Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صراع الحكم في تونس يدفع سعيد نحو الحد من "الظاهرة الحزبية"

الائتلاف الحاكم الهش مهدد بالتصدع و"حركة النهضة" قد تمد اليد لأطراف جديدة

البرلمان التونسي في جلسة عامة (صفحة مجلس النواب على فيسبوك)

حالة من الريبة والشك تسود المشهد السياسي العام في تونس، سببها عدم ثقة الأطراف السياسية في بعضها البعض، فكلّ طرف يتربّص بالآخر، يتصيّد هفواته، من أجل تحقيق مكاسب سياسية. هذه الحالة ولّدت نفوراً من الحياة السياسية، بدت جلية من خلال اهتزاز صورة البرلمان التونسي الذي أوغل في المناكفات الأيديولوجية والصراعات الحزبية، علاوة على صراع الحكم الذي لم يعد مخفياً في المشهد السياسي في البلاد.

كما يعاني الائتلاف الحكومي من تصدّعات قد تعمّق الأزمة داخله وتزيد من هشاشته، بسبب الخلل الهيكلي في تركيبة الحزام السياسي الذي يشكّل الحكومة.

دفع هذا الوضع الرئيس التونسي قيس سعيد، إلى شنّ هجوم قوي على البرلمان، متّهماً إياه بخيانة الأمانة، في تعقيبه على مشروع تنقيح النظام الداخلي للبرلمان، الذي يهدف إلى الحدّ من ظاهرة السياحة الحزبية.


نواب يتّهمون سعيد بإشاعة الفوضى
وفي ردّه على تصريحات سعيد، اتهم النائب والقيادي في حركة النهضة الإسلامية سيّد الفرجاني رئيس الدولة "بالتحريض على مؤسسة دستورية (البرلمان)، وإشاعة الفوضى بما يهدّد الأمن القومي في البلاد".

من جهته، وصف رئيس كتلة "ائتلاف الكرامة" سيف الدين مخلوف، خطوات سعيد بـ"المريبة"، معرباً عن تخوفه من "ترذيل المؤسسات الدستورية وبخاصة البرلمان"، محذراً من "محاولات السّطو على هذه المؤسسات بآليات غير ديمقراطية". وأكد أن "الآلية الوحيدة لتقييم أداء النّواب والبرلمان هي الانتخابات".
 

"مشروع" قيس سعيد
تصدّر سعيد المشهد في الانتخابات الرئاسية الماضية، إذ أتى يحمل مشروعاً سياسياً مناهضاً للمشهد القائم الذي ولّد حالة من الاحتقان. و"يحلم" الرئيس التونسي بنظام حكم جديد يقطع مع الأحزاب السياسية، التي طالما اتّهمها بأنها "خذلت التونسيين وطمست أحلام الشباب في العيش الكريم".

فهل بدأ قيس سعيد فعلاً بتنفيذ برنامجه، من خلال تغيير منظومة الحكم الحالية؟ وما دلالات الأزمة السياسية الراهنة داخل الحكومة ونتائجها المحتملة؟
 

النهضة تراقب بحذر

يرى فريد العليبي، أستاذ الفلسفة السياسية في الجامعة التونسية، في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، أن "سعيد يدعو إلى نظام سياسي جديد يقوم على المجالس المحلية، وإذا نجح في "خلخلة" صخرة حركة النهضة، فبإمكانه "خلخلة" بقية البنيان المكوّن للمشهد البرلماني وأيضاً السياسي في تونس، لذلك تراقب حركة النهضة تحركات قيس سعيد بنوع من الحذر المفرط".

ورأى العليبي أن "شعبية سعيّد ستشفع له، ومناصريه سيلتفّون حوله، من أجل تغليف المطالب الاجتماعية بأخرى سياسية في مشروعه، وهي فرصة سيقتنصها الرئيس خلال الأيام أو الأشهر المقبلة، من خلال الإعلان عن استفتاء لتعديل نظام الحكم وربما تغيير القانون الانتخابي".

وزاد أن "الأزمة الراهنة بين سعيد و"النهضة" هي أزمة قراءة وتفسير للقوانين ذاتها، وهي أزمة سياسية بامتياز. فهو يعتبر أن مَن يحكمون اليوم جاؤوا من وراء البحار وليسوا من صنّاع الثورة، بل هم من قاطفي ثمارها، معتمداً على دعوة مناصريه لإبعادهم عن المشهد لأنهم في تقديره، لم يحققوا أهداف الثورة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


حكومة في كبد الأزمة

من جهة أخرى، وإلى جانب صراع الصلاحيات والرؤى السياسية، بين النهضة وسعيد، يلوح في الأفق صراع آخر أكثر حدّة، تخوضه الحركة الإسلامية ضد حركة الشعب، داخل الائتلاف الحكومي المتّسم أصلاً بالهشاشة، ما ينذر بتصدّعه.

 وتواجه حكومة الفخفاخ محنتين، الأولى وهي محنة تفشي كورونا وتداعياتها على مختلف الأصعدة، أما الثانية فهي محنة الحفاظ على وحدة الائتلاف الحكومي، وسط عاصفة الصراعات. وصرح الأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، أن "حركة النهضة غير مرتاحة للائتلاف الحكومي، وترى أنه ائتلاف فرضته الضرورة، لذلك تجلس على كرسيّيْن، في الحكومة والمعارضة في آن واحد"، مطالباً إياها بأن تحدّد موقعها بشكل رسمي. واتهم "النهضة" بالسعي إلى إزاحة حركة الشعب من الحكومة.

وينذر الوضع العام بنتائج خطيرة، في ظلّ الأزمة الاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا على كل المستويات، الاقتصادية منها والاجتماعية. وعلى الرغم مما اتخذته الحكومة برئاسة الياس الفخفاخ من إجراءات، إلا أن حالة البطالة العامة، وتنامي نسبة الفقر، وتراجع النمو الاقتصادي، كلها عوامل تؤشر إلى انفجار اجتماعي ستكون تداعياته خطيرة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، في حال لم تتجاوز الطبقة السياسية خلافاتها الأيديولوجية الضيقة، وتُعلي مصلحة الشعب والوطن فوق كل الصراعات السياسية.
 

تونس تعيش أزمة دائمة

وأكد العليبي أن "تونس تعيش أزمة سياسية قديمة ودائمة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية، بسبب جملة التناقضات في صلب المنظومة السياسية الحاكمة".

وعن الحزام السياسي الهش والعراك بين حركة النهضة وحركة الشعب، قال العليبي "إن حركة النهضة تحصر النقاش السياسي في المعضلة الأيديولوجية، فهي الآن تروّج لهذا الخطاب العدائي ضد حركة الشعب، بعدما كانت تعادي في الماضي القريب الجبهة الشعبية". وأضاف أن "حركة النهضة لا تريد مواجهة المشكلات الحقيقية، وإنما تراهن دائماً على الجانب الأيديولوجي، من دون أن تُعير الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، الاهتمام اللازم"، مشيراً إلى أن "الحركة تواجه المشكلات بافتعال مزيد من الأزمات".


مناورة سياسية جديدة في الأفق

وأبرز العليبي أن الإسلام السياسي يستعمل الآن أحد أجنحته وهو "ائتلاف الكرامة"، لحسم خلافاته السياسية مع قيس سعيد من جهة، ومع اتحاد الشغل والإعلام من جهة أخرى.  

فتحت حركة النهضة اليوم، أكثر من جبهة، في صراعاتها المفتوحة، مع طيف واسع من مناصري الرئيس قيس سعيد، وأيضاً من الليبراليين والصحافيين والنقابيين، إلا أنها تحاول الخروج من هذه العزلة، عبر مغازلة حزب "قلب تونس" من أجل مناورة سياسية جديدة قد تتجلى ملامحها قريباً.

المزيد من العالم العربي