Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تحاصر الحكومة المصرية كورونا في عيد الفطر

إيقاف كامل للمواصلات وتبكير حظر التجول والتشديد على غلق أماكن المتنزهات

تبكير حظر التجول في مصر من الساعة الخامسة لمحاولة السيطرة على كورونا  (أ.ف.ب)

تلال الكعك انكمشت وتحولت إلى كثبان لا تتعدى بضع علب سابقة التجهيز. محال الملابس تعرض جانباً مما لديها على قليل من استحياء، وكثير من أمل لعل المحظورين والمحظورات من المحتفلين والمحتفلات بالعيد يتحدون الفيروس ويقررون الاحتفال ولو بقليل من كعك وبعض من ملابس العيد.

ملابس العيد وكعكه ومظاهره الاحتفالية وأجواؤه المبهجة تطل على المصريين عبر ثقوب الأبواب المغلقة وشبه المغلقة. فالعيد الذي ينتظره المصريون من العام للعام يأتي في 2020 محملاً بأجواء فيروسية وأخبار لا تبث إلا القلق والهلع ومناشدات لا تخرج عن إطار توخي الحذر واتباع إجراءات السلامة وقرارات رسمية يفسرها الخبثاء بأنها إجبار على الإغلاق الكلي والحظر الشامل لكن دون إعلانهما.

إيقاف المواصلات

إعلان الإيقاف الكامل للمواصلات العامة يعني أن الغالبية العظمى من المواطنين إما ستلتزم بيوتها أو تسير على أقدامها للوصول إلى غاياتها أو تسأجر سيارة ملاكي للاتفاف حول محاولات الحكومة المستميتة لتضييق الخناق على تحركاتهم وإلزامهم بيوتهم.

الإجراءات الرسمية التي تم الإعلان عنها قبل أيام تنص على تبكير حظر التجول ليبدأ من الخامسة مساء بعدما كان يبدأ في التاسعة طيلة شهر رمضان المبارك، مع غلق المحال والمراكز التجارية طيلة أيام العيد. أما أيام العيد، فقد تم مدها لتصل عطلتها إلى أسبوع كامل، بمعدل خمسة أيام عمل.

مد عطلة العيد لتصل إلى أسبوع كامل كانت غاية المنى وكل المراد في زمن ما قبل كورونا، لكن في زمن كورونا ومع تقليص التحركات والتضييق على الانتقالات، يتحول أسبوع الإجازة إلى كابوس رغم أنف الكعك والملابس الجديدة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي وهو يتحدث عن غلق كل المحال التجارية والمولات (المراكز التجارية) والمطاعم وكافة الشواطئ والحدائق العامة والمتنوهات وإيقاف كافة وسائل النقل الجماعي كان على يقين بأن سلسلة الإجراءات ستنزل على المواطنين كالصاعقة.

وعلى الرغم من توقع كثيرين صاعقة أشد وطأة وأكثر سطوة تتمثل في حظر تجول كلي طيلة أيام العيد، فإن الرسائل غير المباشرة والتلويحات المتضاربة والملاعبات والملاوعات التي اتبعتها الحكومة المصرية مع المواطنين أسفرت عن حظر يبدو جزئياً لكنه كلي وإغلاق لا يقول عن نفسه أنه كامل لكنه كامل متكامل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فرحة العيد هيصة

ولأن فرحة العيد في عرف المصريين لا تكتمل إلا بالهيصة واللمة وتجمع سكان مشارق المحروسة مع قاطني مغاربها، ولأن هناك من سكان القرى والمناطق الشعبية في قلب المدن الكبرى من مازالوا يحتفلون بالعيد بزيارة المقابر والتكدس في أرجائها بأعداد كبيرة، ولأن قطاعات عريضة من الأطفال والمراهقين لا يكتمل عيدها إلا بالذهاب إلى دور السينما وتناول وجبة كشري فقد أعلنت الحكومة إغلاق كل ما سبق.

عيد الفطر في ظل كورونا لم يتحول فقط إلى عيد الإغلاق، لكنه أصبح كذلك عيد "حاوريني يا كيكا". عائلة محمد سامح، موظف، بأكملها والمكونة من سبعة أفراد نزحت من مسكنها في الحي العاشر في مدينة نصر، شرق القاهرة، قبل العيد للتجمع في بيت العم في حي العمرانية محافظة الجيزة، حيث يتجمع بقية الأخوة والأخوات وأبناؤهم وبناتهم لقضاء أيام العيد.

وجهة نظر سامح تتلخص في إيجاد بديل احتفالي بالعيد، طالما لن تكون هناك مواصلات عامة أو حدائق أو دور سينما أو مطاعم مفتوحة، وأن قضاء أسبوع العيد في بيت أخيه مع بقية الإخوة والأخوات والأبناء والبنات هو البديل الوحيد المتاح في ظل ظروف الفيروس. وفيما يختص بالفيروس وقواعد التباعد الاجتماعي المطلوبة وإجراءات السلامة المنصوص عليها من الابتعاد عن التجمعات والتكدسات، يقول بنبرة من الضيق، "يعني نعمل إيه يعني؟! نلبس كمامات داخل البيت؟! يكفي أن درجات الحرارة تعدت الأربعين".

أسعار الكعك

أربعون جنيهاً (2.52 دولار أميركي) لكيلو الكعك سعر نادراً ما يتوافر في القاهرة والمدن الكبرى، لكن يظل موجوداً في أفران بالمناطق الشعبية والقرى. حسين محمد، 35 عاماً، يعمل خفيراً في فيلا بمنطقة الشروق المتاخمة للقاهرة. وحيث إن سفره وزوجته وأبنائه إلى بلدته في محافظة كفر الشيخ لم يعد ممكناً في ضوء الإغلاق الجزئي، فقد سافر إلى بلدته الصغيرة وهو محمل بطلبات من قبل زملائه الخفراء وأفراد الأمن لشراء كعك العيد من فرن قريته حيث سعر الكيلو 40 جنيهاً، في مقابل أسعار تبدأ بـ60 جنيهاً (3.78 دولار) وتمتد إلى 350 جنيهاً (22.07 دولار) للكيلو الواحد.

ارتفاع أسعار الكعك وحلوى العيد، وهي الشكوى التي رددها المصريون حتى ملوا منها خلال العقد الأخير، بالإضافة إلى ظروف الفيروس وقيوده وآثاره التي ألحقت الكثير من الضرر على الاقتصاد بوجه عام عوامل أدت إلى تقزم علب الكعك. وصحاب التقزم تقلص قدرات الجيوب بوجه عام على شراء الكميات الكبيرة المعتادة. وتنافست المقاهي الراقية التي أغلقت أبوابها أمام الجمهور مقتصرة على خدمات التوصيل منذ ما يقرب من شهرين في عرض علب كعك نصف وربع كيلوغرام في علب أنيقة، وذلك في محاولات حثيثة لتعويض جانب ولو قليل من خسائرها منذ توقفها عن استقبال الزبائن.

زبائن العيد

"زبائن العيد"، هو المسمى الذي يطلقه المصريون على نوعية من المواطنين ممن ينتهزون فرصة العيد للخروج والتنزه. هذه النوعية تنتمي في غالبيتها المطلقة إلى الشباب والمراهقين والأطفال من أبناء الطبقات البسيطة. دور السينما، وحدائق الحيوان، والحدائق العامة، والمطاعم الشعبية والشواطئ العامة هي أماكن فسحة "زبائن العيد".

لكن هذا العيد يختلف عما سبقه وربما ما يأتي بعده. ففي مثل هذا الوقت من كل عام، كان المسؤولون يملأون أثير الإعلام تصريحات نارية عن استعدادات العيد في شتى المحافظات. تكثيف الوجود الأمني أمام دور السينما منعاً للتحرش (وهي الظاهرة التي باتت ترتبط بالأعياد فيما يعرف بالتحرش الجماعي بالفتيات)، وتشديد الرقابة على المطاعم للتأكد من صلاحية الأطعمة، وتكثيف الوجود المروري لمراقبة الطرق السريعة حيث تزيد حركة تنقل المواطنين في أيام العيد، وتنظيف الشواطئ والاستعداد لاستقبال المواطنين والرقابة على أسعار تأجير المظلات والمقاعد.

هذا العام أيضاً، تملأ التصريحات الرسمية الأثير، ولكن جميعها يصب في خانات التأكد من الإغلاق، والرقابة لمنع التجمعات، وتوقيع العقوبات على مخترقي التعليمات، وتحذير المواطنين من التجمعات ولو كانت في الحدائق التي تفصل الشوارع مزدوجة الاتجاه.

 

 

الخنقة

"الخنقة" التي تصف بها إسعاد الغريب، 38 عاماً، أجواء العيد متمثلة في إغلاقات رسمية وترتيبات وتجهيزات شعبية للالتفاف والالتواء دفعتها إلى خبز الكعك في بيتها للمرة الأولى. تقول إن شراء ملابس جديدة للأبناء لم يعد له معنى. "أقصى ما يمكنهم عمله هو ارتداء الملابس الجديدة والوقوف في شرفة البيت. لذلك قررت أن أخبز قدراً من الكعك في البيت هذا العام اعتماداً على وصفات من الإنترنت، وقد شارك أبنائي معي وكان أفضل نشاط نقوم به في الحظر".

ظاهرة الخبز المنزلي لكعك العيد اجتاحت بيوت الطبقة المتوسطة وما فوقها بقليل. ويبدو أن الساعات الطويلة للبقاء في البيت مع الرغبة في التمسك بتلابيب الاحتفال رغم أنف كورونا مع ارتفاع أسعار الكعك الجاهز بالإضافة إلى فيضات مقاطع اليوتيوب وبرامج الطبخ الموجهة لخبز الكعك تضافر جميعها ليؤدي إلى ظاهرة كعك منزلي غير مسبوقة.

سبق آخر اجتاج أثير مواقع التواصل الاجتماعي ومنه إلى بيوت البعض ألا وهو تصنيع الكمامات في البيت بألوان وأشكال مختلفة، لا سيما أن ارتداء الكمامات في الأماكن العامة والمؤسسات صار شرطاً أساسياً. ولأن أقل سعر للكمامة الواحدة هو خمسة جنيهات ويفترض أن يتم التخلص منها بعد استخدامها مرة واحدة، فقد وجد البعض في طريقة عمل الكمامة المنزلية بألوان مبهجة وتصميمات متفردة طريقة مختلفة لاستقبال العيد في ظل كورونا.

خليك في البيت

لكن يظل كورونا عصياً على البعض من المصريين، لا سيما أولئك في بعض المدن والقرى في صعيد مصر ودلتاها. صحيح أن الجميع بات يعرف الكثير عن الفيروس وعدواه وخطورته، ولكن لسبب ما تبقى هذه المعرفة بعيدة عن الترجمة الفعلية إلى شعار "خليك في البيت"، الذي يطارد العينين أينما نُظر.

 الأسواق في الأيام الأخيرة من رمضان رفعت شعار "كامل العدد". وبهجة العيد المتمثلة في شراء الملابس الجديدة لم يؤثر فيه الفيروس أو ينل منه عداد وزارة الصحة والسكان اليومي الذي يشير إلى تخطي حاجز الـ12.500 إصابة. تمتمات القدرية وهمهمات استعراض عضلات الجدعنة وإحكام السيطرة على الفيروس تسمعها في أماكن عدة. بعضها يأتي على سبيل الدعابة حيث يشير البعض أن مائدة العيد تحوي كورونا بالبشاميل أو كعك محشو كورونا وعجوة، والبعض الآخر يأتي سلساً ليعكس الجانب القدري من الثقافة المصرية.

صلاة العيد

لكن هذا الجانب القدري الذي لم يبرح الأسواق أو يحبط مخططات الالتفاف على قرارات الإغلاق أو يحزن لأن هناك فيروس يفتك بالبشرة وصل عند باب المسجد ووقف يولول ويندب حظه. "أغلقوا المساجد حتى أمام صلاة العيد؟!" "كان في الإمكان إقامة الصلاة مع تعقيم المصلين قبل دخول المسجد" بالإضافة إلى الاعتقاد بأن "كورونا" لا تصيب مصلياً أو تجرؤ على دخول مسجد.

وقد تراوحت ردود فعل المصريين حول قرار مجلس الوزراء باقتصار إقامة صلاة عيد الفطر في البيوت، على أن تقام شعائرها في أحد المساجد الكبرى وأن يتم بثها للمواطنين على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة. فمنهم من اعتبرها حلاً معقولاً في ظل تفشي الفيروس، ومنهم من رآها قهراً للمحتفلين وظلماً لمن يريدون إقامة الصلاة في المساجد والميادين كما جرت العادة. وهناك من يخطط ويدبر لإقامة صلاة على سطح بيت أو مدخله، لكن هناك أيضاً من يخطط للإبلاغ عنهم.

حتى مقترح بعض السيدات بأن يقف أفراد كل أسرة في شرفة بيتهم ويتم إطلاق بالونات في وقت متفق عليه مسبقاً وجد من يعارضه ويحذر من أن نفخ البلالين قد يحمل فيروس كورونا الخطر ليفرقع في وجوه الأهل والجيران والأحباب والأصدقاء حال فرقعت البالونة.