Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخرافات شريكة العزلة في زمن الكورونا

مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي يتبادلون نصائح العطارين لتجنب الفيروس... و"مشاركة" الفيديوهات ذات المحتوى المزعوم الأكثر تداولاً

كورونا جعل فيسبوك أحد مصادر الخرافة في زمن الوباء  (أ.ف.ب)

ساعات الحظر أو الحجر أو العزل طويلة جداً. وتطبيق مبدأ إعادة الأنشطة التي تمارس على سبيل درء الملل مراراً وتكراراً لا يسمن من ضجر، ولا يغني من تفجر خناقات منزلية بحكم التقارب غير المعتاد. شاشات التلفزيون لا تحظى بإقبال شديد من قبل كثيرين. يبدو أن فضيتها لم تعد تجذب كثيرين، ومحتواها لم يعد يلقى اهتمام الباحثين عن المشاركة بديلاً عن المشاهدة.

"هل شاهدت ما أرسلته لك على "واتساب"؟". "شاهدت فيديو الأطباء في إيطاليا وهم يطلبون مساعدة جيرانهم للاهتمام بأطفالهم". "لا أرسلت لك فيديو أغنية خليجية لمواجهة كورونا". "سأشاهدها الآن. وأرسلت لك رسالة صوتية جاءت إليّ، يبدو أنها من بريطانيا تحتوي على أحدث الإرشادات للحماية من كورونا".

رسائل متواترة

الرسائل المتواترة من غرفة الجلوس إلى السفرة بين خالد، 45 عاماً، وزوجته نهى، 40 عاماً، تقول الكثير عما يجول داخل البيوت المتبعة قواعد الحظر. الضخ المعلوماتي الرهيب وصناعة المحتوى المريع على منصات التواصل الاجتماعي، الدائرتان رحاهما حالياً يقولان الكثير عن التغيرات الكبرى للاستخدامات الشعبية للشبكة العنكبوتية في "زمن كورونا"، الذي يلقي بظلال وارفة لدرجة الهمينة والسيطرة على استخدامات الملايين القابعة في بيوتها.

ويخطئ من يظن أن الشاشات الشخصية إلى اندثار في هذا الوقت العصيب من تاريخ الكوكب. صحيح أن هناك من يتحدث عن تقارب أسري مفتقد أو معاودة اكتشاف للآخرين المشاركين البيت نفسه في ضوء الاضطرار لالتزام المنزل، إلا أن التقارب يجري بينما كل ممسك بشاشته، ومعاودة الاكتشاف تحدث دون أن يتخلى أحد عن استقلاليته المعلوماتية الممتزجة بتقارب جغرافي في البيوت التي نجم عنهما كمّاً هائلاً من المشاركات والنقاشات والسجالات العنكبوتية، مع تغيير واضح وملموس في وجهة المحتوى ودفة الاستخدام، بالإضافة لتغير جذري في معدلات الالتصاق.

خاصية "مدة استخدام الجهاز" على هاتف منى سليمان، محاسبة تبلغ من العمر 33 عاماً، وتعمل من البيت منذ أسبوع تشير إلى وصولها ذروة الاستخدام وبقائها هناك. 11 ساعة و45 دقيقة، حيث التواصل الاجتماعي ثماني ساعات، والإنتاجية 45 دقيقة، والقراءة والمراجع ثلاث ساعات. تقر وتعترف أن هذا هو الرقم القياسي الذي لم تحققه من قبل. ورغم أن البقاء على القمة صعب، لكن يبدو أنه سهل في "زمن كورونا". تقول، "لم أعد قادرة على التحكم في البحث والوجود على "واتساب" و"فيسبوك". أتصفح وأقرأ وأشارك وينتابني خوف وقلق رهيبان، فأعود لتكرار الكرة عشرات المرات".

تسويق إلكتروني

عشرات المرات يدق فيها سامح الزناتي، مسؤول تكنولوجيا المعلومات في شركة خاصة، ويبلغ من العمر 46 عاماً، ويعمل من البيت منذ أسبوع أيضاً. يقول الزناتي دون مخادعة أنه يمضي غالبية الساعات التي لا يكون خلالها نائماً أمام شاشة الكمبيوتر. يعمل حيناً، وينقب عن مجريات "كورونا" وإجراءاتها وتطوراتها وما يقال ويشاع عنها أحياناً. يبرر ذلك بقوله، "تحاول شركتنا حالياً أن تعوض الخسائر المتوقعة برقمنة جانب من الأعمال". يشرح مقصده، "مثلاً يوجد على الإنترنت العديد من المقالات والمواقع التي تقدم المشورة والنصيحة لمن يرغب من أصحاب الأعمال لبدء خطط التسويق لمنتجاتهم وخدماتهم عبر الإنترنت في ظل الإغلاقات المتواترة. وتم تكليفي بإعداد تصور لكيفية رقمنة قطاع التسويق في شركتنا، وهو ما يتطلب بقائي لساعات أمام الكمبيوتر".

ومن أمام الكمبيوتر أيضاً ترابط رنا سعيد، 20 عاماً، التي يفترض أنها تتابع دراستها الجامعية "أون لاين". لكن ما يحدث هو أن المتابعة الأكبر والمشاركة الأعظم من نصيب "تيك توك". تحلم الفتاة  أن تكون ممثلة تستغل الإنترنت غير المحدود الذي وفره والدها لها لتسيير عملية التعليم من البيت بعد تعطيل الدراسة لعمل فيديوهات درامية قصيرة لنفسها. مشهد مؤثر يمثل استقبالها لخبر قرار حظر التجول في مصر لتطويق كورونا، مقطع تمثيلي تقلد فيه الفنانة هند صبري في فيلم "الفيل الأزرق 2"، فاصل كوميدي ومعها شقيقاها يمثلون فيه أحد مشاهد "رد قلبي"، وهلم جرا.

 

 

العرف العنكبوتي

جرى العرف العنبكوتي منذ توسع القاعدة الشعبية المستخدمة لمواقع التواصل الاجتماعي في مصر قبل نحو عقد من الزمان أن يتلون المحتوى بألوان الظروف السياسية والأحوال الاجتماعية والمجريات الاقتصادية. أما حالياً، فإنه يتلون ويتشكل ويتطور في ضوء الوضع الفيروسي والتطور الوبائي، الذي يجبر الملايين على التزام البيوت يدفع بهم دفعاً نحو الشاشات الشخصية. استخدام مواقع التواصل الاجتماعي يشهد ولادة استخدامات جديدة وتوجهات غير مسبوقة. فبين ليلة عاصفة "منخفض التنين" التي ضربت مصر في 13 مارس (آذار) الحالي وضحاها، تفجر وضع الفيروس الذي كانت الملايين تعتقد أنه مبالغة أممية أو إلهاءات حكومية أو مدعاة للسخرية كما جرت العادة. لكن تفجر الوضع عالمياً، وأغلق العديد من الأعمال أبوابه وأبقت أخرى على غالبية العاملين في البيوت.

تعطل الدراسة أطلق العنان لتحول الملايين من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى خبراء أوبئة ومتخصصي مكافحة فيروسات ومؤرخين مجتهدين لتاريخ الأوبئة التي ألمت بالكوكب على مدار ما يزيد على مئة عام. ملايين أخرى اعتبرت نفسها في مهمة مقدسة حيث "شير في الخير" لنصائح طبية من "عم حسين العطار" وتوجيهات معملية من "أخ تهيمن سمات الإيمان على وجهه" أو "أخت تستحلف النساء بالله أن يتبعن الإرشادات التي وصلتها من أخت أخرى عبر البحار لمواجهة الفيروس بوصفة سحرية" لم تصل إلى مسامع منظمة الصحة العالمية، بالإضافة بالطبع إلى تداول وتشارك كم مذهل من الرسائل الصوتية العابرة للقارات، وبعضها بلغات مأهولة كالإنجليزية والفرنسية وأخرى بلغات نصف مأهولة كالإسبانية والإيطالية وثالثة برتغالية وبنغالية وتاميلية مصحوبة بترجمة عامية ما أنزل الله بها من سلطان.

سلطان السلاطين

وإذا كان النوم سلطان، فإن البقاء في البيت بأمر الفيروس سلطان السلاطين. "جروبات الماميز"، مجموعات الأمهات على "واتساب"، التي تهبد على مدار ساعات اليوم الـ24 منذ انتشرت كالنار في الهشيم قبل ثلاثة أعوام تقريباً، واعتبرها البعض ذات قوة قتل ثلاثية لأضلع العملية التعليمية: وزارة تعليم وأبناء ومعلمين غيرت نشاطها من الإفتاء في طرق التدريس وكيفية التلقين وتقويم أداء الوزير والوزارة إلى طرق الوقاية وكيفية التعقيم وتقويم أداء الدولة والوزراء فيما يختص بالفيروس.

الانتشار الفيروسي لمجموعات "واتساب" في زمن كورونا أدى إلى ولادة آلاف المجموعات المخصصة للفيروس، منها ما هو سياسي حيث أحزاب سياسية كرتونية تنشط في الأزمات لجمع الأصوات وتوزيع الكمامات شرط رفع الشارات المؤيدة للحزب والداعمة لتوجهاته الوطنية أملاً في اللحاق بركب الانتخابات المقبلة. ومنها ما هو اجتماعي بمسحة سياسية أيضاً، حيث عرض خدمات يتم تيسيرها لعمالة موسمية فقدت لقمة عيشها بسبب إجراءات مواجهة الفيروس أو عائلات تشكو الفقر أو المرض وعدم القدرة على الخروج لشراء احتياجات البيت في ظل حظر التجول الجزئي، وغيرها من الحالات الإنسانية التي تصحبها خدمات مذيلة بتوقيعات أشخاص يحلمون بمجلس النواب أو رجال أعمال تعرضوا للانتقاد لتقاعسهم عن تقديم العون المنشود في ظل هذه الظروف الصعبة.

ينابيع الخير

هذه الظروف الصعبة نفسها فجرت ينابيع خير حقيقية عبر مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً. عدد كبير جداً على "فيسبوك"، لا سيما بين الشباب والشابات، يعرض خدمات شراء الاحتياجات لكبار السن ممن يعيشون وحدهم، أو تقديم العون لمن يمر بأزمة صحية، أو يريد الانتقال من مكان لآخر في غير أوقات الحظر. هؤلاء يضعون أرقام هواتفهم المحمولة والمناطق التي يمكن أن يتحركوا فيها حسب محل السكن.

وأخيراً سكنت حدة الانتقادات التي كان يوجهها جانب من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على كل خطوة أو إجراء أو صورة أو خبر أو تصريح يصدر عن الحكومة، لا سيما وزيرة الصحة والسكان هالة زايد. حل القلق ومعه طوفان ابتداع وتشارك وتداول معلومات وأخبار ونصائح طبية وصحية محل الانتقاد السياسي والتنظير الإجرائي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ابن عمي

إجراءات الدق على زر الـ"شير" و"إعادة الإرسال" و"معاودة التغريد" لا تمر تقريباً بأي عمليات تدقيقية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فيديو لشخص ما في مكان ما يقسم بأغلظ الأيمان أنه شاهد في "المستشفى" (الذي هو في مكان أيضاً غير معلوم) آلاف الجثامين التي راح أصحابها بسبب الفيروس الملقاة على الأرض، وأن الوضع خطير جداً، يجرى تداوله على اعتبار أن صاحبه "ابن عمي" حيناً، و"صديق ابن عمي" حيناً.

وفي المقابل، فإن فيديو آخر لشخص آخر في مكان ما أيضاً ينبئ الجميع بأنه من موقعه هذا (غير المعلوم أيضاً) يمكنه أن يؤكد أن الفيروس يتقهقر وأن الخطر يتراجع. المثير أن الفيديو أيضاً يتم تداوله وتشاركه باعتباره "ابن عمي".

خرافات ونصائح

أبناء العموم والأخوال والأقارب والأصدقاء والمعارف والأصدقاء والجيران المتواصلون مع بعضهم البعض عنكبوتياً هذه الأيام يتداولون آلاف النصائح التي تتراوح بين "خلطة التعقيم المنزلية" و"خطوات الحفاظ على السلامة الذهنية واللياقة الرياضية"، و"وصفات الطعام لتقوية الجهاز المناعي"، و"قوائم الأفلام والمسلسلات المقترحة على نتفليكس"، و"أحدث ما توصل له الطبيب جون من علاجات للفيروس"، و"أسرار اللقاح الجديد الجاري تصنيعه في معمل تحت الأرض تابع للاستخبارات الفلانية". وبالطبع "سبل مواجهة البلاء بالرقية الشرعية" و"الأدعية الدينية" والصلوات الجماعية. ولا يخلو الأثير العنكبوتي كذلك من خلط الحابل بالنابل والروحانيات بالخرافات.

"طفلة ولدت في مستشفى المنوفية (وفي تدوينات أخرى الدقهلية وفي ثالثة الغربية) تكلمت بعد ولادتها بدقائق معلنة أن الفيروس سببه الابتعاد عن الله وكتابه العزيز ثم ماتت"، سرت كالنار المعلوماتية في هشيم مواقع التواصل الاجتماعي.

أسئلة ظاهرها اجتماعي وجوهرها ديني، أو بالأحرى ثقافي تدور في فلك، هل هذا الفيروس خير أم شر للمسلمين؟ ما الحكم الشرعي للاستهزاء بوباء "كورونا"؟ ما حكم المسلم الذي تعرض للتعقيم عن طريق رش الكحول؟ وغيرها الكثير من الأسئلة التي ترد إلى مواقع دينية بعضها رسمي مثل "دار الإفتاء المصرية" وبعضها أشبه بالزوايا غير المرخصة ولكن على أثير الإنترنت.

شعرة شافية

أثير الإنترنت كشف عن تداول وتشارك مليوني محموم للنصيحة التالية، "من يجد شعرة في المصحف في سورة البقرة أو سورة المائدة، فعليه أن يضعها في الماء ثم يشرب هذا الماء، وهذا خير علاج لـ"كورونا"". ويبدو أن الشعرة لم تفرق بين مسلم ومسيحي، إذ انتشرت كذلك مقولة أن العثور على شعرة في "سفر التكوين" وشربها مع الماء يأتي بمفعول علاجي. وبينما البعض يغرق في سباق محموم للبحث عن الشعرة على أمل وجودها، توجه البعض في سباق محموم أيضاً ولكن للسخرية. البعض أكد على معلومة أهمية العثور على شعرة، سواء في المصحف أو الإنجيل، إذ إنها تعني أن المستخدم يعاني تساقط الشعر ويحتاج إلى تغيير الشامبو. البعض الآخر تساءل عن مصير من يقرأ المصحف أو الإنجيل من على هاتفه المحمول حيث ندرة التصاق الشعر بالشاشة. فريق ثالث أخذ على عاتقه مهمة الرد على الساخرين الذين يلقون اتهامات ونعوتاً تتراوح بين قلة الإيمان وكراهية الدين ومعاداة المتدينين.

ولحسن الحظ أن دار الإفتاء المصرية تدخلت في الوقت المناسب لتشير إلى أن ما يثار حول الشعرة في سورة البقرة وشفائها من فيروس "كورونا" "خرافات، وعلى كل مواطن أن يتبع التعليمات الموضحة من وزارة الصحة وعدم الالتفات إلى مثل هذه الخرافات".

وتمضي "كورونا" قدماً ويمضي معها الشعب القابع في البيت مدوناً ومغرداً ومشاركاً ومؤلفاً في كل مناحي الحياة في ظل انتشار الوباء.