Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من "حاجز" ماركر إلى "قرود" غيليام... ما بعد نهاية العالم

الشاشة ترصد الكارثة ومحاولات البقاء بعد الدمار الشامل

من مشاهد "12 قردا" لتيري غيليام (اندبندنت عربية)

ربما بسبب نجاحه التجاريّ الكبير، وربما لأن نجمه الرئيسي بروس ويليس عُرف دائماً بكونه نجم شبّاك من الطراز الأول وممثل أدوار عنف لا يُشقّ له غبار، ولكن ربما أيضاً لأنه في نهاية الأمر فيلم خيال علمي من النوع الذي يرصد الكوارث ويتحدّث عما بعد الكارثة، والذي ستكون عليه الأمور بعد كارثة "نهاية العالم"، بالكاد نظر النقاد ومؤرخو السينما في بداية الأمر بعين الجدية إلى فيلم "اثنا عشر قرداً" للمخرج الأنغلو ساكسوني تيري غيليام، وذلك رغم رصيده المعتبر من أفلام عُدّت إلى حد ما "أفلام مؤلف"، وفي بعض الأحيان أفلام تسخر من الأنواع الشعبية الرائجة.

لكن، لاحقا، قليلاً قليلاً، وإذ تنبه أهل السينما إلى أن الفيلم مأخوذ في الأصل، وإن كان بتصرف جعل الملامح الأصلية تختفي، عن فيلم متوسّط الطول لواحد من غلاة المؤلفين الحقيقيين في تاريخ السينما الأوروبية، كريس ماركر، أعلنوا دهشتهم، ثم راحوا يستوعبون الفيلم بحيث سرعان ما بات من حينها فيلماً مبجّلاً لا يتوانى غلاة الهواة عن اعتباره "فيلماً كبيراً".

أمّا الفيلم الذي نشير إليه هنا، من بين أعمال كريس ماركر فهو "حاجز الماء" (أو "الرصيف") الذي يمكن اعتباره على أي حال نيزكاً غريباً في سينما صاحب "عمق الريح أحمر اللون" وغيره من أفلام الستينيات والسبعينيات النضالية الوثائقية، التي جعلت من ماركر واحداً من كبار مخرجي اليسار السينمائي في العالم.

مهما يكن من أمر، لا بدّ من أن نذكر هنا أن "حاجز الماء" كان بالكاد يُذكر عند الحديث عن فيلموغرافيا ماركر، وذلك حتى اللحظة التي شاع فيها الربط بينه و"فيلم بروس ويليس". منذ ذلك الحين عاد الفيلم يُشاهَد من جديد وتنبه كثر، من الهواة خصوصاً، أن في إمكان مؤلف سينمائي مفرط في جدّيته أن يحقق فيلماً خيالياً مفرطاً في غرائبيته بل حتى غيبيته.

و"حاجز الماء" هو فيلم بالغ الجدية يحاول فيه مخرجه وخلال 28 دقيقة، أن يخوض سينما تجريبية قائمة على استخدام الصور الفوتوغرافية، كي يحكي قصة تبدو صورتها ثابتة، باستثناء ما يحدث من تحرّك في لقطة واحدة. ومن هنا وصف ماركر فيلمه بكونه "قصة مصورة" من النوع الذي كانت له مجلات ومطبوعات خاصة انقضى زمانها اليوم. مع العلم أن ثمة راوياً يتحدّث طوال مرور الصور بالأسود والأبيض.

ذكريات الطفولة الملحة
وما هذا الراوي سوى رجل يستعيد أمام الصور ذكرى محددة من ذكريات طفولته. يوم كان دائماً ما يذهب مع والديه إلى مطار أورلي غير بعيد من باريس. وهناك سينطبع فتانا إلى الأبد بذكرى محددة. أشبه برؤيا: صورة رجل يموت أمام امرأة ستبقى صورتها مطبوعة في نظراته. صورة ملامحها التي لن تغيب بغيابه، على الأقل عن ذاكرة الفتى الذي لن يفهم مما حدث أمامه شيئا.

لكن الحرب العالمية الثالثة سوف تندلع بعد ذلك، لتمحو كل شيء ما عدا الذاكرة. لقد دمّرت تلك الحرب باريس، وأجبرت من تبقّى من سكانها على اللجوء إلى أقبية وطوابق سفلى بعدما امّحى كل شيء من على وجه البسيطة. والراوي الذي كان قد لجأ إلى أسفل قصر شايو، سيُجرى اختياره من قِبل العلماء كي يُرسل إلى الماضي وربما إلى المستقبل أيضاً ليتصل بأهل الأزمنة الأخرى كي يمدّوه بالأغذية والأدوية، وبما يحتاجه سكان الحاضر المرتعبون في مخابئهم.

ولهذه الغاية يُجري العلماء على الراوي تجارب علمية، إذ تبيّن لهم أنه من دون غيره، قادر على أداء المهمة بنجاح. وهكذا يقوم صاحبنا برحلات مكوكية بين الحاضر والماضي وصولاً إلى المستقبل. وهو يلتقي خلال تجواله في الماضي أماكن باريسية كانت تعني له الكثير، لكن أيضاً يلتقي المرأة التي تشغل ذكرياته، كما يحدث له أن يلتقي بعضاً من أهل المستقبل، لكنه في خضم نشاطه، كان يعرف تماماً أن العلماء سوف يتخلصون منه بعد إنجازه مهمته، وذات لحظة حين يبدو له ذلك المصير محتماً يطلب من العلماء ذوي السلطة أن يعيدوه إلى تلك اللحظة التي استبقت الحرب مباشرة، أي لحظة وجوده في مطار أورلي وصورة الرجل الميت وملامح المرأة الأزلية، وإذ يفعلون ويعود ليلتقي امرأة ذكرياته ستتطوّر الأحداث بحيث تُقتل المرأة، ويدرك هو أن ما اختزنته ذاكرته إنما كان صورة مسبقة لموته هو بالذات.

من الذاكرة إلى التكنولوجيا
من الواضح أنّ فيلم كريس ماركر التجريبي هذا كان فيلماً عن الموت والذاكرة، وعمّا يبقى منا بعد الكارثة، بعد النهاية. والسؤال هنا: ما الذي بقي من هذا الفيلم الفلسفي، على يد السينما الشعبية التجارية التي أنتجت "12 قرداً"؟

أشياء كثيرة في الواقع، لكن ناقصة الأعماق الشاعرية والفلسفية التي طبعت الفيلم الأول. ولئن كانت هناك "تجريبية" يتسم بها فيلم غيليام، فما هي سوى تلك المتعلقة بالتجارب العلمية التي يقوم بها العلماء في ظروف مشابهة، إنما على أبعاد أكثر اتساعاً بكثير من تلك التي يعيشها راوي فيلم "حاجز الماء". ففيلم الخيال العلمي الأميركي "استعار" من الفيلم التجريبي الفرنسي، تلك الحبكة التي لن تعود إليها بالذاكرة والتأمل الفلسفي وأسئلة الكارثة والدمار الشامل، سوى علاقة واهية، أو لنقل علاقة حدثية لا أكثر، بل حتى الحدث سيكون مختلفاً.

ففي "12 قرداً" الذي سيبدو لنا في نهاية المطاف أقرب إلى أوضاعنا العالمية الراهنة تحت تأثير فيروس كورونا وبسببه، لدينا ذلك الفيروس الذي "أُنتج" علمياً في العام 1996 ليمحو كل حياة إنسانية ونباتية وحيوانية من على سطح الأرض، باستثناء قلة من ناجين تمكنت من الهرب لتعيش في ملاجئ تحت الأرض. ولاحقاً في العام 2035، إذ يتبيّن أن من أنتج الفيروس ونشره مجموعة تسمّى "مجموعة القرود الاثنتى عشرة"، يتم اختيار المدعو جيمس كول السجين المقيم في مجمع تحت أرض فيلادلفيا وأطلالها، كي يدربه العلماء ويعدّوه ليسافر إلى الوراء في الزمن بغية العثور على الفيروس، وتمكين العلماء بالتالي من العثور على ترياق ولقاح له، للحفاظ على من تبقى من البشر. أمّا كول فإنه يهجس، كما حال راوي "حاجز الماء"، بذكرى حدث يتضمّن مطاردة وإطلاق نار في مطار غير محدد. بيد أن هذه الذكرى تعود إلى العام 1990 لا إلى عام حدوث الكارثة 1996.

ويليس ضد كريس ماركر
طبعاً، سوف تختلط الأمور هنا وتتزاحم الأزمنة، وسوف يحاول كول أن يُفهم العلماء أن حادثة الفيروس تعود إلى عشرات من السنين، وأن ليس في الإمكان اليوم محو ما حدث أو إحداث أي تبديل فيه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن، العلماء لا يقتنعون ما يحوّل الفيلم هنا إلى سلسلة من مطاردات عابرة الزمن، من بين لحظاتها المهمة أن كول يجد نفسه ذات لحظة مشاركاً في الحرب العالمية الأولى، إذ يصاب برصاصة في رجله ويجد نفسه على إثرها وقد أفاق في العام 1996 ليلتقي الطبيبة كاترين رايلي التي كانت شخّصت مرضه نفسانياً في العام 1990، وأمرت بوضعه في مصح عقلي! وخلال تلك الفترة يتدخل الدكتور بيترس ليحدد أن العلة كلها ناتجة عن تطاول الإنسان على البيئة، ما يحوّل الموضوع من ذاكرة زائد فلسفة إلى موضوع ذاكرة زائد بيئة وتكنولوجيا. لكن النتيجة واحدة في الحالتين: نحن أمام نهاية للعالم تسببنا بها بأنفسنا، ولا بدّ من أن نعثر على خلاص خارج إطار انتظار أي معجزة!

صحيح، أن هذا الفيلم يحاول دراسة الذاكرة وعلاقة الإنسان بفنائه المحتمل، لكن تشعّب الأحداث هنا و"الخبطات" المسرحية، ومن بينها اكتشاف كول علاقة الدكتورة كاترين بجماعة "القرود" على سبيل المثال، يفقد هذا الفيلم جوهره الفكري، بل حتى تسلسله الحدثي، غير أن ذلك لم يفقده نوعاً من سحر طبعه، وجعله واحداً من الأفلام "المبجّلة" بدوره. بل فيلم يعود الهواة إليه من جديد كلما طرأ حدث عالمي كارثي أو غير كارثي، مثل ذاك الذي نعيشه اليوم، حتى وإن كان الناس يميلون إلى تناسي ذلك الفيلم الشاعري العميق الذي كان وراءه. ففي معادلة تدفع إلى الاختيار بين كريس ماركر وبروس ويليس، ليس من الصعب التنبؤ بمن سيكون الغالب!

المزيد من ثقافة