Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القاهرة تلملم خياراتها في ليبيا مع تعقد مصالح الأطراف الخارجية

الرئيس المصري يعلن مبادرة سياسية بشأن الجارة الغربية بالتزامن مع تقهقر قوات حفتر و"الوفاق" ترفضها

على وقع هزائم عسكرية متتالية مُنيت بها قوات الجيش الوطني الليبي في غرب البلاد، كان آخرها فقدان السيطرة على مدينة ترهونة (90 كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة طرابلس) لصالح قوات حكومة الوفاق الوطني، تحاول القاهرة الداعمة للمشير خليفة حفتر في الشرق إلى جانب قوى إقليمية أخرى، استعادة زمام المبادرة الدبلوماسية في ليبيا، حيث تتعقّد الأزمة نتيجة التدخلات الخارجية بشكل أكبر يوماً بعد يوم، خصوصاً من جانب أنقرة، التي وسّعت دعمها لحكومة فايز السراج في طرابلس.

وصباح اليوم السبت، أعلنت مصر بحضور زعماء شرق ليبيا (المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي وعقيلة صالح رئيس البرلمان)، ما سمّته "إعلان القاهرة" كمبادرة سياسية تمهّد لوقف الاقتتال اعتباراً من 8 يونيو (حزيران) الحالي في الجارة الغربية، والسماح بتقدّم المسار السياسي على نظيره العسكري في ظل تعقّد الأوضاع القتالية هناك، فضلاً عن تضمين المبادرة إعلاناً دستورياً وتفكيك الميليشيات وتشكيل مجلس رئاسي منتخب يمثل الأقاليم الثلاثة في البلاد (برقة وفزان وطرابلس).

الأمن القومي المصري

وتأتي المبادرة المصرية بالتزامن مع مضي حكومة الوفاق الوطني في تحركها العسكري وإعلانها اليوم عملية لاستعادة مدينة سرت الليبية (على بعد 450 كيلومتراً شرق طرابلس) من القوات الموالية لحفتر، وذلك في أعقاب تسجيلها سلسلة انتصارات عسكرية خلال اليومين الماضيين ضد قوات الشرق، وهو ما اعتبره مسؤول مصري مطّلع في حديث لـ"اندبندنت عربية"، "إعادة تأكيد على عدم تخلي القاهرة عن الوقوف ضد أي تهديد تمثله قوى خارجية لأمنها القومي المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجارة الغربية"، في إشارة إلى التحرك التركي الواسع في غرب ليبيا.

ومع تأكيد المسؤول المصري على أن هذه المبادرة جاءت نتيجة مباحثات مكثفة خلال الأسابيع الأخيرة مع الأطراف الليبية، لا سيما في شرق البلاد، فضلاً عن تنسيقها مع قوى إقليمية أخرى (لم يسمِّها) إلى جانب الأمم المتحدة، تباينت مواقف المتخصّصين في شأن مستقبلها وإمكانية مضيها قدماً في الوقت الذي تتقدم حكومة الوفاق ميدانياً، ما وصفته قوات الجيش الليبي بـ"إعادة تمركز عسكري" في الغرب.

 

ماذا يحمل إعلان القاهرة؟

وفق ما جاء في المؤتمر الصحافي الذي استضافه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحضور المشير حفتر وعقيلة صالح في قصر الاتحادية بالعاصمة القاهرة، فإن المبادرة تمهّد بالأساس لعودة الحياة الطبيعية إلى ليبيا، وتعتبر أن التمسّك بالخيار العسكري لحلّ الأزمة لن يكون بديلاً عن الحلّ السياسي الوحيد لها، مع التأكيد على أن أمن مصر من أمن واستقرار جارتها الغربية.

وبحسب السيسي، فإنّ الاتفاق الذي وافق عليه زعماء شرق البلاد (حفتر وصالح)، يشمل تجديد الدعوة إلى استئناف المفاوضات في جنيف وإلزام الجهات الأجنبية كافة بإخراج المرتزقة الأجانب من ليبيا وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها، فضلاً عن تنفيذ وقف لإطلاق النار اعتباراً من 8 يونيو.

وقال الرئيس المصري في المؤتمر الصحافي، إن المبادرة "ستكون ليبية ـ ليبية وتحمل اسم إعلان القاهرة"، وتتضمن احترام الجهود والمبادرات الأممية بشأن البلاد وإحياء المسار السياسي لحلّ أزمتها، مشدّداً في الوقت ذاته على أهمية مخرجات قمة برلين بالنسبة إلى الحلّ السياسي في ليبيا ودور المجتمع الدولي في إخراج المرتزقة الأجانب من أراضيها كافة.

1200 مرتزق

وفيما تدعم تركيا بقوات عسكرية ومقاتلين أجانب قوات حكومة الوفاق في غرب البلاد، تقدم القاهرة والإمارات دعماً مادياً ولوجسيتاً لقوات الجيش الوطني في الشرق. وذكرت تقارير أممية أن شركة "فاغنر" الروسية نشرت ما يصل إلى 1200 من المقاتلين في ليبيا، بينما يقول الجيش الأميركي إن موسكو أرسلت طائرات مقاتلة لدعمهم، علماً أن الأسلحة الروسية الصنع تُستخدم على نطاق واسع في الحرب.

وينص "إعلان القاهرة" على استكمال أعمال مبادرة "5+5" برعاية الأمم المتحدة وضمان تمثيل عادل لأقاليم ليبيا الثلاثة لإدارة الحكم في البلاد للمرة الأولى في تاريخها وإجراء انتخابات نزيهة وتوزيع عادل وشفاف على المواطنين كافة من دون استحواذ أي ميليشيات على أي من مقدراتهم وإطلاق إعلان دستوري ينظم العملية السياسية في البلاد. وأكد السيسي على تطلّع مصر إلى تعاون كل الدول لمساندة هذه الخطوة البناءة لعودة ليبيا بقوة إلى المجتمع الدولي ودعوة المنطقة الشرقية للتوجه إلى الأمم المتحدة في جنيف بحضور ممثلين عن المنظمة الدولية والاتحاد الأفريقي ودول الجوار الليبي.

ورحّبت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي بقبول طرفي النزاع في ليبيا استئناف مباحثات اللجنة العسكرية المشتركة "5+5"، التي تهدف إلى وقف إطلاق النار، بعد توقفها لأكثر من ثلاثة أشهر. وتضم اللجنة 5 أعضاء من قوات المشير حفتر و5 أعضاء من قوات حكومة الوفاق. وقد أُقرّت ضمن حوار جنيف في فبراير (شباط) بهدف الوصول إلى وقف إطلاق نار دائم.

والمسار العسكري واحد من ثلاثة مسارات، إلى جانب مسارين سياسي واقتصادي، يجب اتّباعها لاستكمال مخرجات مؤتمر برلين لحلّ الأزمة في ليبيا، إلّا أنّ اللجنة العسكرية علّقت أعمالها عقب جولتَيْن من المحادثات بسبب خلافات.

رسالة إلى العالم

وإضافة إلى تضمّن "إعلان القاهرة" التزاماً بإعلان دستوري ليبي، أكد الرئيس المصري أن لدى قائد الجيش خليفة حفتر ورئيس البرلمان عقيلة صالح التزاماً بتحقيق صالح شعبهما، مشدّداً على أهمية التوصل إلى مبادرة سياسية لإنهاء الصراع والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية واستقرارها، معتبراً في الوقت ذاته أن "إعلان القاهرة" بمثابة رسالة إلى العالم تعكس رغبة أكيدة في إنفاذ إرادة الشعب في الاستقرار والبناء والحفاظ على سيادة البلاد ووحدتها ووضع مصلحتها فوق أي اعتبار.

وقال مسؤول مصري إن "إعلان القاهرة مبادرة مهمة لإنهاء العنف في ليبيا وبداية لمرحلة جديدة في البلد الذي تمزّقه الحرب منذ سنوات"، إلّا أنّه لم يخفِ في الوقت ذاته قلق بلاده المتواصل "من ممارسات بعض الأطراف والتدخلات الخارجية وإصرارها على الحلّ العسكري للأزمة".

وتابع، "المبادرة تنطلق من حرص القاهرة الثابت على تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي في ليبيا، والتأكيد على أن أمنها امتداد للأمن القومي المصري، إضافةً إلى تأثير تداعيات الوضع الراهن في المحيط الإقليمي والدولي".

 

 

التدخل التركي يعزز الاستقطاب الداخلي

وفي المؤتمر الصحافي ذاته، وبعدما ثمّن دور القاهرة في دعم الجيش الوطني الليبي لمحاربة الإرهاب وإعلانه دعم المبادرة المصرية، قال المشير خليفة حفتر إن قواته تعمل على طرد "المستعمرين" الأتراك، على حدّ تعبيره، وإن تدخل أنقرة في الصراع يعزّز الاستقطاب الداخلي، مشدداً على ضرورة إلزامها بوقف إرسال المرتزقة والسلاح إلى ليبيا.

وذكر حفتر أن "الخطر التركي لا يقتصر على بلاده بل على دول الجوار"، مشيراً إلى ضرورة التأكيد على وحدة ليبيا والقضاء على الجماعات الإرهابية وتشكيل حكومة وحدة وطنية في البلاد.

الجيش الليبي يلتزم الهدنة

من جانبه، قال رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح إن الجيش تحرّك نحو العاصمة طرابلس لمحاربة الإرهابيين، وإن تركيا تدخلت ومنعته من إكمال المهمة، لافتاً إلى أن الجيش التزم الهدنة، بينما لم تفعل حكومة الوفاق ذلك حتى الآن. وتابع "نحن مصممون على طرد الميليشيات من العاصمة، وسنبدأ بإعداد دستور يمهّد لإجراء انتخابات، من دون إقصاء أحد".

وبحسب بسام راضي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية في مصر، فقد استقبل السيسي، حفتر وصالح، بحضور الفريق أول محمد زكي وزير الدفاع المصري، واللواء عباس كامل رئيس الاستخبارات المصرية العامة، إضافةً إلى رئيس البرلمان المصري علي عبد العال ووزير الخارجية سامح شكري.

في المقابل، علّقت حكومة الوفاق الوطني على لسان المتحدث باسمها محمد قنونو على "إعلان القاهرة"، الذي قال إنّ "حكومة طرابلس هي من سينهي النزاع"، موضحاً في تصريحات نقلتها مواقع صحافية موالية لحكومته، "ليس لدينا وقت فراغ لمشاهدة هرطقات مجرم الحرب على الفضائيات"، في إشارة إلى حفتر. ولفت إلى أن الحكومة تتابع تقدم قواتها "بقوة وحزم" لمطاردة قوات حفتر "الهاربة"، مضيفاً "نحن لم نبدأ هذه الحرب، لكننا مَن يحدّد زمان ومكان نهايتها".

ماذا عن مستقبل "إعلان القاهرة"؟

بالتوازي مع تعقّد المشهد الليبي والأزمة الممتدة منذ سنوات، وكذلك تعثّر الجهود الدولية السابقة في تسريع وتيرة الحل السياسي في البلاد وتجنيب المسار العسكري بين الأطراف المتنازعة، تتباين آراء متخصّصين ومعنيين بالملف الليبي في حديث لـ"اندبندنت عربية" بشأن مستقبل "إعلان القاهرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق، يقول السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن نجاح المبادرة يتوقف بالأساس على عناصر رئيسة، أبرزها كيفية تسويق الدبلوماسية المصرية لها ومدى تعاطي حكومة الوفاق الوطني وداعميها، لا سيما أنقرة، مع المبادرة، خصوصاً أنها تأتي في وقت تصرّ الأخيرة على المسار العسكري كحلّ وحيد للأزمة.

وتابع "يضفي إعلان القاهرة مزيداً من الحيوية على التحرك المصري في ما يتعلق بالملف الليبي، إلّا أنّ نجاحه يتوقف على مدى تعاون القوى والأطراف الخارجية المتداخلة في البلاد"، مشيراً إلى أن احتمالات نجاحه من عدمه لا تنفي ضرورة استمرار تحرك القاهرة بمؤسساتها كافة في الدفاع عن حدودها الغربية وحمايتها ومنع تسلّل أي عناصر إرهابية إلى الداخل المصري.

من جانبه، يرى الباحث السياسي الليبي محمد الزبيدي أن "رفض حكومة الوفاق ومن خلفها أنقرة المبادرة المصرية يعني تعقيداً إضافياً لإمكانية أن ترى المبادرة النور بحكم رفض أحد أطراف النزاع لها".

وأضاف "بنسبة كبيرة، لن يمكن تطبيق المبادرة على أرض الواقع، لا سيما أنها تأتي في وقت نشوة عسكرية لقوات الوفاق وتحقيق مزيد من التقدم"، قائلاً إن "ميليشيا الوفاق مدعومة بقوات تركية على مشارف سرت بعد سيطرتها على ترهونة وبني وليد، ما يعني عسكرياً أنها باتت على بعد خطوات من ميناء الهلال النفطي الاستراتيجي في مجمل المعركة الليبية، الذي تسيطر عليه حالياً قوات الجيش الوطني".

أجندات إقليمية متصارعة

وشهدت الأسابيع الأخيرة نقطة تحوّل في صراع معقّد بين تحالفين، تدعم كل واحد منهما مجموعة من الدول الأجنبية التي تجعلها أجنداتها الإقليمية المتصارعة غير مستعدة للقبول بالهزيمة. ويواجه القائد العسكري خليفة حفتر وجيشه الآن شبح الفشل في جهوده المستمرة منذ عام لانتزاع السيطرة على طرابلس، مقر حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً.

وتقدم حفتر في صيف العام الماضي، مدعوماً بالسلاح والضربات الجوية من الإمارات وروسيا ومصر، حسبما يقول خبراء من الأمم المتحدة، إلى الضواحي الجنوبية لطرابلس قبل أن يتعثّر هجومه. لكن المساعدات التركية غيّرت مسار المعارك، فالدفاعات الجوية وضربات الطائرات المسيّرة شلّت القوة الجوية للجيش الوطني الليبي، قبل توجيه ضربات قوية لقواته البرية وخطوط إمداده الطويلة هذا الشهر.

وخلال الشهر المنصرم تراجع الجيش الوطني بشكل مفاجئ من البلدات القريبة من الحدود التونسية وقاعدة جوية بالغة الأهمية (قاعدة الوطية العسكرية) وخسر نحو عشرة أنظمة للدفاع الجوي والقسم الأكبر من موطئ قدمه في طرابلس. وخلال الفترة ذاتها، سلم عسكريون روس نحو 14 طائرة مقاتلة من طرازي "ميغ 29" و"سوخوي-24" إلى قاعدة الجفرة الجوية التابعة لقوات حفتر في وسط ليبيا، حسبما ذكر الجيش الأميركي الأسبوع الماضي.

المزيد من دوليات