Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأتراك يتخلصون من الليرة في أكبر موجة هروب جماعي منذ أزمة 2017

قرارات خاطئة تعزز فرص نمو السوق السوداء للعملة وتفاقم الأوضاع بسوق الصرف

صانعو السياسة النقدية في تركيا قلقون من أن انخفاض معدل الفائدة قد يؤدي إلى اندفاع لحيازة الدولار (أ.ف.ب)

تسبّبت الخسائر القياسية والعنيفة التي تكبدتها الليرة التركية في حالة من الارتباك الشديد في سوق الصرف بالبلاد، ما تسبّب في موجة تخارج كبيرة من حيازة الليرة وتحويلها إلى الدولار، وهو ما يضع البنك المركزي والمالية التركية في وضع أكثر من صعب.

وتشير البيانات والأرقام الحديثة إلى أن عوائد الادّخار بالعملة المحلية في تركيا تستمر في التراجع والتآكل، تزامناً مع سعي الحكومة لتسريع نمو الائتمان، ما يهدّد بتحويل السياسات الداعمة للنمو لسبب يغذي الطلب على الدولار، وتفاقم الأزمة القائمة بالفعل في سوق الصرف.

وحدّدت الحكومة في تركيا الشهر الماضي أهدافاً للبنوك لتعزيز الإقراض والتخفيف من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تفشي فيروس كورونا. لكن بدلاً عن طرح قروض جديدة، بدأت البنوك الخاصة في خفض معدلات الفائدة على الودائع مع اشتراط الجهات التنظيمية رفع معدل الأصول لأعلى من 100 في المئة.

اتّجاه قوي للتخلي عن الليرة وحيازة الدولار

في تقرير حديث، قالت وكالة "بلومبيرغ"، نقلاً عن مصادر مطلعة، إن صانعي السياسة النقدية في تركيا يشعرون بالقلق من أن انخفاض معدل الفائدة قد يؤدي إلى اندفاع لحيازة الدولار، مما قد يتسبب في اختلال التوازن في الوقت الذي تسعى الحكومة لتحفيز الاقتصاد.

وبحسب بيانات البنك المركزي في تركيا، فقد انخفض متوسط معدل الفائدة للحسابات المصرفية بالعملة المحلية إلى 8.4 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2013. وقد تسبّب التغيرات المفاجئة في أنماط الادّخار في زعزعة استقرار الاقتصادات الناشئة، بخاصة التي تمثل فيها حسابات العملة المحلية أكثر من نصف المدخرات الوطنية.

وكانت الليرة التركية قد تعرّضت لهبوط حاد دفعها لمستوى قياسي متدنٍ في وقت سابق من الشهر الحالي، قبل أن تسترد جزءاً من خسائرها.

وتعرّضت السياسة النقدية في تركيا للعديد من الضغوط بسبب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي انتهى به الخلاف مع البنك المركزي التركي إلى إقالة المحافظ السابق، وذلك بعد إصرار "أرودغان" على التدخل وإجبار البنك على خفض سعر الفائدة لمواجهة الركود الصعب الذي يواجه الشركات منذ منتصف عام 2017.

ولامست العملة التركية مستوى منخفضاً غير مسبوق في وقت سابق من الشهر الحالي مع تخوّف المستثمرين حيال تراجع صافي احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي والتزامات دين تركيا الخارجي المرتفعة نسبياً، ما حدا بالمسؤولين إلى السعي لتدبير التمويل من الخارج.


الخزانة التركية : نمتلك احتياطي كافي

وعلى الرغم من هذه الأرقام والمؤشرات السلبية، لكن وزير الخزانة والمالية التركي، برات ألبيراق أوضح خلال اجتماع مع ممثلي دول مجموعة العشرين، أن تركيا تمتلك احتياطي نقد الأجنبي كافي، وأنها تجري مفاوضات مع دول المجموعة من أجل الدخول في اتفاقيات جديدة.

8 جلسات رابحة بعد خسائر صعبة

وصعدت الليرة على مدى جلسات التداول الثماني الأخيرة لأسباب، منها التوقعات بأن تبرم أنقرة اتفاقات خارجية لإتاحة مزيد من السيولة لوقف هبوط عملتها على غرار ما حدث في 2018 عندما هزّت أزمة الليرة الأسواق الناشئة.  في حين نزلت بنسبة 0.1 في المئة إلى 6.7900 للدولار في تعاملات اليوم، لكن الدولار كان قد لامس مستويات تجاوزت 7.24 ليرة الأسبوع الماضي.

وفي مذكرة بحثية، قالت مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس"، إن "الـ10 مليارات دولار الإضافية هي قطرة في محيط مقارنة باحتياجات تركيا من التمويل الخارجي"، لا سيما بالنظر إلى أن الضرر الكبير للسياحة والتجارة زاد عجز المعاملات الجارية.

وأضافت "قد نرى الضغوط على الليرة تبدأ بالظهور مجدداً، وذلك إذا قوبلت تركيا بصدود من بنك اليابان المركزي وبنك إنجلترا المركزي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهبط صافي احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي التركي هذا العام إلى مستوى 26 مليار دولار من نحو 40 مليار دولار بنهاية العام الماضي، فاقداً نحو 14 مليار دولار بنسبة تراجع تقدّر بنحو 35 في المئة. ويرجع ذلك إلى تدخّل البنك المركزي التركي لدعم استقرار الليرة ووقف انهيارها مقابل الدولار الأميركي. وتبلغ التزامات الدين الأجنبي لأنقرة نحو 168 مليار دولار في 12 شهراً.

مستوى جديد منخفض لليرة

وفي إطار سعيها لوقف موجة النزيف الأخيرة، حيث كانت السلطات المسؤولة عن النقد في البلاد تستهدف وقف انهيار العملة التركية إلى أعلى من 7 ليرات لكل دولار، وقبل أيام، حظرت تركيا تداول الليرة على "بي.ان.بي باريبا" و"سيتي بنك" و"يو.بي.إس"، وذلك بعد تسجيل العملة مستوى قياسياً منخفضاً جديداً مقابل الدولار، وسط قلق المستثمرين من عدم كفاية الاحتياطيات لحماية الاقتصاد من تداعيات فيروس كورونا.

وفي تعاملاتها خلال الأسبوع الماضي، تراجعت العملة التركية إلى مستوى 7.27 ليرة للدولار متخطية قاعها السابق الذي بلغته خلال أزمة عملة في 2018 لتواصل خسائرها للجلسة الخامسة على التوالي، بينما تعمل تركيا على احتواء عواقب تفشي كورونا الذي أودى بحياة 3584 شخصاً. لكن تعافت العملة لاحقاً بعد إعلان الهيئة المشرفة على عمل البنوك حظر تداولات الليرة في 3 مصارف، قائلة إنها عجزت عن أداء التزامات بالليرة في مواعيدها.

وسجّلت الليرة التركية في وقت سابق مستوى يتجاوز 7.2690 مقابل الدولار الأميركي. وتجاوزت خسائر الليرة التركية منذ بداية العام الحالي نحو 19 في المئة، مع اقترابها من أدنى مستوى على الإطلاق عند مستوى 7.24 ليرة لكل دولار والمسجل في عام 2018.

دور سياسات أردوغان في الأزمة القائمة

وتشير البيانات والأرقام المتاحة إلى أن سياسات أردوغان المالية وتقليله الدائم من أهمية مساعدات صندوق النقد الدولي في حل أزمات الاقتصاد التركي تسببت في أزمة تفاقم حجم ديون الشركات التي أطلقت لها سياسات أردوغان العنان في الاقتراض بالعملات الأجنبية في بداية العقد الماضي.

في ما تبلورت العواقب السلبية لتلك الاستراتيجية الاقتصادية خلال النصف الثاني من عام 2018 حينما عانت "الليرة " التركية من عمليات بيع مكثفة، وأصبح عبء الديون أصعب من أن يُسدّد بالعملة المحلية، ومن ثم تراجع تصنيف الاقتصاد التركي على المستوى العالمي بنحو مركزين، حسب بيانات البنك الدولي.

في الوقت نفسه يحذر محللون من أن توجّه أردوغان إلى الاقتراض الخارجي حالياً من أجل مساعدته في مواجهة أزمة "كورونا" سيلحق مزيداً من الأضرار بالاقتصاد التركي بعد ترحيل آجال الديون المحلية، عوضاً عن إعادة هيكلتها في سبيل تجنب سلسلة من حالات الإفلاس.

وتشير بيانات البنك المركزي التركي إلى أن حجم الديون أو الالتزمات "قصيرة الأجل " المقومة بالعملة الأجنية على الشركات والمصارف التركية بلغ 155 مليار دولار، اعتبارا من فبراير (شباط) الماضي. كما عمد البنك المركزي في تركيا إلى سحب 19 مليار دولار من احتياطيه الأجنبي من أجل دعم الليرة أمام جائحة "كورونا"، بما تسبب في خفض ما تبقى من إجمالي المخزون الأجنبي لتركيا إلى 56 مليار دولار فقط.

كما تشير البيانات إلى اتساع العجز المسجل في الموازنة العامة إلى مستوى 43.7 مليار ليرة (6.287 مليار دولار)، وهو أكبر مستوى على الإطلاق، ليشير إلى أن جعبة النظام التركي بدأت تخلو من الخيارات، ويعمق مخاوف المستثمرين حيال مصير الاقتصاد.

فضلاً عن ذلك، تعاني الليرة التركية من أسوأ أداء لها على الإطلاق بفعل مخاوف المستثمرين من انكماش الاقتصاد التركي، بعد أن انهارت أمام الدولار الأميركي خلال تعاملات الأسبوع الماضي إلى مستوى متدنٍ غير مسبوق منذ قرابة عامين، في أعقاب قرار هيئة الرقابة والإشراف البنكي التركية تقييد تعاملات المستثمرين الأجانب بالعملة التركية.

المزيد من اقتصاد