Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان يحاصر مهربي الذهب بالأسعار والقانون

تسهم القرارات الجديدة في إغلاق منافذ التهريب التي تكلف البلاد أكثر من 2 مليار دولار من الخسائر سنوياً

يحتل السودان المركز الثالث في إنتاج الذهب على مستوى القارة الأفريقية (أ ف ب)

أنهت الحكومة السودانية ممثلة في اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية احتكار البنك المركزي السوداني لشراء الذهب من مناطق الإنتاج بأسعار متدنية وغير مواكبة لأسعار البورصات العالمية، حيث منحت اللجنة المصدّرين من شركات الامتياز مزيداً من الحريات في تصدير الذهب بحد أقصى 10 كيلوغرامات من الذهب المصفى، بعد استيفاء الإجراءات والضوابط المحددة، بينما حظر تصديره على الجهات الحكومية والأجانب أفراداً وشركات.

وتوعد رئيس اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية، النائب الأول لرئيس مجلس السيادة في السودان، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بتطبيق إجراءات حاسمة بحق أي شخص أو جهة تحاول بعد هذه القرارات تهريب أي كمية من الذهب في ظل ما تم منحه من حرية كاملة لتصدير الذهب بالطرق الرسمية.

واعتبر مسؤولون ومتخصصون في القطاع تحدثوا إلى "اندبندنت عربية"، هذه القرارات، خطوة صائبة من شأنها أن تسهم في إغلاق منافذ التهريب، وتنظيم وتطوير سوق الذهب، وزيادة الإنتاج إلى معدلات قياسية.

آلية السوق

يقول المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة التابعة لوزارة الطاقة والتعدين في السودان مبارك أردول لـ "اندبندنت عربية"، "جاء هذا القرار في وقت مهم جداً، وأهم ما فيه أنه ألغى سلطة الدولة واحتكارها للذهب، من خلال تحديد سعر متدنٍ جداً، ما جعل أكثر من 70 في المئة من الإنتاج يُهرب بطرق غير شرعية إلى خارج البلاد، لكن إصدار هذا القرار التاريخي من شأنه أن يحدّ من عمليات التهريب لأنه أصبح المعيار المتبع في تحديد السعر هو السوق العالمية للذهب، والذي يخضع إلى سياسة العرض والطلب وفق آلية السوق"، لافتاً إلى أنه قبل تطبيق هذا القرار تمت مناقشته مع أصحاب المصلحة من شركات الامتياز والمخلفات والمعدنين الأهليين.

وأضاف "قبل هذا القرار كان بنك السودان المركزي يطرح سعر منخفضاً جداً لشراء الذهب من المنتجين سواء الشركات أو الأفراد، حيث يصل فارق السعر للغرام الواحد عن السعر العالمي إلى أكثر من 2000 جنيه سوداني (37 دولاراً)، وهو ما نشط عملية التهريب عبر الحدود الواسعة للسودان شمالاً وغرباً وجنوباً وشرقاً، بخاصة أن المُنتج بشكل عام يسعى إلى الربح الأكبر، لكن الآن لم يعد هناك سبب للتهريب، لأن السعر المتداول محلياً هو سعر البورصات الخارجية نفسه، فضلاً عن مسافة وتكلفة التهريب والمخاطر القانونية في حالة ضبطه بواسطة السلطات المختصة". 

وأوضح أن إنتاج السودان من الذهب يتراوح ما بين 34 و37 طناً سنوياً، حيث يمثل إنتاج الشركات الأجنبية والسودانية 25 في المئة منها، بينما ينتج القطاع التقليدي (الأفراد) 75 في المئة.

وحول خطة الحكومة السودانية لتطوير وتنمية قطاع الذهب يجيب أردول "خطتنا تتكون من محاور عدة، من أهمها إزالة المعوقات التي تعترض العملية الإنتاجية، والعمل على زيادة الإنتاج، وبالفعل بدأت الدولة في إزالة المعوقات المرتبطة بالتشريعات والبيروقراطية الحكومية والعقود وما شابه ذلك، وتوفير مدخلات الإنتاج بخاصة الوقود، ومعالجة القضايا المرتبطة بالمجتمعات المحلية من الناحية التنموية وغيرها"، متوقعاً زيادة الإنتاج خلال الفترة المقبلة إلى أكثر من 300 في المئة على الأقل، لأنه في السابق لم يكن معظم الإنتاج تحت سيطرة الدولة، بسبب التشريع المجحف بحق المنتج، فضلاً عن إمكانية استقطاب السودان إنتاج الدول المجاورة بعد التعديلات التي أجريت في التشريعات والأسعار.

تركة ثقيلة

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتعلق بالممارسات الخاطئة وعدم الشفافية التي كانت متبعة في هذا القطاع يقول "تمثلت الممارسات الخاطئة التي اتبعها النظام السابق في منح رخص الإنتاج للمحسوبين والمقربين بطرق غير شفافة أو قانونية، وعدم الالتزام بالمعايير والشروط الفنية والبيئية في التعامل مع الشركات المنتجة، وهو ما خلق لنا مشكلات عديدة مع المجتمعات المحلية التي ظلت لسنوات طويلة تعاني من مشاكل البيئة والسلامة في مناطق التعدين، وأصبحت هذه القضايا تركة مثقلة نعمل الآن على معالجتها بشفافية تامة. كما وجدنا أيضاً قصوراً وعدم التزام كبيرين في جانب المسؤولية الاجتماعية تجاه المجتمعات المنتجة، فضلاً عن ضعف النسبة المتفق عليها والتي تقل عن 1 في المئة، مما اضطررنا إلى زيادتها إلى 4 في المئة، إضافة إلى مراجعة سياسة التوظيف وجعلها لا مركزية وطرح كل الوظائف وفقاً لمعايير الخدمة المدنية المتعارف عليها، من دون محسوبية أو تمييز".

وتوقع أردول أن يكون هناك إقبال كبير من الشركات الوطنية للاستثمار في هذا القطاع نظراً لتوفر المحفزات والمساحات الكبيرة للإنتاج، فضلاً عن قلة خسائره، في حين لم يستبعد أن يصل دخل القطاع السنوي إلى 12 مليار دولار، وفق تقديرات بعض الجهات المحلية، داعياً الشركات العالمية الكبرى إلى الاستثمار في قطاع تعدين الذهب في السودان، لتوفر كميات كبيرة من الذهب وبجودة عالية، فضلاً عن توفر العوامل المشجعة من ناحية السعر المجزي، والتشريعات الصديقة للاستثمار والبيئة.

سياسات خاطئة

ونوه المتخصص في علوم الاقتصاد الدكتور عز الدين زنون بقرار فك احتكار بنك السودان المركزي لشراء الذهب، على الرغم من أنه جاء متأخراً، لكنه سيحدث أثراً ايجابياً في الاقتصاد السوداني من خلال توفير مبالغ طائلة من النقد الأجنبي، التي كانت تهدر بسبب السياسات الخاطئة للسلطات، وهي التي دفعت المنتجين التقليديين في القطاع الأهلي للذهب البالغ عددهم أكثر من مليوني معدني، إلى تهريب غالبية إنتاجهم إلى خارج البلاد لسنوات طويلة بسبب تدني الأسعار المحددة من قبل البنك المركزي السوداني.

وتوقع في نهاية العام الحالي، في حالة التزام جميع الجهات المنتجة ببيع إنتاجها مباشرة إلى الدولة، حدوث فائض في ميزان المدفوعات، إذ سيعود إلى خزينة الحكومة السودانية ما لا يقل عن 8 مليارات دولار نتيجة لتصدير كميات الذهب عبر القنوات الرسمية. فيما دعا الدولة إلى الاهتمام بقطاع التعدين التقليدي وتطويره، فضلاً عن توفير الخدمات وتخفيض الرسوم المفروض عليه، واتّباع الأنظمة المعمول بها في بورصات الذهب العالمية، بخاصة في بريطانيا وأميركا من ناحية النقل والتخزين ومنظومة القوانين.

المركز الثالث

ويحتل السودان خلال السنوات الخمس الماضية المركز الثالث في إنتاج الذهب على مستوى القارة الأفريقية بعد جنوب أفريقيا وغانا، والمركز الـ 13 عالمياً، بحجم إنتاج سنوي يقدر ما بين 100 و250 طناً. وبحسب تقرير لوزارة الطاقة والتعدين السودانية بلغ إنتاج الذهب عام 2019 حوالى 60 طناً مترياً، متوقعاً أن يصل في النصف الأول من العام الحالي إلى حدود 59.898 طن، ليبلغ الإنتاج بنهاية عام 2020 نحو 120 طناً.

وتقع أشهر مناطق إنتاج الذهب في السودان في منطقة جبل عامر في ولاية شمال دارفور، وتم اكتشافها عام 2012، حيث أفادت تقارير رسمية بأن كل 50 كيلوغراماً من التربة في هذه المنطقة تحتوي كيلوغراماً من الذهب، وكذلك منطقة جبال النوبة في ولاية جنوب كردفان وتضم أكثر 58 منجماً للذهب، فضلاً عن عدد من الصحارى والجبال الواقعة شرق نهر النيل حتى محاذاة البحر الأحمر وأعلى هذه المنطقة فوق سلسلة جبال البحر الأحمر شرقي السودان. لكن على الرغم من هذا الإنتاج الوفير من الذهب ظل الفرق بين الإنتاج والصادر كبيراً جداً، حيث قدرت تقارير رسمية الفاقد من عمليات التهريب بما بين 2 إلى 4 مليارات دولار سنوياً، ما يمثل نسبة 37 في المئة من إجمالي الصادرات السودانية.