Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"صباح إعدام الستريليتسي" لسوريكوف الكارثة ونظرة القيصر

الفن في حياده اللئيم بين القاتل وضحاياه من خدمه السابقين

لوحة فاسيبلي سوريكوف "صباح إعدام الستريليتسي" (اندبندنت عربية)

كان 1872 عام الاحتفالات الروسية الصاخبة بالمئوية الثانية للقيصر الروسي بطرس الأكبر، الذي يُنظر إليه عادةً بوصفه المؤسس الحقيقي للسلالة الحاكمة في ذلك البلد. حينها وتبعاً لرغبات السلطات التي أرادت من تلك المناسبة أن تكون إعادة توكيد لنظام الحكم في تحدّ صارخ للصرخات الاحتجاجية التي كانت مندلعة في الشارع، تعبيراً عن بؤس الشعب وتطلعه إلى عدالة اجتماعية، لا يمكن لحياته أن تستمر من دونها، راح الفنانون والكتّاب التابعون إلى السلطات والخاضعون لإرادتها يتفننون في رسم اللوحات، وتنظيم الاحتفالات، وإصدار الكتب التي تعظّم بطرس الأكبر، ناسبة إليه من المآثر ما سيصبح نموذجاً متبعاً في البلدان ذات الحكم الديكتاتوري، الذي سيكون كذلك مثالاً يحتذيه ستالين بعد ذلك بعقود من السنين في تعظيمه القيصر إيفان، وطبعاً لتعظيم نفسه من خلاله. وبالنسبة إلى بطرس الأكبر كان مطلوباً من الفنانين والمبدعين بصورة عامة أن يتناولوه بشكل يجعل القيصر الحالي ألكسندر الثاني يبدو خليفة له جديراً بتلك الخلافة.

مشاركة ما في الاحتفال
طبعاً، لم يكن في وسع الرسام فاسيلي سوريكوف أن يتخلّف عن الركب الفني المشارك في الاحتفال. بل إنّ اللوحة الضخمة التي كانت تشكِّل مساهمته في المناسبة ستكون من أعظم اللوحات وأروعها، وستبقى حتى يومنا هذا واحدة من الشوامخ في الفن الروسي الكلاسيكي، إذ تتربع على عرش هذا الفن منذ إنجازها في عام 1881، وهو بالمصادفة العام نفسه الذي اُغتيل فيه القيصر ألكسندر الثاني الذي كانت تلك الأبهة كلها تسعى لتمجيده من خلال سلفه الكبير، بل أكثر من هذا. تقول لنا الحكاية إن الـ11 من مارس (آذار) من ذلك العام، وهو بالتقويم الروسي يوم اغتيال القيصر، كان تحديداً اليوم الذي عُلِّقت فيه لوحة سوريكوف المعنونة "صباح إعدام الستريلتسي" في المكان الذي لا تزال تشغله حتى اليوم.

بيد أن هذا لا يعني شيئاً، باستثناء أن التهاء السلطات بالحدث الكبير صرفهم عن الانتباه إلى "لؤم" الفنان الذي تعبِّر عنه اللوحة. ثم إن اللوحة البالغ عرضها نحو 380 سنتيمتراً وارتفاعها 218 سنتيمتراً، لم تعلَّق يومها في مكان عام أو في متحف رسمي، بل في قصر جامع اللوحات وهاوي الفن بافل ترتياكوف الذي تحوّل لاحقاً إلى "متحف ترتياكوف"، الذي يعتبر في موسكو ندّاً لمتحف الإرميتاج في سانت بطرسبرغ.

 

المهم، نفذت اللوحة بجلدها بفعل تلك المصادفة التاريخية، وشارك سوريكوف في مئوية بطرس الأكبر من دون أن يتنازل عن مبادئه السياسية التي كانت جعلت منه فناناً مشاكساً ثوريّاً، عرف دائماً كيف يجعل من لوحاته التي لا تقل جمالاً ولا قوة عن تلك التي نحن في صددها هنا، تصويراً للتاريخ الروسي البطولي ومعاناة شعب تلك الأمة، ولعل تفحّصنا "صباح إعدام الستريليتسي" ينبئنا بهذا.

اللوحة وكما يدل عنوانها تماماً تصوِّر ذلك الحدث التاريخي الجلل الذي كان واحداً من أهم الأحداث التي عاشها بطرس الأكبر في عهده (أواخر القرن السابع عشر). وكان الستريليتسيون (ومفردهم سترليتس)، وهم فرقة خاصة من الجنود النخبويين الذين عملوا في خدمة القيصر، ثاروا في عام 1698 للمرة الثانية خلال أقل من عشرين عاماً، إذ كانت ثورتهم الأولى في عام 1682، وللسبب نفسه. فهم في المرتين وبعد أن ساندوا القيصر في قمع تحرّكات شعبية مناوئة له مسنودة من أعيان ساءتهم إصلاحاته، وجدوا أنفسهم محرومين من أبسط حقوقهم. فلا الناس يحبونهم معتبرينهم رجعيين ودُمى في يد القيصر، ولا السلطات تعطيهم مكافآتهم وما يقتاتون به بعد إنجاز مهمتهم. وهكذا نراهم في عام 1698 يتوجّهون من ثكناتهم إلى موسكو معلنين العصيان. وكانوا يستغلون في ذلك الحين فرصة غياب بطرس الذي كان في جولة بأوروبا. غير أن هذا ومن قبل مسارعته بالعودة، أمر قواته الخاصة بالتصدي للمتمردين، ففعلوا واعتقلوا عدداً كبيراً منهم، وحكموا على معظمهم بالإعدام. بالتالي فإنّ يوم الإعدام بالقرب من جدران الكرملين عُدّ يوماً مجيداً من أيام حكم بطرس، وهو اليوم الذي سيخلّده سوريكوف في لوحته تلك التي رسمها بعد الحدث بما يقرب من مئتي عام. فما الذي في هذه اللوحة يمكن أن يجعلها غير مَرضٍّ عنها من قِبل السلطات؟

لا هذا ولا ذاك!
في الحقيقة، إنّ الرسام لا يجد من ضمن اهتماماته هنا أن يمجِّد الجنود المتمردين وهم في طريقهم إلى الإعدام، وهو بالتأكيد لا يفعل هذا. وحتى وإن كان في اللوحة ما يستثير تعاطفاً ما مع المحكومين، فإنّ الطابع الإنساني لا السياسي هو ما يهمه هنا: النساء والأطفال الذين هم من الواضح عائلات المحكومين الذين توافدوا هنا ليصحبوا ذويهم إلى نهاياتهم الحتمية من دون أي محاولة للتضرّع إلى صاحب الشأن، أو إثارة أي تعاطف من لدنه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمّا أهم ما في اللوحة فهو المكان الذي خُصّص فيها للقيصر نفسه. ففي مثل هذه البورتريهات الجماعية، تاريخية كانت أو غير تاريخية، من عادة الرسامين أن يجعلوا القيصر أو الشخصية المركزية بالحدث في نقطة المركز منها، ويمكن مشاهدته من أول نظرة تُلقى على اللوحة. هنا ليس ثمة شيء من هذا. بل يحتاج المشاهد إلى التجوّل طويلاً في اللوحة، قبل أن يتبين له وجود القيصر عند طرفها الأيمن، وقد حمى نفسه بجدران الكرملين، وبقي على حصانه ساهماً، بالكاد يتطلع إلى التدخل في ما يحدث، أو إلى إبداء أي تعاطف مع أولئك الذين عاشوا ليخدموه، وها هم يموتون الآن، لأنهم لم يقبضوا ثمن تلك الخدمة!

لقد عزل الفنان شخصية القيصر التي كان يجب أن تكون مركزية، وحوّل صاحبها إلى مجرد متفرج محايد، إلى درجة أن لا أحد في اللوحة ينظر إليه، أو يحاول أن يحسّ بوجوده. أمّا النقطة المركزية في المشهد، فلرجال الدين الذين حمّل الرسام وجوههم تعابير الأسى والرجاء. ويقول باحثون تفحّصوا اللوحة بأشعة إكس إنه كان ثمة في إحدى مراحل اشتغال الرسام عليها بقع دم كثيرة، ناجمة عن تمزيق أجساد المحكومين، لكن الرسام عاد ومحاها، وقرّر أن لا تكون هناك دماء على الإطلاق، بل مجرد تعبير على الوجوه يرسم لكل شخصية موقعها وموقفها، ما يبقيه هو، بما أنه رسام، محايداً، فلا يتأسّى على إعدام المحكومين، ولا يمجّد تلك "المأثرة" الجديدة من مآثر القيصر. فهو هنا مجرد مراقب للتاريخ، يعتبر أن لا القيصر ولا جنوده المتمردين جديرون بالوقوف إلى جانبهم.

المشاكسة بشكل سلبي
والحقيقة، أن ذلك كان في نهايات القرن التاسع عشر الذي رُسمت فيه اللوحة موقف كثيرين من المبدعين، الذين كان يرون أن قضيتهم هم في مكان آخر، ولم ينخدعوا حتى بتلك الإصلاحات السطحية التي أجراها ألكسندر الثاني تحديداً، حين ألغى الرقّ إنما من دون أن يعطي الفلاحين البُؤْس الذين تحوّل إليهم الأرقاء أي بدائل، فازداد بؤسهم بؤساً، ويقال إن ذلك بالتحديد كان السبب الذي أدّى إلى اغتياله.

لقد خلّص سوريكوف لوحته من أي نزعة أيديولوجية، لكنه لم يخلصها من ذكرياته السيبيرية هو المولود عام 1848 في مدينة كراسنويارسك السيبيرية من أسرة ذات أصول قوزاقية، ليموت بعد ذلك بـ68 عاماً في موسكو عام 1916، باعتباره واحداً من كبار رسّامي التاريخ الروسي، وواحداً من أبرز المجموعة الفنية المسماة "الرسامون الجوالون"، التي عاشت نحو نصف قرن بين 1870 و1923. وتشكلت تلك المجموعة ضمن إطار نظرة واقعية، بل شعبية (ناورودنية) للفن، تؤمن أن مهمتها ليس أن تجتذب الناس إلى المتاحف، ولا أن ترسم لوحات تعلّق في بيوت الموسرين، بل أن تتحرك بين المدن والمناطق ترسم الشعب وحكاياته وآلامه في لوحات ضخمة يكون شعب المناطق أول متفرجيها. والحال أن سوريكوف خلّف عدداً كبيراً من أروع اللوحات التاريخية التي يعرفها الناس في روسيا، ويعلقون اليوم نماذج منها في بيوتهم.

المزيد من ثقافة