Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تداعيات عاصفة أسعار النفط في الحقل الأميركي

 تداعيات الأزمة الصحية مؤقتة لكن انعكاسات تحطم الخام الأميركي مرشحة للامتداد

منشأة لتخزين النفط في مدينة هيوستن في ولاية تكساس الأميركية (أ. ف. ب.)

إذا أردت أن تتيقن من تأثير فيروس كورونا في الاقتصاد في الولايات المتحدة، انظر إلى أسعار النفط الخام الأميركي، إذ تراجع خام غرب تكساس الاثنين الماضي لأول مرة في التاريخ إلى ما دون الصفر، واضطر التجار الذين لم يعد لديهم مكان للتخزين إلى دفع 37 دولاراً للمشترين مقابل كل برميل للتخلص مما لديهم وهو أمر لم يحدث من قبل في سوق العقود الآجلة. وعلى الرغم من عودة السعر إلى الارتفاع الثلاثاء ليتجاوز العشرة دولارات لشحنات تسليم مايو (أيار) المقبل، إلا أن هذا السعر يُعد أقل بنسبة 84 في المئة عن آخر ارتفاع له في يناير (كانون الثاني) الماضي، كما تراجع سعر شحنات يونيو (حزيران) 2020 إلى ما دون 12 دولاراً، كما انخفض سعر خام برنت وهو سعر القياس في أوروبا وبقية دول العالم بمعدل 26 في المئة ليصل إلى 19 دولاراً للبرميل وهو أدنى مستوى له منذ عام 2002.

وعلى الرغم من أن التقلبات الشديدة في سوق النفط عادةً ما تصاحب نهاية فترة التعاقدات أي يوم 21 من كل شهر بالنسبة للخام الأميركي، إلا أن المحللين النفطيين يحذرون من أن هذا الانخفاض يؤشر إلى أن أسواق النفط محطمة تماماً بسبب تراجع الطلب الناتج من سياسات إغلاق الاقتصاد الأميركي والعالمي، فضلاً عن التخمة النفطية في الأسواق، ما أدى إلى تراكم المخزونات، فيما يحذر خبراء اقتصاديون من أن تأثيرات النفط الرخيص قد تكون أكثر وطأة في الاقتصاد الأميركي من تأثيرات فيروس كورونا والتي ستنتهي عاجلاً أم آجلاً.

خلل شديد

ويشير ستيوارد جليكمان المحلل النفطي في شركة سيفرا للأبحاث، إلى أن صدمة الطلب كانت هائلة بحيث عصفت بأي شيء يمكن أن يتوقعه الناس، فيما ذكرت وكالة بلومبرغ أن هذا التطور المذهل في أسعار النفط الأميركي، يكشف عن خلل شديد في طريقة عمل العقود الآجلة، وأظهر حقيقة أساسية حول سوق النفط في عصر الفيروسات المتزامن مع حرب الأسعار بين المنتجين.

ومنذ أن بدأت التخمة النفطية في الأسواق، تراجعت الأسعار، وسارعت منشآت التخزين في تعبئة النفط وإضافته إلى مخزوناتها، حيث ارتفع في كوشينغ بولاية أوكلاهوما، وهي نقطة التخزين الرئيسية للخام الأميركي في الولايات المتحدة بنسبة 48 في المئة ليصل المخزون إلى 55 مليون برميل منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، بينما تبلغ سعة هذه المخازن 76 مليون برميل وفق معلومات وزارة الطاقة الأميركية.

ترمب يحاول الإنقاذ

الرئيس الأميركي دونالد ترمب طرح فكرة لحل المشكلة، ما زالت قيد الدرس، تتمثل في شراء 75 مليون برميل من النفط لإضافتها إلى الاحتياطي الاستراتيجي للولايات المتحدة، والاستفادة من الانهيار غير المسبوق في أسعار النفط  في الأسواق بالتوازي مع حظر استيراد الولايات المتحدة للنفط من الخارج. كما دعا إلى إعادة فتح شرايين الاقتصاد الأميركي معتبراً أن ذلك هو أفضل أداة تساعد على زيادة أسعار النفط الخام في الولايات المتحدة.

ويشير مراقبون إلى أن تحرك الإدارة الأميركية التي تشعر بالقلق حيال التأثير المضاعف لإفلاس شركات النفط قد يكون عبر دفع أموال لشركات النفط كي تحافظ عليه تحت الأرض مؤقتاً بدل استخراجه وزيادة المعروض في السوق، بهدف الانتظار إلى حين تعافي الأسعار، ما يمنح وزارة الخزانة الأميركية ربحاً جيداً، وفي الوقت ذاته تحمي المنتجين من الخسارة. إلا أن بعض المحللين في مجال الطاقة، اعتبروا أن مفهوم "النفط السلبي" الذي استخدمه ترمب في المؤتمر الصحافي الذي عقده الاثنين، أمر نظري أكثر من كونه يرتبط بالواقع العملي، فعلى الرغم من أنه يشير إلى أن البائع يتعين عليه أن يدفع للمشتري أموالاً كي يقبل بالحصول على شحنة فعلية من النفط، إلا أنها تُعد صفقة ورقية تتم عبر الأدوات المالية التي تحكم العقود الآجلة للنفط.

وسواء كانت صفقة ورقية أم لا، فإن تراجع الأسعار إلى ما دون الصفر عند نقطة ما، هو أحد أعراض مشكلة حقيقة تتمثل في تراجع الطلب على المنتجات النفطية من البنزين إلى وقود الطائرات مع تزايد مخزون تلك المادة الحيوية.

منع الاستيراد غير عملي

ويقول خبراء الطاقة في الولايات المتحدة إن أفكار الإدارة الأميركية لشراء المزيد من المخزون الاستراتيجي أو منع استيراد النفط من الخارج لن تكون فعالة من الناحية العملية، حيث يقول ستيوارد جليكمان من شركة سيفرا للأبحاث، إن "مصافي البترول تتعامل مع شرائح وأنواع محددة من النفط الخام ولهذا لا يمكن ببساطة منع الخام المستورد من الخارج واستبداله بالخام الأميركي بسبب وجود اختلافات في كثافة الخام ومحتوى الكبريت فيه، ولهذا لا تستطيع المصافي معالجة النفط المستخرج من الأراضي الأميركية".  

ويضيف جيم بوركارد، رئيس أبحاث أسواق النفط في مؤسسة "آي إتش سي"، إن "الأفكار المتداولة لدى الإدارة الأميركية لفرض تعرفة جمركية على النفط الخام الخارجي لن تفعل شيئاً لعلاج المشكلة الأساسية، كما يؤكد جليكمان أن منتجي النفط الأميركيين يحتاجون إلى أن تزيد الأسعار عن 20 دولاراً للبرميل كي يتمكنوا من تغطية تكاليف عمليات الإنتاج اليومية، ولكي تجني صناعة النفط الأميركية أرباحاً في المستقبل بعد ضخ استثمارات في عمليات الاستكشاف وتطوير المعدات، فإن الأسعار يجب أن تتخطى مستوى 40 دولاراً للبرميل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


النفط الأميركي بخطر

من جهة أخرى، حذر باتريك ديهان، رئيس وحدة تحليل البترول في مؤسسة "غازبادي" من أنه "إذا لم تستعد أسعار الخام الأميركي استقرارها، فإن قطاع الطاقة الأميركي لن يتمكن من استعادة مكانته وعافيته، وكلما ظلت أسعار النفط منخفضة، زاد الخطر من أنه لن يتمكن من العودة للإنتاج كما كان في الماضي حتى مع عودة الاقتصاد الأميركي للعمل بكامل طاقته وارتفاع الطلب على النفط من جديد".


تأثيرات النفط الرخيص

وقال جورنار تونوجين رئيس وحدة أسواق النفط في مؤسسة ريستاد للطاقة، إن الأثر الذي سيخلفه النفط الرخيص سينعكس على الاقتصاد  ككل حتى عندما يكون النفط بسعر 20 دولاراً، فإن 533 شركة متخصصة في التنقيب عن النفط وإنتاجه ستُقدِم على إعلان إفلاسها بحلول نهاية عام 2021 إذا استمرت الأسعار عند هذا السقف.

ونبّه مايكل موبس، الرئيس التنفيذي في شركة الاستشارات المالية موبس، إلى أن "استمرار انخفاض أسعار النفط قد يقود إلى مزيد من خفض أسعار الفائدة الأميركية التي تُعد الآن في أدنى معدلاتها تاريخياً، ما قد تكون له تداعيات سلبية على البنوك، ويزعزع استقرار الأسواق المالية التي ضربها فيروس كورونا قبل أسابيع، وبالتالي سيكون ذلك بمثابة ضربة مزدوجة للاقتصاد الأميركي".

تداعيات سلبية

وأكد الخبير بوركارد أن "الاستثمار في النفط والغاز الأميركي تنامى بشكل كبير وأصبح مصدراً مهماً للاستثمار والتوظيف في الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، وبالتالي فإن انخفاض الأسعار وتراجع الاستثمارات في هذا القطاع سيولدان تداعيات سلبية على الاقتصاد الأميركي ككل.

في الوقت ذاته، اعتبر دانييل تشاو، كبير الخبراء الاقتصاديين في شركة غلاسدور المعنية بالتشغيل والتوظيف، أنه "على الرغم من أن الوظائف في مجال الطاقة ستكون هي قطعة الدومينو الأولى التي تسقط بخاصة بين المنتجين الأصغر حجماً، وبين من لا يستطيعون تحمل الانكماش الاقتصادي المستمر في الاقتصاد الأميركي، إلا أن مزيداً من قطع الدومينو ستتساقط تباعاً، حيث ستكون هناك آثار مباشرة في الشركات المتعاملة مع قطاع النفط بدءاً من مبيعات السيارات وانتهاءً بالعقارات".

أما بيتر ماكنالي، رئيس قطاع الطاقة في شركة "ثيرد بريدج"، فيرى أن "الأمر لا يقتصر على حفر آبار النفط والشركات المنتجة، بل يمتد إلى خطوط الأنابيب والمصافي والبتركيماويات وخدمات حقول النفط، وستكون هناك آثار اقتصادية أوسع بكثير هذه المرة قد تشمل جميع الصناعات الأميركية".