها بشكل فاضح نظراً إلى أنه في غياب المنصة لا مركزية للأسعار.

سوقان سوداوان للدولار والدولة تغض النظر

ويبين عجاقة أن السوق السوداء منقسمة إلى قسمين، الأول داخلي ذو حجم صغير ولا يرتقي إلى تسميته بالسوق السوداء نظراً إلى ضعف حجمه، وقسم للخارج كبير جداً ويحتاج إلى ضبط من قبل الأجهزة الأمنية التي تعرف كل عصابات ومافيات التلاعب بالدولار، إلا أن الملاحظ أن هناك قراراً سياسياً لم يُتّخذ بعد بدليل أن سوق الصيرفة في شتورة يشهد حالة من الفلتان الكامل، إذ يتمّ تداول الدولار بأسعار خيالية لا تعكس بأي شكل من الأشكال الواقع الاقتصادي والمالي والنقدي للبنان.

الحكومة تتموّل من مصرف لبنان

أما على صعيد الحكومة، فيوضح عجاقة أن الإجراءات التي اتخذتها تصبّ في عكس ما هو لصالح الليرة اللبنانية، فقد أوقفت دفع سندات اليوروبوندز وهي كانت المصدر الوحيد للدولارات في لبنان، أيضاً قامت بخفض سعر صرف الليرة في خطتها الاقتصادية إلى 3500 ليرة قبل أن تعلن على لسان وزير المال غازي وزني استعدادها لتحرير سعر صرف الليرة، كما ضربت الثقة في القطاع المصرفي والاقتصاد عموماً من خلال امتناعها عن إجراء الإصلاحات الاقتصادية والمالية ومحاربة الفساد، وطرحت خطّة تعتمد على الاقتطاع من الودائع، وكل هذا أدّى إلى ضرب الثقة بالليرة اللبنانية، بالتالي زيادة الطلب على الدولار الأميركي.

ولم تكتف الحكومة بهذا الأمر بل ذهبت إلى حدّ الطلب من مصرف لبنان تنفيذ إجراءات كانت قد انتقدته عليها، وهي تمويل الدولة وضخ دولارات في سوق الصيرفة، وهذه الإجراءات التي تمّ استخدامها كانتقادات للسياسة النقدية التي يتبعها مصرف لبنان، أصبحت مطلباً للحكومة التي تتموّل بشكل شبه حصري من مصرف لبنان لتغطية نفقاتها في ظل تراجع دراماتيكي لعائداتها مع توقف عجلة الإنتاج ودفع الضرائب.

لا إصلاح حتى اليوم

ويتابع عجاقة "من الواضح مما تقدّم أن إقناع المواطن اللبناني، بعدم تحويل الليرة إلى دولار يفرض زيادة الثقة لديه بهذه العملة من خلال عدد من الخطوات على رأسها خفض الإنفاق العام، لكن أيضاً وقف النزيف في عدد من القطاعات مثل الكهرباء والجمارك، ومحاربة الفساد المستشري في القطاع العام، وكلها إجراءات تتطلب جرأة لا تملكها هذه الحكومة نظراً إلى أنها لا تحمل توكيلاً من القوى السياسية التي تدعمها، بالتالي، وكاستنتاج لما سبق، نرى أنه من شبه المستحيل أن تصل الحكومة إلى نتائج إيجابية في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي نظراً إلى غياب هذا التوكيل".

وفي غياب كل هذه الإجراءات، يعمد المواطن اللبناني إلى المتاجرة بالدولار الأميركي على حساب الليرة، ما يؤدّي إلى ارتفاع سعر الدولار في الأسواق، ومعه أسعار كل المواد والسلع والخدمات، إذ يُطبّق التجار مبدأ الـ replacement cost الممنوع بحسب المرسوم الاشتراعي 73/83، وكل هذا تحت أنظار الحكومة التي لم تبادر بعد ستة أشهر من توليها الحكم بالقيام بأي إجراءات إصلاحية، ما ينذر بتفاقم الأزمة النقدية.

المنصة بضوابط لن تلغي السوق السوداء

ويوضح نائب رئيس نقابة الصرافين محمود حلاوي لـ"اندبندنت عربية" أن المنصة يوم تمّ الإعلان عنها منذ أكثر من شهر كان الهدف منها السيطرة على السوق السوداء، وفرض التطبيق الرسمي بدلاً عن التطبيقات المنتشرة غير الرسمية، التي تسهم في تدهور سعر الصرف، وإنما بعد الإجراءات الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي بالتنسيق مع الحكومة، والتي حددت ضخ الدولار للتجار والأفراد بوثائق وقيود بحسب السعر المعلن على المنصة، لن تستطيع هذه الأخيرة التحكم في السوق السوداء التي ستبقى متفلتة.

سوق سوداء متفلتة

فيومياً، يسعّر مصرف لبنان صرف الدولار عبر المنصة بحسب كل العمليات، وكان تداول سعر صرف الدولار في أول يوم عمل للمنصة في حدود 3850-3900 ليرة للدولار الواحد، وقد تأمنت السيولة من "المركزي" على هذه الأسعار، وجرت العمليات على أساسها، بينما السعر في السوق السوداء تخطى 7500 ليرة للدولار.

ويتابع حلاوي "في وقت يستفيد التجار المستوردون فقط من هذه المنصة وقلة من الأفراد بقيود وقيم متدنية تُحدد لهم شهرياً، ستبقى السوق السوداء متفلتة في ظل طلب على الدولار يفوق العرض بأضعاف، لا بل أكثر من ذلك، والصرافون المرخصون ملتزمون بالبيع بحسب السعر الرسمي الذي أصبح يوازي نصف السعر المتداول في السوق السوداء، ما يدفع المواطنين إلى الجوء للسوق السوداء لبيع دولاراتهم إذ يحصلون على ضعف القيمة بالليرة".

ولضمان التزام الصرافين ونجاح خطوات الحكومة الرامية إلى الحد من انهيار الليرة، يطالب حلاوي بدور أكبر للقوى الأمنية القادرة على الحد من عمليات البيع على الطرقات وفي الأماكن غير المخصصة للصيرفة، ما يؤكد استمرار تفلت بعض المناطق بعيداً عن أعين الأمن، وهي مناطق معروفة ومكشوفة.

وضبط تدهور الليرة التي تسارعت وتيرتها لن يكون سهلاً، خصوصاً مع تراجع قيمة الأجور، إذ أصبح الحد الأدنى يوازي 91 دولاراً، والخوف كله من أن تصطدم الحكومة بغضب الشعب الجائع.