Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل نجم الكوميديا الفرنسية فيليب ناهون في "زمن الفراغ الكبير"

انضم إلى قائمة ضحايا كورونا وجنازة افتراضية لتوديعه

رسبورغ)فيليب ناهون (من موقع مهرجان ستا

نهاية مأساوية أغلقَت فصول الكوميديا لدى الممثل الفرنسي العالمي فيليب ناهونPhilippe Nahon، مسدلةً الستار على آخر مشهدٍ في حياته حيث توفي في باريس يوم الأحد 19 أبريل (نيسان)الجاري بعد صراعه مع مرضٍ طويل فاقمت أعراضه إصابته بعدوى فيروس كورونا.

هزّت فاجعة رحيل ناهون عن عمر يناهز الـ81 سنة، الأوساط الثقافية والفنية في المجتمع الفرنسي الذي ما زال يقبع تحت قوانين الحجر الصحي القاسية ويعاني من آثار التباعد الاجتماعي القسري. لقد كان خبراً قاسياً في وقتٍ يحاول فيه الفرنسيون اختراع الأمل بأية طريقة تبعدهم عن الموت المتربّص بهم في كل مكان. فها هو كورونا يخطف منهم تاريخ ضحكهم ويقتل الكوميديا التي جسّدتها شخصية ناهون في السينما والتلفزيون في الستين عاماً الماضية.

الفرنسيون أقاموا جنازته افتراضياً

منذ أعلنت زوجة ناهون خبر وفاته ظهر يوم الأحد الفائت، انشغلت جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في فرنسا برثائه بكلماتٍ وأصوات أثقلها الأسى والألم. وتشهد عناوين الأخبار بالخط العريض مدى الحزن العميق المرتبط برحيل ناهون الذي استسلم  للأسف أمام الفيروس اللعين، بينما تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه الجنازة الافتراضية المزدحمة بصور الراحل، كبديل عن تلك التي لن تحدث على أرض الواقع في ظل الظروف الراهنة. وبالفعل، قام مشاهير وشخصيات الوسط الفني بتقديم وداعٍ يليق به وبرثائه واستحضار بعضاً من الذكريات معه والعديد من مميزاته التمثيلية والإنسانية.

ضمن أبرز ما نُشر تتصدّر Liberation الأخبار في نقلها لرسالة المخرج السينمائي الفرنسي جاسبر نوي التي كتبها ينعي ناهون ويعزّي نفسه والوسط الفني والمشاهدين في جميع أنحاء فرنسا بهذا الفقدان العظيم. وجاء في مقطعٍ منها: "فيليب، صديقي العظيم، علمت للتو أنك مت، أنك لن تكون هنا، أن ذاكرتك وحياتك انصهرتا في الفراغ الكبير، حيث لم يعد هناك معنى، لا الزمان ولا المكان. لن أحظى بفرصة طيبة لمعانقتك، مثل شهر مضى، عندما بدأ الحظر العام".

ووصف نوي الوضع العام في باريس في ظل الحظر، فكتب: "لقد جعل عدو غير مرئي مدينتنا جنة شريرة وغريبة. ننام. نأكل. ما زلنا ننام. نتابع الأخبار. نعدّ المرضى. نحسب أعداد القتلى. واليوم يضاف اسمك إلى هذه القائمة الطويلة المستمرة بالنمو".

ثم أضاف مخاطباً ناهون: "في هذه الأيام القليلة الماضية، ربما تكون قد لاحظت كيف أن شوارعنا فارغة. وتحت الشمس، يخاف الناس من الحاضر والمستقبل. هذا الفيروس غير الحي الذي يتغذّى على حياة الآخرين قد شقّ طريقه إلى جسمك الذي كان ضعيفاً بالفعل بسبب أمراض أخرى، وقد حملك بعيداً، آمل في أن لحظاتك الأخيرة كانت حلوة. في بعض الأحيان تجلب مسكنات الألم السلام الذي لن تجده من دونها. في الوضع الحالي، لم يكن هناك عناق وداع أخير، كان عليك أن تذهب بمفردك. لا جنازة ولا مراسم دفن. لن أتمكّن من البكاء مع أحبائك. في الوقت الحالي، سيحزن الجميع بمفردهم وبأفضل ما يستطيعون".

كذلك تناقلت صحف ومواقع إخبارية فرنسية عدة تغريدة الممثل والمخرج والكاتب السينمائي والمسرحي الفرنسي ألكسندر أستر على حسابه عبر التويتر قال فيها: "أستكشف بحزن شديد رحيل فيليب ناهون، كل أفكاري له... اللعنة... إنه أمر محزن". مع العلم أن حوالى 2.4 مليون متابعٍ أعادوا نشر التغريدة ذاتها التي حصلت على 13.7 ألف إعجاب فور نشرها.

ونشرت مجلة SO Film عبر حسابها على فيسبوك خبر رحيل الممثل العظيم بعبارة أكاديمية تقيّمه فنياً، مشيرةً إلى أنه واحد من أهم الوجوه والشخصيات الإشكالية في السينما الفرنسية، وإن رحيله يسبّب قلقاً وفراغاً كبيراً للشاشة الكبيرة. واللافت بالفعل إلى أن ما يفوق الـ 1200 شخص قد شاركوا الخبر ونقلوه إلى صفحاتهم الخاصة بعد نشره بوقت قليل، في حين تضمّنت التعليقات صوراً لناهون في الكثير من أعماله السينمائية والتلفزيونية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أيقونة لدى جيل كامل من صانعي السينما

بدأ فيليب ناهون مشواره التمثيلي على خشبة المسرح لينطلق نحو السينما والتلفزيون متحولاً إلى ورقة جوكر رابحة في الأدوار المساعدة والداعمة للعديد من السيناريوهات، ومبتعداً في معظم الأحوال عن أدوار البطولة الرئيسية.

وبعد أن حصل على أول دور له في فيلم Le Doulos عام 1961 بتعاونه مع المخرج والسيناريست جان بيير ميلفيل، قرّر ناحون العمل في السينما الملتزمة والهادفة متأثّراً بالتيار الثوري الذي ساد فرنسا في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، فأسس بهذا منهجه الخاص الذي تبدّى في فيلمي "Les Camisards" عام 1970، و"Le pull – over rouge" عام 1979.

برع ناهون في أدوار الشخصيات البروليتارية التي استطاع تحويلها إلى أنماط بحد ذاتها ارتبطت باسمه طيلة عقود لاحقة. ويعتبر تعاونه الفني مع المخرج السينمائي جاسبار نوي والجيل الشاب من مخرجي التسعينيات مثل جاك أوديار وماثيو كاسوفيتز، حيث أصبح رمزاً و أيقونة بالنسبة لهم، الحد الفاصل في حياته المهنية. لقد آمنوا بقدراته على الأداء المتنوع، الملتزم والواعي، فأسندوا إليه ذلك النوع من الأدوار الرئيسية والإشكالية الذي يحتاج إلى قراءة فاحصة وأداء عالي المستوى، ومن أهمها دوره كجزار عنصري ومزعج ويائس كلياً في فيلم الرعب الدموي Carne عام 1991، ثم في الجزء الذي يليه بعنوان Seul contre tous عام 1998 وهما من إخراج جاسبار نوي.

مع تبلور شخصيته التمثيلية خلال العقود الماضية، استحقّ فيليب ناهون أن يُسلّط الضوء على تجربته في عالم الفن الفرنسي، وهو ما تنبّه إليه السيناريست والمخرج أرنود كافاكس الذي صوّر فيلمه الوثائقي "فيليب ناهون: من الممثل الصنم إلى الأيقونة" عام 2005، ليتحدّث عن هذا الممثل الرمز بشهادات شركائه وزملائه الأوائل من صانعي الأفلام.

52 دقيقة حاول فيها كافاكس أن يرسم صورة شخصية ناهون التي لم تكن معروفة لعامة الناس حتى منتصف مشواره المهني. إنها صورة لشخص ملتزم، أيقونة بكل ما تحمله الكلمة من المعنى، شكّلت دافعاً وهاجساً لجيل كامل من رواد السينما الفرنسية.

ولربما تكون مفارقة يصعب على البعض تصديقها أو استيعابها أن هذا الممثل الكوميديان الذي أضحك ملايين الفرنسيين هو ذاته الشرير والمخيف في أفلام العنف والرعب. لكنها مفارقة تؤكّد تميزه وامتلاكه الأدوات الحقيقية التي يتطلبها أي ممثل عظيم، فإبداعه في الأداء الكوميدي لم يمنعه من الإبداع في أدواره الأخرى التي وضع فيها طاقات وأدوات فنية مختلفة عما تتطلبه الكوميديا.

كذلك وعلى الرغم من تمثيله في المسلسلات التلفزيونية والدوبلاج الصوتي في أعمال الرسوم المتحركة، ظلّ إخلاصه الحقيقي للشاشة الكبيرة التي قدّمته لفرنسا والعالم، حيث كانت إطلالته الأخيرة عبرها في العام 2019 في فيلم Fornacis .

ماذا لو!؟

في محاولة لتغيير السيناريو، نتخيّل لو أن ناهون قد مات في ظروف طبيعية لا تشبه هذه التي يعيشها الناس اليوم في جميع أنحاء العالم، ونتصوّر كيف كان سيحظى بجنازةٍ مهيبة تليق بقامته وأرشيفه الإبداعي! وكيف سيلقي أحبّته بقبلاتهم على جسده الراحل نحو مثواه الأخير! كان السيناريو ليكون عادلاً أكثر ومنطقياً أكثر بالنسبة له ولحوالى 18000 فرنسي آخر سرقهم شبح "كورونا".

وفي المحاولة ذاتها، لكن من زاوية أخرى نسأل: ماذا لو مات ناهون بغير عدوى فيروس كورونا؟ هل كان خبر وفاته سيلقى ذات الصخب الإعلامي والشعبي الحاصل؟ الجواب بكل تأكيد نعم، فهذا ما يستحقّه من دون شك.

المزيد من فنون