Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جزيرة سقطرى اليمنية قلب الصراع الدامي

شهدت على مدى السنوات الماضية تعزيزات عسكرية متوالية للمجلس الانتقالي

تمتلك سقطرى مجالاً حيوياً مهماً لتموضعها في قلب المحيط الهندي (مواقع التواصل الاجتماعي)

أعلن التحالف العربي الداعم للشرعية في اليمن، التوصل إلى اتفاق يقضي بوقف فوري لإطلاق النار بين القوات الحكومية ومسلحي المجلس الانتقالي.

ويأتي ذلك عقب سيطرة مسلحي الانتقالي على جزيرة سقطرى (جنوب اليمن)، في ظلّ اتهامات يمنية رسمية وشعبية، لدولة الإمارات بتسهيل "الانقلاب الجديد" على الشرعية، وبعد إحكام الانتقالي قبضته العسكرية على العاصمة اليمنية المؤقتة عدن في أغسطس (آب) من العام الماضي، وطرد الحكومة الشرعية والقوات الموالية لها من المدينة المطلّة على بحر العرب، قبل أن تسارع السعودية إلى وقف الاقتتال وتهدئة الأوضاع بإعلان "اتفاق الرياض" الذي ينصّ على بنود سياسية وعسكرية، إضافةً إلى ملحقات اقتصادية وأمنية.

تصعيد الانتقالي الذي يتبنّى علناً خيار فصل جنوب اليمن عن شماله، ويدّعي تمثيله خيارات أبناء المحافظات الجنوبية، جاء بحجّة قطع الطريق أمام الأطماع التركية الساعية للسيطرة على الجزيرة، بحسب ما يقول نائب رئيس الدائرة الإعلامية للمجلس الانتقالي منصور صالح في حديث لـ"اندبندنت عربية".

لكن الحكومة المدعومة من التحالف وصفته بأنه "انقلاب مكتمل"، وفق تصريح الناطق الرسمي لها راجح بادي.

سقطرى التي تبعد نحو ألفي كيلومتر عن أقرب نقطة مواجهات عسكرية، شهدت على مدى السنوات الماضية تعزيزات عسكرية متوالية للانتقالي، وصولاً الى إعلانهم السيطرة الكاملة عليها أمس الأول، وإقالة محافظها رمزي محروس، المعين من الرئيس عبد ربه منصور هادي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انقلاب جديد

وبحسب موقع المجلس الانتقالي على الإنترنت، أصدر رئيس ما يُسمّى بـ"الإدارة الذاتية للجنوب" أحمد سعيد بن بريك، قراراً بتكليف رأفت الثقلي، أداء مهمات رئيس الإدارة الذاتية في محافظة أرخبيل سقطرى"، في خطوة من شأنها زيادة تعقيد الصراع الذي طال أمده في اليمن.

وبدورها، وصفت الحكومة اليمنية ما قام به المجلس الجنوبي، بأنه "انقلاب مكتمل الأركان قوّض مؤسسات الدولة في المحافظة، وليس صراعاً على أسلحة وغنائم".

قطع الطريق أمام تركيا!

في المقابل، برّر الانتقالي سيطرته المسلحة على الجزيرة "لطرد ميليشيات الإخوان المسلمين وعصاباتهم وقطع الطريق أمام مشاريع الجماعة في تحويل الجزيرة الى بؤرة للإرهاب وإفشال مشروع تمكين محور قطر تركيا من السيطرة على الجزيرة في إطار التوسّع التركي في مناطق عدّة من العالم وسعيه للسيطرة على ممرّات الملاحة الدولية المهمة في المنطقة"، على حدّ تعبير منصور صالح.

هذا الإجراء، بحسب صالح "وضع حدّاً للاستفزازات التي كانت تقوم بها الجماعة المسلمة بقيادة المحافظ الإخواني رمزي محروس الذي حوّلها إلى إقطاعية لحزب الإصلاح (ذي التوجّهات الإسلامية) ورعاية الجماعات الإرهابية والمتطرفة في الجزيرة، وعمل على إثارة الفوضى وتشجيع أعمال العنف التي كانت تستهدف الناشطين، خصوصاً الجنوبيين".

وفي ردّه على مساعي المملكة لوقف التصعيد والعودة إلى المسار السياسي، ممثّلاً بتنفيذ "اتفاق الرياض"، أوضح صالح أن "ليس لدى المجلس الانتقالي أي مشكلة في العودة إلى هذا المسار، بل أنه ما زال يتمسّك باتفاق الرياض باعتباره المسار الآمن للحلّ السياسي الذي سيفضي بحسب اتفاق مرحلي إلى الحلّ النهائي والشامل الذي ينبغي أن يكون ملبّياً ومتوافقاً مع تطلعّات شعبنا بشكل أساسي".

رفضاً للشرعية

وفي إشارة لاتّهام الحكومة بعرقلة تنفيذ الاتفاق، تابع نائب رئيس الدائرة الإعلامية للمجلس الانتقالي "نعتقد أن الأشقاء أدركوا مَن هو الطرف المعرقل بعد حشد الشرعية لقواتها في محافظة أبين (المحاذية للعاصمة المؤقتة عدن) في مسعى لاقتحام عدن، ولكن بعد الهزائم التي مُنيت بها في أبين لأكثر من شهر وخسارتها عدداً كبيراً من قياداتها وآلياتها، إضافةً إلى الخسارة التي مُنيت بها في سقطرى والانتفاضات والتصعيد الشعبي في عدد من المحافظات، رفضاً لوجود ما تُسمّى بالشرعية وتأييد الإدارة الذاتية، فكل ذلك يُعدُّ عوامل ضغط على الحكومة لتضعها في مكانها الطبيعي بأنها ليست رقماً مهماً في الجنوب".

لا للتصعيد

وفي تعليق على مستجدات الأوضاع في سقطرى، أوردت وكالة الأنباء السعودية (واس) أن التحالف العربي يأسف للتطورات الأخيرة في عدد من المحافظات الجنوبية في اليمن، داعياً الأطراف كافة إلى تجنّب التصعيد في كل المحافظات اليمنية، بما في ذلك التصعيد الإعلامي.

ونقلت "واس" عن المتحدث الرسمي باسم التحالف تركي المالكي قوله، إن "الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي وافقا على طلبه بوقف شامل لإطلاق النار، وعقد اجتماع في المملكة للمضي قدماً في تنفيذ اتفاق الرياض المبرم بين الطرفين في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وعودة اللجان والفرق السياسية والعسكرية إلى العمل على تنفيذه وبشكل عاجل".

ترحيب يمني

تعليقاً على الموقف السعودي، قال المتحدث باسم الحكومة اليمنية راجح بادي إنها ترحّب بدعوة التحالف السعودي الإماراتي لوقف التصعيد، والعودة إلى "اتفاق الرياض".

وثمّن ما وصفه "جهود التحالف، الرامية إلى توحيد صفّ الشعب اليمني ورأب الصدع ودعم مسيرته لاستعادة الدولة والأمن والاستقرار ووحدة أراضي البلاد".

وقال إن الحكومة اليمنية تقدّر الجهود الكبيرة للأشقاء في السعودية في وقف التصعيد وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه واستئناف مسار تنفيذ "اتفاق الرياض".

بواعث السخرية

من جهة ثانية، وفي ردّه على إفادة نائب رئيس الدائرة الإعلامية للانتقالي، قال سفير اليمن لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونيسكو" محمد جميح، إن السيطرة على جزيرة سقطرى بحجة قطع الطريق على تركيا، أمر باعث على السخرية.

وأضاف في حديث لـ"اندبندنت عربية" أن "سيطرة الانتقالي على الجزيرة مخالفٌ لاتفاق الرياض الذي يقول الانتقالي إنه سينفذه، ونحن نعلم أن مَن يريد تنفيذ الاتفاق الذي يقضي بعودة الحكومة إلى عدن، لا يسيطر على سقطرى".

وباعتبارها أحد مواقع التراث العالمي لدى "اليونيسكو"، أوضح جميح أن "عسكرة الجزيرة مخالف لقانون المحميّات الطبيعية، علماً أنها مسجّلة على لائحة اليونيسكو للمحميّات الطبيعية".

قضايا مترابطة

من وجهة نظر سياسية، يختتم جميح حديثه بالتأكيد على أن تصعيد الانتقالي بـ"السيطرة على الجزيرة هو نتيجة السيطرة على عدن الناتج عن سيطرة الحوثي على صنعاء، فكل ما يجري في اليمن مرتبط ببعضه والشرعية بضعفها، مسؤولة عمّا يحصل لها".

وتُعدُّ محافظة سقطرى، كبرى جزر الأرخبيل الواقع عند مدخل خليج عدن، (يقدر طولها بنحو 125 كيلومتراً وعرضها 42 كلم وطول الشريط الساحلي 300 كلم) وهي واحدة من أهم أربع جزر في العالم من ناحية التنوع الحيوي النباتي.

كما تشتهر بثراء طبيعتها البرية وموقعها الاستراتيجي الذي يطلّ بنطاق واسع، على واحد من أهم ممرّات الملاحة الدولية وأكثرها ازدحاماً في العالم، بأرخبيل يضمّ ست جزر تتوزّع قبالة سواحل القرن الأفريقي، في الممرّ المائي الذي يربط آسيا بأوروبا عن طريق البحر الأحمر وقناة السويس.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وقّعت الحكومة والمجلس الانتقالي، عقب شهر من الاقتتال، على "اتفاق الرياض" الذي يتضمّن 29 بنداً لمعالجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية في جنوب اليمن.

تنصّ أبرز بنود الاتفاق على عودة الحكومة اليمنية إلى عدن، وتشكيل حكومة وحدة وطنية مناصفةً بين الشمال والجنوب ودمج الوحدات المسلحة في إطار وزارَتَيْ الدفاع والداخلية.

ولم تستطع لجان سعودية عدّة حلحلة الأزمات الناتجة من تأخر تنفيذ البنود غير أن الطرفين ظلّا يتبادلان الاتهامات بشأن مسؤولية عدم التنفيذ.

تبع ذلك، إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي "الحكم الذاتي" في الشطر الجنوبي من البلاد الذي يقوده عيدروس الزبيدي، في 25 أبريل (نيسان) الماضي، الأمر الذي عطّل "اتفاق الرياض" قبل البدء بتنفيذه، وعقّد مساعي الجارة السعودية والأمم المتحدة لإقرار وقف دائم للنار في الحرب التي يخوضها الانتقالي، المتَّهم بتلقّي دعم عسكري ولوجستي من دولة الإمارات، والقوات الحكومية ضمن تحالف عربي تقوده السعودية في مواجهة جماعة الحوثي التي تسيطر على عدد من المحافظات الشمالية.

وقبالة هذا المشهد المعقّد، تسعى الرياض إلى منع تشكّل جبهة ثانية في الحرب اليمنية المتعدّدة الأوجه، التي تشهد جموداً عسكرياً منذ سنوات ومحاولتها توحيد الجهود العسكرية والسياسية نحو إنهاء الانقلاب الحوثي.

موقعها وطبيعتها... محور للصراع

وفي محاولة للتعريج على أهميتها الجيوسياسية، يقول الكاتب والباحث السياسي اليمني محمد المقبلي لـ"اندبندنت عربية"، إنّ سقطرى تمتلك مجالاً حيوياً مهماً لتموضعها في قلب المحيط الهندي على مقربة من الممرّات الدولية وهو العنصر الذي أكسبها أهمية متزايدة، ما يفسّر جانباً من سعي الانتقالي الحميم للسيطرة عليها وفقاً لأجندات سياسية كبرى، قد يكون فيها (أي الانتقالي) مجرد أداة لا أكثر.

وتتميّز سقطرى، بحسب المقبلي، بتنوّع بيئي وطبيعي فريد وتُعدُّ من المخازن البيئية في الكوكب، باحتوائها نباتات وأحياء ليست موجودة في أي مكان آخر في الأرض، الأمر الذي أكسبها ميزات إضافية.

استقالة

في سياق متّصل وفي خطوة غير مسبوقة، قدّم وزير الصناعة والتجارة في الحكومة الشرعية محمد عبد الواحد الميتمي استقالته، احتجاجاً على ما وصفه بـ"استمرار تمزيق البلاد وغياب أي موقف حكومي رافض".

وقال الميتمي في رسالة وجّهها إلى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، حصلت "اندبندنت عربية" على نسخة منها، "إن هناك دولاً إقليمية بعضها يقع ضمن التحالف العربي الذي تم إنشاؤه لاستعادة الدولة الشرعية وضرورة الالتزام بقرارات مجلس الأمن تسعى إلى تمزيق اليمن والانقلاب على الشرعية الدستورية، وتموّل وتسلّح وتدرّب ميليشيات محلية لإسقاط الشرعية والدولة، وتعمل على تمزيق اليمن واستقطاع أراضيه وجزره".

حلقة في سلسلة

في المقابل، يرى الصحافي في الرئاسة اليمنية ثابت الأحمدي أن ما شهدته سقطرى، هو حلقة في السلسلة الطويلة، سبقته صراعات من النوع ذاته في عدن، ولهذا يتوقع أن تلحقه صراعات من المستوى عينه.

وأرجع خلال حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أسباب ما يجري، "إلى وقوع سقطرى في موقع استراتيجي ومحلّ أطماع دول عظمى سابقاً ولاحقاً، لا لقيمتها الجمالية أو السياحية، بل أيضاً لقيمتها الجيوسياسية، وقد تعود إليها اليوم عن طريق الوكلاء في المنطقة الذين يعيدون ترتيب أوراق الجنوب كاملاً، بما في ذلك سقطرى، وإسقاطها تحت مبرّر أنها تحت سلطة الإخوان المسلمين أمرٌ أقرب إلى السخافة الساذجة منه إلى الحقيقة، وهو خطاب يشبه خطاب الحوثيين تماماً حين غزوا عدن عام 2014".

محروس "اشتراكياً" يتبع السلطة الشرعية

وفي ردّه على الحجج التي يقدمها الانتقالي لجهة أنّ تصعيدهم جاء لتحرير سقطرى من جماعة الإخوان المسلمين وقطع الطريق أمام تركيا، قال الأحمدي إن "المحافظ رمزي محروس ينتمي إلى الحزب الاشتراكي اليمني، كما كان والده، ولا علاقة له بالإخوان المسلمين، وحتى حزبيته لا تغيّر من أدائه الرسمي، فهو في المحصلة النهائية يعمل تحت سلطة النظام والقانون برئاسة رئيس الجمهورية الذي عيّنه".