Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات التجارة البريطانية الأميركية ليست في الوقت المثالي

سيلعن ترمب وجونسون بنودها الشاملة ولن تغني عن اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي

جانب من محادثات التجارة بين بريطانيا وأميركا عبر الفيديو (أ.ف.ب)

بدأت الجولة الأولى من مفاوضات اتفاق تجاري بين بريطانيا والولايات المتحدة، يشارك فيها نحو مئة مفاوض من كل جانب عن بُعد، التي تستمر حتى منتصف الشهر بهدف التوصل إلى اتفاق تجارة حرة بين البلدين قبل نهاية العام.

والمفترض أن تتكرر المفاوضات كل ستة أسابيع بنحو ثلاثين مجموعة من المفاوضين في كافة مجالات التجارة في السلع والخدمات حتى يتم التوصل إلى بنود اتفاقية شاملة يعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.

ورغم أن المدة قصيرة للوصول إلى اتفاق قبل نهاية 2020، فإن ذلك ليس العامل الوحيد الذي يجعل كثيرين، على الجانبين، غير متفائلين بالتوصل إلى اتفاقية تجارة حرة شاملة عبر الأطلسي بالشكل الذي وعد به الجانبان.

اتفاق أوسع مع الاتحاد الأوروبي

وليست فقط المخاوف التي يثيرها المعارضون لحكومة المحافظين في بريطانيا من حزبي العمال والأحرار الديمقراطيين، وإنما تأتي المفاوضات أيضاً في وقت ليس مثالياً للبلدين ولا للعالم، ثم إنها وإن كانت مساراً مختلفاً تماماً بمفاوضين مختلفين من البريطانيين، فإنها تأتي كذلك في وقتٍ تسعى بريطانيا لإنجاز اتفاق تجاري أوسع مع الاتحاد الأوروبي قبل نهاية العام أيضاً.

وكانت حجة الداعين إلى الخروج من أوروبا في استفتاء 2016 في بريطانيا أن ذلك سيطلق يد البلاد لعقد اتفاقيات تجارة أفضل كثيراً لها وهي خارج أوروبا. وكان، ولا يزال، هؤلاء المؤيدون لـ"بريكست"، خصوصاً من حزب المحافظين الحاكم، يشيعون أن اتفاقية تجارة حرة مع أميركا هي الجائزة الكبرى للخروج من أوروبا.

كما  أن المفاوضات مع الولايات المتحدة تبدأ بعدما أظهرت أحدث الأرقام انخفاضاً غير مسبوق في الصادرات الأميركية وانكماشاً في قطاع الخدمات لم يسبق له مثيل منذ عشر سنوات، إلى جانب أن الاقتصاد البريطاني ليس في وضع أقل سوءاً، وكل ذلك بسبب المضاعفات الاقتصادية السلبية لوباء فيروس كورونا.

ماذا على الطاولة؟

ليس واضحاً مما أعلن من الجانبين من قبل ما يجري التفاوض عليه فعلياً وما يمكن أن يتضمنه التفاوض من تنازلات من الطرفين للتوصل إلى اتفاق، فالبريطانيون يريدون إلغاء الرسوم الجمركية والتعرفات التي فرضتها إدارة ترمب بالكامل، وستستفيد بريطانيا هنا على صعيد صادراتها من السيارات إلى الولايات المتحدة.

لكن أميركا ستطلب أيضاً خفض الرسوم البريطانية على واردات السيارات الأميركية في المقابل، وفي حين تفرض الولايات المتحدة رسوماً على المركبات العادية بنسبة 2.5 في المئة تفرض 25 في المئة على سيارات الـ"بيك أب"، أما بريطانيا فتفرض 10 في المئة على الكل.

وتريد بريطانيا كذلك إلغاء الرسوم والتعرفة على صادرات الصلب والألومنيوم وغيرها من الرسوم التي فرضتها واشنطن في سياق خلافها التجاري مع أوروبا، كما مع كثير من شركائها التجاريين في العالم.

في المقابل يريد الأميركيون أن تغير بريطانيا قواعد ولوائح وإجراءات السلامة والتصنيف لديها، بما يسمح بزيادة الصادرات الزراعية الأميركية وكذلك الأغذية خصوصاً الدواجن، كما يريدون تعديل قواعد وإجراءات قطاعات الخدمات المختلفة في بريطانيا بما يسمح لقطاع الخدمات الأميركي بالدخول فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع أن الحكومة البريطانية تكرر أنها لن تتهاون في قواعد السلامة الغذائية لديها، فإنه لا يمكن تصور أن تكون تلك الأمور على طاولة المفاوضات، وهو ما يجعل كثير من البريطانيين يخشى من تنازلات تضر بالصحة العامة للمواطنين، فالقواعد الحالية لا تسمح باستيراد المنتجات الزراعية المعدلة وراثياً أو المعالجة كيميائياً، وكذلك لا تسمح باستيراد الدجاج المغسول بالكلور كما يحدث في أميركا. ولطالما انتقد الأميركيون تلك القواعد واللوائح قائلين إنها لا تستند إلى أساس علمي قوي.

ثم هناك الموضوع الشائك المتعلق بأسعار الأدوية والخدمات الصحية التي لا شك أن الأميركيين سيتشددون في التفاوض بشأنها بينما يعد المسؤولون البريطانيون أنهم لن يغيروا معايير تسعير الأدوية لخدمة الصحة الوطنية.

وكان جونسون وعد في حملته الانتخابية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بأن خدمة الصحة الوطنية ليست مطروحة للتفاوض في الاتفاق التجاري المتوقع مع أميركا، لكن هناك من يشكك في التزام الحكومة بذلك، مع المقارنة بين جونسون وترمب بشأن تعهداتهما في خلافات التجارة ثم التراجع بسهولة عن تلك التعهدات.

فوائد متواضعة

ورغم فورة الدعاية المكثفة لأنصار الـ"بريكست" حول الفوائد الجمة التي يمكن أن يجنيها الاقتصاد البريطاني من اتفاق تجارة حرة مع الولايات المتحدة بعد الخروج من أوروبا، لا تبدو الأرقام في أفضل السيناريوهات واعدة تماماً.

في عام 2018 بلغ حجم التجارة بين بريطانيا والولايات المتحدة في السلع والبضائع 127.1 مليار دولار بميزان معتدل بين الطرفين تقريباً تصديراً واستيراداً، بينما بلغ حجم التجارة في الخدمات في ذلك العام 134.8 مليار دولار.

وبحسب أفضل السيناريوهات لاتفاق التجارة الحرة المتوقع بين البلدين، فإن الإلغاء الكامل للتعرفات والرسوم لن يضيف أكثر من بضع مليارات دولار لتلك الأرقام السابقة. ليس ذلك فحسب، بل إن آخر دراسة بريطانية حكومية لاتفاق التجارة مع الأميركيين توقعت أن يؤدي إلى زيادة في الناتج المحلي الإجمالي البريطاني ما بين 0.07 و1.68 في المئة على مدى 15 عاماً بحسب تفاصيل الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه.

وهذا ما جعل عدداً من المعارضين لـ"بريكست" والمنتقدين لحكومة بوريس جونسون يعتبرون تلك الفوائد من أفضل اتفاق تجارة حرة مع الأميركيين، متواضعة جداً، مقارنة بما هو متوقع من انكماش في الناتج المحلي البريطاني نتيجة أزمة الوباء مثلاً، ناهيك بتبعات "بريكست" على الاقتصاد.

المشكلة مع أوروبا

ورغم أن مسار التفاوض مع الأميركيين يختلف عن مسار إتمام اتفاق الـ"بركست" مع الاتحاد الأوروبي، فإن المسارين مترابطان بشكل أو بآخر، ليس فقط بالنسبة إلى بريطانيا، فقبل الإعلان عن إطلاق المفاوضات بين لندن وواشنطن بيوم، طالبت غرفة التجارة الأميركية الحكومة البريطانية، يوم الاثنين، بالإسراع في إنجاز اتفاق تجارة مع الاتحاد الأوروبي لإزالة عدم اليقين بشأن مناخ الاستثمار في المملكة المتحدة.

وذكرت الغرفة أن المستثمرين الأميركيين ضخوا أكثر من ثلاثة أرباع تريليون دولار (750 مليار) قبل تصويت بريطانيا على الخروج من أوروبا. وكان ذلك على أساس أنها جزء من السوق الأوروبية المشتركة، أما الآن، فإن عودة الاستثمارات الأميركية بكثافة إلى بريطانيا مرهون بشكل علاقتها مع أوروبا.

وبسبب أزمة وباء كورونا وزيادة عدم الثقة الأوروبية في تعهدات المسؤولين البريطانيين لا يبدو أن المفاوضات بين لندن وبروكسيل تحقق إنجازا كبيراً. ثم إن بريطانيا تريد اتفاقاً مع أوروبا أوسع من كونه تجارياً، إذ تريد الاستفادة من تعاون أمني ومعلوماتي وغيره من الجوانب التي يتردد بعض الأوروبيون في مشاركتها مع البلد الذي أصبح خارج الاتحاد.

وحتى على الصعيد التجاري، فالاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الرئيس لبريطانيا وبفارق كبير عن الولايات المتحدة التي تعد الشريك الثاني، بينما بريطانيا الشريك التجاري السابع لأميركا بعد كوريا الجنوبية مثلاً.

وتمثل صادرات بريطانيا لدول الاتحاد الأوروبي 45 في المئة من إجمالي صادراتها بينما تستورد من دول أوروبا ما يصل إلى 53 في المئة من إجمالي وارداتها، وفي المقابل لا تزيد صادرات بريطانيا للولايات المتحدة على 19 في المئة والواردات عن 11 في المئة.

لذلك يتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي البريطاني 4.9 في المئة حتى في حالة اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، أما في حالة اكتمال الـ"بريكست" من دون اتفاق بنهاية العام فسيكلف ذلك الاقتصاد البريطاني انكماشاً بنسبة 7.6 في المئة. ولا مجال للمقارنة بالفوائد من أفضل اتفاق تجارة حرة مع الأميركيين لن يضيف سوى أقل من 2 في المئة للناتج المحلي الإجمالي البريطاني.

المزيد من اقتصاد