Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة التموضع الإقليمي للسودان

أي انتباه من الخرطوم لمصالحها طبقاً للمعطيات الجيوسياسية يُفسَر بأنه تقارب لمصر في ملف سد النهضة

سد النهضة الإثيوبي (أ ف ب)

كشفت الأيام القليلة الماضية نوعاً من الارتباك في الموقف السوداني في تفاعلات سد النهضة الإثيوبي، حيث جرى اتخاذ قرارات أو تحديد مواقف ثم التراجع عنها، كما بدا واضحاً وجود ثنائية متناقضة في التعبير عن موقف الدولة من هذا الملف المفصلي الذي وضع السودان بين شقي رحى بسبب الاستقطابات الراهنة ما بين الموقفين المصري والإثيوبي، فضلاً عن المخاطر التي تهدد السودان ذاته، في حال إصرار أديس أبابا على حجم تخزينٍ مائي ضخم.

في مسألة سلامة الإنشاءات الهندسية لسد النهضة ومدى تأثيرها في السودان فإن وزير الري السوداني ياسر عباس تراجع عن مسألة تمتُع السد بدرجةٍ عالية من الأمان، وأنه لا يهدد بلاده بأي شكل من الأشكال، وذلك في تصريحات صحافية لجريدة "السوداني"، وهو الموقف الذي كان مصراً عليه على مدى سنوات وعبر نظامين سياسيين، لكنه خلال الساعات الماضية تحدّث عن إمكانية وجود مخاطر لسد النهضة على السودان.

تعددية المواقف

أما على مستوى القرارات السياسية، فمن الملاحظ الثنائية الواضحة في وزارة الخارجية السودانية بين ما تعبِّر عنه وزيرة الخارجية أسماء عبد الله والذي يعبّر عنه وزير الدولة في الخارجية عمر قمر الدين، فالوزيرة في حوار لتلفزيون السودان القومي رفضت بشكل مطلق الملء الأول لسد النهضة من دون اتفاق مع دولتي المصب (مصر والسودان)، بل وطالبت القاهرة بالتشدد في مواقفها، بينما وزير الدولة قال في وقت لاحق إن بلاده لن تذهب إلى مجلس الأمن، وأنه لو تم ملء أوليّ للسد من جانب أديس أبابا فإن السودان لن يُصعِّد ضد لأديس أبابا، ولن يذهب إلى مجلس الأمن رافضاً هذه الخطوة من جانب القاهرة. ولكن السودان تراجع عمّا قال به وزير الدولة للخارجية، وقال بذهابه إلى مجلس الأمن، ولكن على لسان وزير الري هذه المرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا المشهد السوداني المرتبك أعطى إشارات متناقضة للإقليم وللعالم عن الاتجاهات السياسية السودانية، وطبيعة تفاعلات اتخاذ القرار، وطريقة صناعته، وذلك بشأن أمور البلاد الحيوية، وهو ربما يضع السودان في موقف حرج على المستوى السياسي، ولا يمكّنه من تحقيق مصالحه الاستراتيجية، التي من المفترض أن تكون ذات طابع مستدام، ذلك أنه من المعروف أن التموضع الإقليمي لأي دولة يكون استجابة لمعطيات موقعها الجيوسياسي، وليس استجابة لنخبٍ ونُظمٍ سياسية متغيرة.

وإذا كانت حالة السيولة السياسية والهشاشة المترتبة على تغيير النظام السياسي السوداني، وكذلك الانقسامات الجديدة والخلافات في كواليس القوى السياسية والتجمعات المهنية القائدة لثورة ديسمبر (كانون الأول) تبرر نسبياً هذه الهشاشة، ووصف نائب رئيس المجلس السيادي الفريق حميدتي بالفشل، فإنه يبدو أن الأزمة هي أعمق من ذلك ولها أسباب تاريخية ومستجدة.

هوية السودان

على المستوى التاريخي، وبحكم ثنائية الهوية السودانية الـ"عربوأفريقية"، كان التموضع الإقليمي للسودان مصنفاً على أنه دولة جسر بين النطاقين العربي والأفريقي مثيلة لتشاد ولكن ربما على نطاق أوسع بحكم جواره المباشر لكل من مصر والخليج.

وفي حقيقة الأمر فإن هذا التموضع أتاح للسودان قدرة هائلة على الحركة في النطاقين العربي والأفريقي، مع قبولٍ كبير له في النطاقين معاً، فقد لعب السودان أدوراً كبيرة في دعم مصر مثلاً على المستوي السياسي في أزمتي 1956 و1967، كما لعب أدوراً هامة في مصالحات وطنية وحلول أزمات في عدد من الدول الأفريقية منها تشاد والصومال، بل إن المصالحة الأخيرة في أفريقيا الوسطي جرت علي الجسر السوداني وبدعم روسي.

وقد اختل هذا التموضع الإقليمي للسودان في تقديرنا، في أكثر من محطة، وذلك بسبب عاملين، الأول هو العزلة السياسية في النطاق العربي التي عانى منها السودان في الفترة الأولى من حكم الرئيس المخلوع عمر البشير على خلفية دعم نظامه لصدام حسين ضد الكويت، وصدامه مع مصر خلال التسعينيات. أما العامل الثاني فهو تبني نظام البشير مقولات الإخوان المسلمين وزعيمها الترابي بشأن الأممية الإسلامية، وهو الأمر الذي جعل السودان يفتح حدوده على جواره الغربي المسلم، بل واستخدم أدوات الدولة الناعمة لدعم التواصل الأفريقي عبر جامعة أفريقيا، بينما كانت قنوات تواصله مع المحيط العربي مفقودة.

وفي هذا السياق، أصبح الجوار الغربي للسودان فاعلاً ومؤثراً في الأزمات السودانية، خصوصاً في دارفور، ولعل أبرز أمثلة على ذلك الجذور النيجيرية لعلي كوشيب المقبوض عليه في المحكمة الجنائية الدولية حالياً باتهامات متعلقة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور، حيث استند نظام البشير على مرتزقة جوالة من غرب أفريقيا "الجنجويد" لحسم الصراع عسكرياً ضد مواطنيه من سودانيي دارفور.

وقد لعبت التطورات الخاصة بأزمة دارفور دوراً في خلخلة مكونات الهوية الثنائية السودانية على خلفية الانتهاكات والمجازر التي ارتكبها نظام البشير في دارفور، حتى تم تصنيف هذا الصراع من بعض الدوائر الغربية على أنه صراع بين العرب والأفارقة على نحو مجافٍ لحقيقة أن المسألة برمتها بدأت بصراع على السلطة بين البشير والترابي عام 1999 بعد إقصاء الترابي.

تراجع النظام العربي

أما المحطة الثانية التي اختل فيها التموضع الإقليمي للسودان فكانت مع تراجع النظام العربي وتكلس قدراته في حماية أمنه القومي، والذي تزامن مع أزمات اقتصادية مستحكمة في السودان، على خلفية سوء إدارة وفساد نظام البشير، ومن هنا ظهرت منطقة فراغ تمددت فيها كل من إيران وتركيا وهو ما استفاد منه البشير.

ويبدو من الطبيعي أنه مع فقدان السودان لمصداقيته السياسية على زمن البشير وتشوه صورته في محيطه الإقليمي، أن تأخذ النخب السياسية الحاكمة لنظام ما بعد البشير موقفاً تحاول فيه أن تكون مبدئية، بمعنى تصدير خطاب سياسي فحواه الانتباه للمصالح السودانية الخالصة، من دون الالتفات إلى الاستقطابات الإقليمية، وهو موقف يبدو صحيحاً تماماً على المستويين الأخلاقي والسياسي بشرط ألا يهمل مقتضيات الموقع الجيوسياسي للسودان، وطبيعة طبوغرافية وهيدروليكية نهر النيل، بمعنى أنه لا يجوز مثلاً إهمال أن السودان في الواقع هو دولة عبور ومصب للنهر، وهو ما يترتب عليه رؤى محددة إزاء مصالحه في هذا النهر، خصوصاً أن حصته المائية من نهر النيل يستعملها بالكامل، بل إنه قد تجاوزها عام 2019 بمقدار 3 مليارات متر مكعب من المياه.

كما لا يجوز التملُل في مسألة مدى سلامة الإنشاءات الهندسية لسد النهضة، وتأثيرها في السودان خصوصاً مع عدم توافر دراسات فنية مستقلة له يُعتد بها، كما لا يتوافر له رقم معامل أمان مقبول.

وفي هذا السياق يبدو لي أن الانحياز النسبي الذي يمارسه الشارع السوداني السياسي العام نحو إثيوبيا، ويشكل ضغطاً على النخب السياسية الحاكمة حالياً، كما يؤثر في مواقف القوى السياسية من سد النهضة ومصر في آن واحد، هو مدفوع في جانب منه بالتضاغط التاريخي بين مكوني الهوية السودانية، الذي اكتسب زخماً كبيراً في أزمة دارفور، وبدا فيه أن العداء للعروبة واضحاً، وهو عداء موجه ضد النخب النيلية السودانية في المركز التي قادت السودان منذ عام 1956، والتي تستحوذ على السلطة والثروة طبقاً لمقولات قوى الهامش السوداني، كما ترتكب فظائع إنسانية ضد المواطنين في هذا الهامش طبقاً لمجريات الواقع المعاش حتى وقت قريب.

من هنا نستطيع أن نفهم أن أي انتباه سوداني لمصالحه طبقاً للمعطيات الجيوسياسية يتم تفسيره بأنه تقارب لمصر في ملف سد النهضة، ويواجه بمقاومة كبيرة، وبطبيعة الحال فإن إثيوبيا تستغل هذا الوضع بل وتؤطره، كما أن وسائل الإعلام القطرية تلعب دوراً في إبراز الخطابات المعادية لأي موقف سوداني يأخذ بعين الاعتبار مصالحه المستدامة، بينما تغيب أدوات مصر الناعمة تماماً عن المشهد السياسي والإعلامي السوداني، وتتخلى القاهرة طائعة مختارة عن تفعيل المسارات المرادفة للدبلوماسية الرسمية، وهو ما يُطلق عليه في المؤسسات العالمية "المسار الثاني"، وهكذا تحصد خسائر سياسية، مع إضافة تراكمٍ سلبي إلى صورة مصر في الذهنية السودانية خصوصاً في صفوف الشباب.

المزيد من تحلیل