Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من تحرير الجنوب إلى تغيير لبنان

"حزب الله" لم يعد في حاجة حتى إلى مقاومة في مزارع شبعا ولا عبور "الخط الأزرق" من أجل "شرعية السلاح"

السلاح الذي يتكدس في مخازن حزب الله تحت عنوان الدفاع عن لبنان هو مصدر الخطر (أ.ف.ب)

كان تشرشل يقول "إنك ترى بعيداً إلى أمام بمقدار ما تنظر بعيداً إلى وراء". وفي ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في مثل هذا اليوم 25 مايو (أيار) عام 2000، يبدو المشهد أبعد إلى وراء وإلى أمام. عشرون سنة على أول انسحاب إسرائيلي من أرض عربية بلا قيد أو شرط. وقبلها عشرون على اجتياح لبنان: زمن طويل في السياسة والأمن والألعاب الجيو سياسية. والقراءة في الحاضر والمستقبل صارت أكثر وضوحاً. بعضها في الماضي. وبعضها الآخر في الوقائع الناطقة. فما كان تصوراً أصبح صورة، وما كان من أسرار الآلهة في التخطيط الإستراتيجي صار واقعاً جرى فرضه على مراحل.

اليوم، نلمس باليد الهدف البعيد للاتفاق الإيراني- السوري على إخراج الأحزاب العابرة للطوائف، الشيوعي والسوري القومي والبعث، من مقاومة الاحتلال، وترك الميدان كله للمقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله في بلد تعددي يضم 19 طائفة. وندرك بوضوح أكثر لماذا كانت دمشق خائفة من الانسحاب الإسرائيلي وكيف أُعيد تظهير قضية مزارع شبعا لضمان بقاء السلاح فضلاً عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود باراك رأى قبل عام عبثية الاحتلال وصعوبة استمراره قبل أن يقرر الانسحاب بناء على ثلاثة عوامل: عمليات المقاومة، الوعد الانتخابي لحركة "الأمهات الأربع"، وإحراج سوريا بسحب ذريعة الاحتلال الإسرائيلي لبقاء قواتها العسكرية في لبنان.

وفي المقابل، فإن المعادلة في الحسابات الإيرانية مزدوجة: جانب من مقاومة الاحتلال لضمان "الشرعية" لسلاح حزب الله، وجانب من تحرير الأرض بالمقاومة لتمهيد الطريق إلى تغيير لبنان. لكن المشكلة هي تحرير وتغيير من دون نهوض وطني ونهضة عربية.

في البدء أعلن "حزب الله" أنه لن "يضايق" أحداً من سكان الأرض المحررة الذين عاشوا في ظل الاحتلال. وكان لا يزال يمارس في خطابه "تمنين" اللبنانيين بأنه لم يأخذ السلطة كما يفعل عادة المنتصرون، لكن الواقع أنّ مصلحته في الظروف الحالية هي "التحكم لا الحكم". فهو لا يزال في حاجة إلى غطاء الشرعية اللبنانية مهما تكن ضعيفة. وكلما قدم المسؤولون وعوداً للمجتمع الدولي بأن تستوعب الدولة "حزب الله"، كلما زاد استيعاب الحزب للدولة. لا بل إن بين لبنان والأمم المتحدة نوعاً من "سوء التفاهم" المتفق عليه" "المنظمة الدولية تدعو بلسان الأمين العام في كل تقرير عن حال القرارين 1559- 1701 إلى نزع سلاح "حزب الله" وفرض سيادة الدولة على أرضها. والسلطة تقول إن السلاح مسألة إقليمية وتعد بالحل ضمن "إستراتيجية دفاعية" لا ترى النور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن اللعبة صارت أكبر. "حزب الله" لم يعد في حاجة حتى إلى مقاومة في مزارع شبعا ولا عبور "الخط الأزرق" من أجل "شرعية السلاح". إذ صارت ثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة" جزءاً من بيانات وزارية. فهو يسيطر على المجلس النيابي ومجلس الوزراء. وهو يقاتل في سوريا ويلعب أدواراً في العراق واليمن وأوروبا وأفريقيا لمصلحة المشروع الإقليمي الإيراني. والسلاح الذي يتكدس في مخازن الحزب تحت عنوان الدفاع عن لبنان وردع العدو الإسرائيلي هو في الوقت نفسه مصدر الخطر.

حتى الصراع العربي- الإسرائيلي، الذي يقال إن السلاح مرتبط به إلى أن تحدث التسوية، فإنه لم يعد السبب الأهم لبقاء السلاح. أما السبب الأهم فإنه الارتباط بولاية الفقيه، أي المشروع الإيراني. وحين تكون أدوار "حزب الله" متعددة في خدمة المشروع الإيراني، فإن الحسابات الواقعية تستبعد مغامرة حرب مع إسرائيل.

عام 2000 انسحبت إسرائيل من الجنوب اللبناني، ثم شنت ما سمته "حرب لبنان الثانية" في العام 2006 قبل أن تنسحب بموجب القرار 1701. وعام 2005 انسحبت القوات السورية من لبنان تنفيذاً للقرار 1559 وعملياً بقرار أميركي- فرنسي وضغط شعبي لبناني جامع ضمن "ثورة الأرز" بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكن سياسات إسرائيل لم تنسحب من لبنان. كذلك سياسات سوريا، حتى بعدما صارت ملعباً للقوى الإقليمية والدولية. وكلما قوي النفوذ الإيراني ازدادت اللعبة خطورة في لبنان وعليه. ونحن اليوم في هاوية أزمات عميقة لا مخرج منها إلا بالاتكال التقليدي على العرب والغرب. أما الذهاب إلى العقوبات مع "حزب الله" وسوريا وإيران، فإنه وصفة للانهيار الكامل.

والمطلوب تغيير نحو الأفضل، لا نحو ما هو أخطر على البلد من الأزمات.

المزيد من تحلیل