Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المائدة باعتبارها طعاما وسلاما وتواصلا

تطوّرت فكرتها ووظائفها مع تطور العلاقات الاجتماعية

المائدة في اللغات المختلفة هي المكان الذي يوضع فوقه الطعام ويكون حوله جماعة من المشتركين في الأكل (غيتي)

يقول الخلّان والأصدقاء المقربون في مختلف ثقافات العالم، بيننا "خبز وملح" حينما يريدون الدلالة على العلاقة الوثيقة التي تربط بينهم، وكذلك في معرض العتب، فيكون الأمر على شكل سؤال: "هل نسيت ما بيننا من خبز وملح؟". هذه الجملة كافية لتدلّ على أن عروّة وثيقة تربط صديقين لأنهما تبادلا الطعام، وكأن تبادل الطعام هو أحد أسس الصداقة أو إشارة وعلامة على هذه الصداقة.

وتناول الطعام هذا إنما يتمّ إلى مائدة، ليس بالضرورة المائدة التي نعرفها اليوم، فقد تكون صخرة أو قطعة قماش أو جذع شجرة. والمائدة في اللغات المختلفة هي المكان الذي يوضع فوقه الطعام ويكون حوله جماعة من المشتركين في الأكل. فالطاولة تصبح مائدة حين يصبح فوقها طعام وحولها يجلس شخصين على الأقل، عدا ذلك تبقى طاولة.

المائدة ضد العنف

وليس بالضرورة أن تجمع المائدة صديقين، بل قد تتوسط عدوين، ولكن بسلام. فالمائدة صنو المجالسة بلا عنف. ولذلك مع تطوّر العلاقات الاجتماعية بين البشر، وتطوّر طرق تناولهم الطعام تطوّرت أيضاً أدواتها من الصحون والسكاكين والملاعق والشوك وأشكالها وأحجامها وأدوارها في تناول الطعام، ونشأت أيضاً عادات وتقاليد منها كيفية الجلوس حولها، والأفضلية في الجلوس إلى رأسها، وطريقة توزيع الطعام فوقها، ومن يبدأ بتناوله، ومن يسكب للموجودين. وبرأي المفكّر وعالم الاجتماع كلود ليفي شتراوس، إن تطوّر المائدة أسهم مساهمة أساسية في تطوّر العلاقات البشرية والعكس. فهي فصلت بين مرحلتي الاقتتال والسلام في حضرة الطعام وتلبية الحاجة الغريزية إليه.

ففي البدء، كان الطعام فريسة تُنهش، وصراعاً على من يصل إليه أولاً، وربما نشبت حروب وقتال بين عائلات وقبائل وشعوب بسبب الطعام ومصادره. لكن الإنسانية خلال تطوّرها نحو الاستقرار والزراعة بعد الترحال والرعي جنحت نحو المسالمة وتخففّت بالتشذيب القسري من أثقال الجوع والحاجة إلى الأكل، وهي حاجة غريزية لا يمكن للإنسان الاستغناء عنها للبقاء على قيد الحياة. فتحوّل الطعام من حاجة واشتهاء إلى مشاركة في اقتسام الحاجة والاشتهاء، ثم ارتقتْ به إلى متعة للعين واللسان، إلى أن أصبح الطبخ ومنه تحضير المائدة فناً من الفنون التي تتباهى بها المطابخ العالمية.

لذا، فإن المائدة لا تزال سبباً للمسالمة الاجتماعية، والعكس صحيح أيضاً، فالحاجة إلى "العقد الاجتماعي" ولّد المائدة، ولولا ذلك لبقي الطعام من نصيب الأقوى جسدياً والأشرس، والأسرع في الوصول إلى اللقمة، وهذا ما يعني استثناء الأطفال والنساء وكبار السن، وغيرهم من الضعفاء، وتركهم جوعى، والجوع يؤدي إلى انهيار "العقد الاجتماعي".

ماذا نعني بآداب المائدة؟

لا تتعلق آداب المائدة بماذا نأكل أو نشرب، بل بكيف نأكل ونشرب ونتشارك هذه الكيفية مع جماعة. والجماعة لطالما كانت نواة الكتلة البشرية، لتأمين الحماية والاشتراك في الصيد ثم الزراعة. وليس مصادفة أن تكون كلمة "جماعة" باللغة الإنجليزية "company" مشتقّة من اللغة اللاتينية والتي تعني "خبز مع"، أي "أولئك الذين يتقاسمون الخبز في ما بينهم". وقد استنتجت الدراسات الأنثروبولوجية أنه حتى في الثقافات القبلية الأكثر بدائية، فإن "كسر الخبز" مع الغرباء أو تناول الشراب معهم، يؤدي مباشرة إلى نشوء علاقة مسالمة. ومع تطوّر العلاقة، التي تبدأ بكسرة الخبز أو الشراب، فإنه يصبح لزاماً على "رفاق الخبز" حماية بعضهم بعضاً في حال تعرّض أي منهم إلى خطر ما.

وفي كل الثقافات والمجتمعات حتى المعاصرة ليس من اللياقة رفض ما يُقدم إلى الضيف من طعام أو شراب. فالعُرف والأدب يقتضيان أن نأكل ما يُقدَّم إلينا كضيوف، وعلى المضيف "إكرام الضيف" كثابتة أساسية لدى القبائل والعشائر العربية المشهورة بإكرام الضيف، على سبيل المثال. فحين يشار إلى شخص بأنه كريم اليد والنفس، فهذا يعني أنه يكرم ضيفه بالطعام والشراب ومن ثم بالحماية، وهذا قانون فطري في عالم الصحراء القاسي. وفي الثقافة العربية البدوية، هناك مبدأ "الأيام الثلاثة" كحد أدنى يستضاف خلالها "الغريب" سواء كان زائراً عابراً أم مستجيراً أم تائهاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي إطار الحديث عن أهمية إكرام الضيف لدى العرب وتحديداً البدو منهم، لا بد من الإشارة إلى أن آداب موائدهم لا بد أن يعرفها الضيف أو يتعلمها منهم سريعاً، خصوصاً أنهم يأكلون باستخدام أصابع اليد، إذ لا يجب استخدام سوى اليد اليمنى في الأكل واستخدام اليد اليسرى يعتبر إهانة. ولا بد من تناول اللقمة بالأصابع لا بكفة اليد، كما لا يجب دفع الطعام في الفم دفعاً، وإدخال كل أصابع اليد في الفم، فهذا سلوك ينم عن الشراهة. والأكل باستخدام أصابع اليد تقليد كان شائعاً في التاريخ، فقد مارسه الإغريق والرومان لأكثر من ألف عام، حين كانوا يأكلون وهم شبه مستلقين على الأرائك.

ومن العادات أيضاً أن الضيف يأكل أولاً، فتُقدّم له الحصة الأفضل والأكبر من الطعام، كما يتم ملء صحنه تكراراً، وتخصصّ اللقمة الأولى لكبار السن في العائلة، بغض الطرف عن وجود الضيوف، في مجتمعات أخرى. وإذا كانت ثقافتنا العربية تقتضي أن يقوم سيد البيت أو الأكبر سناً في العائلة، بخدمة ضيوفه من منطلق "سيّد القوم خادمهم"، فإن الأصغر سناً هم الذين يتولون تقديم الطعام إلى الأكبر سناً أو الأرفع شأناً في المأدبة، بحسب الثقافة الصينية مثلاً، كما تمليه في هذا الخصوص المبادئ الكونفوشيوسية، التي تشدد على احترام الكبار في كل الظروف والمناسبات. أما الياباني فلا يمدّ يده إلى الطعام إلا بعد أن يطلب منه مضيفه ذلك ثلاث مرات على الأقل.

تاريخ المائدة

باحثون في جامعة "واشنطن ستيت" وجدوا أن الأنجلو ساكسونيين هم أول من ابتكروا فكرة "إعداد مائدة الطعام" وتحديد مواقع الضيوف على المائدة، وذلك حوالى عام 1000 ميلادية، حين كان الضيوف يختارون مقاعدهم بناءً على موقع "وعاء الملح" على المائدة. فإذا جلس الضيف "فوق الملح" فهذا يعني أنه صاحب الحظوة وضيف شرف المأدبة. فالملح في ذلك الزمان كان سلعة ثمينة جداً، وكان يتم وضعه في وعاء من الزجاج أو الفضة بزخارف ونقوش مميزة كرمز على بذخ أهل البيت، وكلما كان الوعاء كبيراً، دلّ على ثرائهم. ويقال إأنّ الأنجلو ساكسونيين هم أول من قام بوضع ملاءات وأغطية على الطاولات الخشبية لتغطيتها ووزعوا على المائدة الأكواب وسلال الخبز وأطباق التقديم.

في زمننا هذا، لم يعد الملح مقياساً لثراء المضيف ولا القرب منه يحدّد قيمة الضيف، بعدما بات متوفراً في كل مكان. حتى المائدة نفسها أصبحت دائرية لدى أكثر الطبقات الاجتماعية، فتمت المساواة بين الجالسين إليها، على اختلاف أعمارهم ومواقعهم في العائلة. فالمائدة كائن يتطور مع تطور العلاقات بين أفراد المجتمع، ولو أن مطاعم الأكل السريع التي انتشرت في جميع أنحاء العالم سرقت كمّاً كبيراً من وهجها، وصغر حجم العائلات وتراخي الروابط الأسرية بسبب نمط العيش السريع والاستهلاكي لعصرنا الراهن.

المزيد من منوعات