فيلم "فضائي" لريدلي سكوت تحفة فنية لا تزال تحظى بالاهتمام  بعد 40 عاماً

فيلم الرعب الفضائي الذي تدور أحداثه عبر المجرات لا يزال أحد أكثر الأفلام تأثيراً في التاريخ الحديث. إد كامينغ يعود بالذاكرة إلى الفيلم ذي الشعبية الكبيرة الذي عرّف العالم إلى شخصية "ريبلي" التي أدت دورها الممثلة سيغورني ويفر

في معرض الحديث عن تحفته الفنية الأكثر شهرة، قال المخرج ريدلي سكوت إنّه أراد لفيلم "فضائي" أن يكون "فيلم إثارة متواضعاً ومقنعاً، مثل فيلم 'سايكو' أو 'طفل روزماري.'" من المثير للسخرية أنّ فيلم "فضائي" أثار التعليقات الرنانة أكثر من أي فيلم آخر على الأرجح، وإعادة الإصدار بمناسبة الذكرى الـ 40 للفيلم ما هي إلا شاهد آخر على ذلك. أثبت نص فيلم "فضائي" أنّه مثالي للأكاديميين، وأنّه بئر عميقة – أو ربما عمود طوطمي – للاستعارات الفرويدية، استقى منها النقّاد والمنظّرون كل ما يشتهونه.

منذ أول إصدار له، تم تحليل معنى كل لقطة من لقطات الفيلم. كما أن الجزء الثاني للفيلم، "فضائيون"، الذي أخرجه جيمس كاميرون، تم تحليله أيضاً. (لكن الأفلام الأخرى في السلسة لم تلقَ ردة الفعل ذاتها). أكثر الاهتمام الذي حظي به الفيلم تركز على إيلين ريبلي، الشخصية التي أدتها الممثلة سيغورني ويفر، و"الزينومورف"، وهو الكائن الفضائي المرعب الذي صممه الفنان السويسري إتش آر غيغر. لكن الرجال الآليين والسفينة الفضائية والأزياء وحتى القطة التي كانت في السفينة، كلها وقعت تحت عدسة المحللين. وفي عام 2019، قليلة هي الدلائل على اختفاء عقدة تحليل أفلام "فضائي" عند الأكاديميين.

يُعزى ذلك جزئياً إلى جودة الفيلم. فبغض النظر عن وجود أفلام أخرى مقلدة له، لا يزال الفيلم الأصلي أكثر فيلم رعب وخيال علمي آسر. يتسم الفيلم بتدرّج أحداث بارع، إذ يبدأ بداية بطيئة ثم تتسارع الأحداث لتصل إلى ذروة محمومة. علاوة على ذلك، أضفت عناصر الفيلم طابعاً حديثاً عليه، الأمر الذي فشلت فيه أفلام أخرى أحدث منه. بالنسبة لفيلم خيال علمي، لا يعتمد الفيلم كثيراً على التكنولوجيا، فمع أنّه يحتوي سفناً فضائيةً وأسلحةً ورجالاً آليّين، إلّا أن هذه العناصر ليست محط التركيز. كلّما مضى وقت أطول على سنة إصدار "فضائي"، كلّما سهُل علينا النظر إليه كعمل فنّي تجاوز حدود التكنولوجيا المعاصرة له، وكلّما قلّت بالنسبة لنا شناعة شاشات الحواسيب العتيقة، مثلاً، التي تظهر فيه.

 

في الواقع، إن جمالية تواضع المؤثرات الصوتية هو أحد الأسباب التي حافظت على حيوية الفيلم حتى الآن. كان هذا الفيلم ثاني فيلم روائي فقط لريدلي. مستفيداً من خلفيته في مجال الدعاية، علم ريدلي أهمية ضبط المزاج وتهيئة الأجواء في أقصر مدة زمنية ممكنة. مع أن أحداث الفيلم تدور في الفضاء المستقبلي العميق، إلا أن هيئة السفينة الفضائية "نوسترومو" تبث عند المشاهد شعوراً بالضيق كالذي يشعر به أثناء وجوده في سرداب. كتب ديريك مالكوم في مراجعته للفيلم آنذاك أن ريدلي وفريق عمله للمؤثرات الخاصة قدموا لنا "عالماً ضيقاً قائماً بحد ذاته"، وهذا بالضبط ما تم التخطيط له. قال جون هيرت إن ريدلي أراد سفينته الفضائية أن تبدو كأنها كانت تسبح في الفضاء منذ الأزل. شُكّل الجزء الداخلي للسفينة من هياكل طائرات قديمة، ولتصوير مشهد تشريح حشرة "حاضن الوجه"، حُشيت بضع الأصداف داخل قالب. إضافة لذلك، عندما انفجر الطفل الفضائي من داخل صدر جون هيرت، كانت تعابير وجه كارترايت حقيقية، فالممثلون لم يكونوا يعرفون ما كان على وشك الحدوث. بدلاً من استخدام تقنية الرسوم المُنتَجة بواسطة الحاسوب بكثرة، كان الفضائيون عبارة عن مجموعة من البزات المطاطية والدمى. نُفخت طبقة من الدخان عبر موقع التصوير بأكمله، ومع أنها كانت رقيقة لدرجة لا تُرى فيها، لكنها كانت كافية لإضفاء أجواء من الغموض والظلامية على الفيلم. يقول الناقد ديفد تومسون إنه "بشكل أساسي فيلمٌ عن منزل مسكون"، ويضيف "لكن الفرق الوحيد هو أن المنزل المظلم القديم هو عبارة عن سفينة فضائية."

مع كل ما سبق، يمكننا القول إن بعض المواضيع التي يناقشها الفيلم أضحت ذات صلة بالحاضر بشكل أكبر منذ إصداره. ففي أول إصدار للفيلم، نظر إليه بعض النقاد على أنّه ردة فعل تجاه حرب فيتنام، حيث دخل طاقم سفينة "نوسترومو" في حرب عصابات مع عدو غير معروف وغير مرئي غالباً. عنصر الإثارة هذا الذي يتمتع به الفيلم، يتشاركه أيضاً مع أفلام إثارة أخرى صدرت في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات. (أًصدر الفيلم في السنة ذاتها التي أصدر فيها فيلم "صائد الغزلان"، والذي ناقش موضوع الحرب بشكل مباشر). مع تلاشي ذكرى حرب أفغانستان وحرب العراق من أذهان الناس، فإن هذا النوع من الاقتتال لا يبدو ذا صلة بالنسبة للمشاهد في عام 2019.

لكن في هذه الأيام، تظهر عناصر أخرى في الفيلم ذات صلة أكبر بالواقع. مقارنة بسلطوية فيلم "حرب النجوم"، الذي تختار فيه "القوة" شخصيات ليتحلوا بها دون غيرهم منذ الولادة، أو مقارنة بمبدأ الجدارة والتكنوقراطية في فيلم "ستار تريك"، إذ تكون السفن مليئة بالمهووسين بالعلم الذين لا يُطاقون، فإن عالم "فضائي" عُمّاليّ بشكل واضح، فهذه الكائنات ستلتهمك أيّاً كانت رتبتك. ولا يزال تصميمها يبعث على الاشمئزاز. كما قال تومسون، "فضائي" هو فيلم اغتصاب ضحاياه هم الذكور. باستخدام خراطيم لإدخال البيوض قسراً إلى جسم المضيّف، يمثّل الفضائيون بذلك عملية التزاوج البشرية. من فم "الزينومورف" البالغ، الذي تبتعد أسنانه عن بعضها البعض لتفسح المجال لخرطوم آخر حاد الأسنان، إلى عضو تناسلي منتصب يوجد في نهايته مهبل مسنن، كلها كوابيس تثير رعب جميع الناس.

عندما شاهدت فيلم "فضائي" مرة أخرى في شهر فبراير (شباط) في أجواء حارة على غير العادة، وجدت أنّه من الصعب عدم ملاحظة التلميحات البسيطة إلى التغير المناخي، حيث تمثّل سفينة "نوسترومو" كوكب الأرض نفسه، ملاذاً آمناً يندفع عبر كون عدائي، يتسبب البشر بدخول تهديد وجودي جديد إليه نتيجة تهورهم. عندما تكون البيئة عدائية جداً، فحتى التعاون لن ينقذكم، لأنه لا أحد يسمعكم تصرخون.

الفيلم يناقش السياسات الجندرية بذكاء شديد، والجدير بالملاحظة هو أن القليل من المراجعات المعاصرة للفيلم آنذاك تحدثت عن ذلك (بشكل عام، فشلت المراجعات في الإقرار بأن الفيلم تحفة فنية كما يُنظر إليه الآن، وفضلت التركيز على مشاهد الإثارة العادية فيه). لم يهدف الفيلم قط أن يمثّل دعماً للنسوية. فمن المعروف أن ريبلي كان من المفترض أن يكون شخصية ذكورية حتى آخر لحظة، إذ اختيرت سيغورني ويفر لتأدية الدور قبل أسابيع فقط من بدء التصوير، وذلك بعد توصية من وارن بيتي على ما يبدو. يُذكر أن سكوت بنى موقع تصوير كاملاً لتجريب أداء سيغورني للدور.

في مقابلة عن دورها في الفيلم، قالت سيغورني "كان كُتّاب النص أذكياء، إذ أنّهم لم يحوّلوا ريبلي إلى شخصية أنثوية. فقد كانت مجرد شخصية عادية تمثل أي شخص، ووُضعت في موقف استثنائي. صدقني، عندما صوّرنا [الأجزاء التالية]، شعرت بمدى صعوبة كتابة نص لشخصية امرأة بطريقة بطولية ومباشرة وغير عاطفية وواقعية."

ذكاؤها وعزيمتها اللذان واجهت بهما التهديدات الأخطر، في عالم مليء بالرجال العدائيين والعنيفين، يمثّلان نقطة مرجعية حتى في الوقت الحالي الذي برزت فيه حملة #أناأيضاً. هناك إجماع أن الرسالة النسوية هذه تم خذلانها بعض الشيء بقرار تعرّي ريبلي من معظم ملابسها وبقائها بالملابس الداخلية في المشهد الختامي. لكن في عالم السينما، رسالة "فضائي" بأنّ المرأة القوية ستُنقِذُ اليوم، يتردد صداها في مختلف أنواع الأفلام، من "حرب النجوم" وحتى "فروزن."

إن الدخول إلى المنتديات المخصصة لفيلم "فضائي" على الإنترنت يشبه فتح باب غرفة مليئة بأشخاص لا يحبون ريدلي سكوت، وهذا ليس غريباً، فآخر أفلامه، "بروميثيوس" و "فضائي: العهد"، كانت مخيبة للآمال، ومعتمدة بشكل أكثر من اللازم على الرسوم المنتجة بواسطة الحاسوب. تماماً مثلما حصل مع جورج لوكاس في الأجزاء التمهيدية من "حرب النجوم"، يبدو أن سكوت قد غاص تماماً في أحداث القصة وغابت عن نظره العناصر الجذابة التي جعلت الفيلم الأصلي ساحراً. كما في العديد من الأفلام العظيمة، كان "فضائي" نتيجة مجموعة من الظروف المميزة والتي لن تتكرر أبداً على الأرجح. في أعقاب ظهور "حرب النجوم"، أراد الاستوديو إنتاج فيلم خيال علمي، وكان نص "فضائي" هو النص الوحيد الموجود لديه. لم يكن ريدلي سكوت الخيار الأول ليكون مخرج الفيلم، لكنه كان الشخص المناسب في المكان المناسب، وسار العمل على قدم وساق. في مقابلة لاحقة مع ريدلي قال إنّه أراد ببساطة "إثارة الرعب في قلوب المشاهدين. هذا هو المطلوب". بعد 40 عاماً، من الواضح انّه حقق ذلك وأكثر.

© The Independent

المزيد من سينما