Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبد الحبيب سالم مقبل (3)

دعّمته أسر تجارية كبرى بتعز في الانتخابات لأنها وجدت في كلماته متنفساً يعبّر عن قهرها

مدينة عدن اليمنية عام 1992 (أ.ف.ب)

استنجدت بمن كانوا على ظهر القارب لينقذوني لكنهم تصوّروا أنني أمازحهم. كانت اللحظات التي صارعت فيها الموت تمرّ سريعة، وفجأة اقتربوا مني وقفز أحدهم محاولاً الإمساك بي، إلا أنه عجز، فلحقه مدين وأمسك بي وجرّني إلى القارب وقبض بالحاجز فأمسكت بساقيه، ومدّ الباقون أيديهم لرفعي من داخل البحر. خرجت منهكاً لا أكاد أصدّق أنني عدت إلى الحياة مرة أخرى، وبقينا ليومين في عدن وعدت إلى صنعاء وعاد عبد الحبيب إلى تعز.

بقيت في صنعاء أياماً أسعى للحصول على دعم الأحزاب للنداء الذي وجهته لجنة إضراب تعز لمساندة مطالبها، لكن الجميع تهرّب من إعلان صريح، وكان البعض يعترض على التوقيت بحجة أنه يزيد من توتير الأجواء السياسية المتأزمة.

حادثة سير في إب

في يوم الثلاثاء 15 سبتمبر (أيلول) 1992، عدت إلى تعز والتقيت عبد الحبيب، ثم ذهبنا إلى منزل الصديق العزيز العميد عبد الكريم عبدالإله لتناول الغداء الذي شاركنا فيه الدكتور عبد القادر الجنيد، وتحدثنا في ما يجب عمله وشرحت لهم ما سمعت في صنعاء. بعدها انتقلت مع عبد الحبيب للمقيل في منزل صديقي نجيب عبد العزيز الحروي، وكنت قد بدأت أشعر بالإرهاق من عناء الطريق، وأحسست ببدايات زكام. ودّعني عبد الحبيب وخلدت للنوم.

فجر يوم الأربعاء 16 سبتمبر، تحركت وحدي نحو صنعاء وتناولت الإفطار في مدينة القاعدة في ضواحي تعز، ثم انطلقت بسرعة فائقة للحاق باجتماع ثانٍ مع الأحزاب. كان الطريق لا يسمح بمرور أكثر من سيارة واحدة في كل اتجاه، فحاولت تجاوز إحدى سيارات الأجرة لكن سائقها بدأ في زيادة سرعته. فجأة وجدت نفسي في مواجهة ناقلة أحجار في الاتجاه المعاكس. لم أتمكن من تفادي الاصطدام العنيف بالناقلة، ومن حسن حظي أننى كنت استخدم حزام الأمان وقذف بي الاصطدام إلى خارج الطريق، لكنني لم أفقد الوعي. حاولت فتح الباب للخروج لكنني لم أتمكن، وحين انتقلت إلى المقعد المقابل فزعت عندما شاهدت قدمي اليمنى قد خرجت من المفصل وصارت معلقة. صرخت طالباً العون من المواطنين الذين تجمّعوا، لكن لا أحد تقدّم، وفجأة وجدت شخصاً كريماً يهبّ لمساعدتي على الخروج من السيارة ووضعني في مؤخرة سيارته المخصصة للنقل الخفيف، وأخذني إلى المستشفى العام في مدينة إب، وجمع كل ما معي من أوراق في "الشال" الذي كان يلتحفه.

حال وصولنا إلى المستشفى نزلت أبحث عن كرسيّ متحرك، لكن كهلاً أخبرني أن المستشفى ليس فيه أي وسائل مساعدة لهذه الحالات. ساعدني الرجل الذي أوصلني لأجلس فوق كرسيّ داخل قاعة الانتظار ولم يهتم أحد. ثم طلب مني أن أعطيه رقم هاتف ليتصل به لإبلاغهم بما حدث. لم يبقَ في ذاكرتي حينها إلا رقم عبد الحبيب في تعز. ما هي إلا دقائق حتى وصل مدير فرع وزارة الصحة بالمحافظة، ووصل الكرسيّ المتحرك وجاءني الطبيب البلغاري ومدير المستشفى وصار الاهتمام استثنائياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حاول الطبيب إعادة القدم إلى موضعها ولكنه فشل، وقال إنه سيعطيني حقنة مهدئة. وافقت ولم أفق إلا بعد ساعات في غرفة العناية المركزة. حين مرّت إحدى الممرضات سألتها إن كانت قدمي موجودة أم بُترت، فرفعت الغطاء وقالت إنها موجودة. طلبت منها أن ترفعها، ففعلت، ورأيت أصابع قدمي والساق ملفوفة بضمادات قاسية، فشعرت براحة وسعادة أن قدمي ما زالت موجودة.

حضر كثير من الأهل والأصدقاء لكنني كنت أبحث بين الوجوه عن عبد الحبيب، وقلت له إننا سنغادر ليلاً إلى جنيف، لكن الطبيب نصح بالبقاء من دون حركة لثلاثة أيام على الأقل في المستشفى خشية المطبات الهوائية. رفضت هذه الفكرة تماماً، وصمّمت على السفر إلى صنعاء فوراً لألحق بطائرة ليلية من صنعاء إلى جنيف عبر فرانكفورت بالخطوط الجوية الألمانية (اللوفتهانزا).

تمكّن الصديق عبد الكريم عبد الإله من تأخير طائرة تابعة للخطوط اليمنية قادمة من جدة إلى صنعاء في مطار تعز في انتظار وصولي من إب بسيارة إسعاف والسفر بها إلى صنعاء مع عبد الحبيب.

السفر إلى جنيف

وصلت صنعاء عصراً وتوجهت إلى المنزل بدلاً عن المستشفى كي أتمكن من لقاء شقيقتي وأهلي ووداعهم قبل السفر ليلاً، وكان الصديق السفير جازم عبد الخالق الأغبري، رئيس دائرة المراسم حينها، قد تواصل مع السفارة الألمانية والقنصل الفخري لسويسرا وحصلنا في نفس الليلة على تأشيرتي دخول لعبد الحبيب ولي، وسافرنا معاً إلى سويسرا، وبقي معي لما يقارب ثلاثة أسابيع، تعرف فيهما إلى الوالد وكتب مقالا لم ينشره وضاع بين أوراقي، بعنوان "قبل أن يموت".

بقيت في سويسرا لشهرين ثم غادرتها إلى إسطنبول فالقاهرة فصنعاء، وكان حينها "مؤتمر تعز الجماهيري الأول" قد انعقد بمشاركة كبيرة أفرغت "لجنة الإضراب" من حيويتها، وانتهى الزخم وخبا الحماس الذي كان قد بدأ ينتشر بين المواطنين للمطالبة بحقوقهم.

عبد الحبيب يرشح نفسه

قرّر عبد الحبيب ترشيح نفسه في الدائرة 35 بتعز، وكان منافسه هو مدير إدارة التربية والتعليم في تعز، القيادي في حزب الإصلاح، الأستاذ سيف محمد صالح الشرعبي، مرشحاً عن حزبه والمؤتمر الشعبي العام، ووقفت كل الأحزاب المعارضة ومعهم الحزب الاشتراكي مساندة لعبد الحبيب ودعّمته بعض الأسر التجارية الكبرى التعزية لأنها رغم ارتباط مصالحها بالنظام كانت في نفس الوقت تجد في كلماته متنفساً يعبّر عن قهرها الناتج عن شعورها بأنها مستهدفة تجارياً ومُعرضّة للابتزاز.

كان أغلب المرشحين المستقلين في تعز قريبين من الحزب الاشتراكي الذي دعمهم بقوة وتضامنت معهم أحزاب المعارضة، وخصوصا التنظيم الشعبي الناصري. كانت الدوائر الانتخابية في محافـظة تعز محل الصراع والتنافس الحقيقيين بين تحالف المؤتمر والإصلاح ضد الحزب الاشتراكي أساساً الذي كان الانطباع العام يؤكد أنه سيفوز بأغلب دوائرها، وهو ما لم يكن تحالف صالح- الإصلاح ليسمح به مهما كلّف الأمر، وهكذا لم يتلقَ صالح ورجاله في تعز ترشيح عبد الحبيب وعبد الرحمن نعمان وعلي مغلس ومنصور أحمد سيف وطاهر علي سيف وغيرهم، بارتياح وكانت دوائرهم الانتخابية هي الأشرس تنافساً على مستوى اليمن، وحشد لها (المؤتمر والإصلاح) كل آلاتهم الانتخابية لإسقاطهم، إذ كانا يريدان منع وصولهم حتى لا يحتمون بالحصانة البرلمانية التي تمنع التعرض لهم، وحتى يتيقنوا من أن نفوذ "الاشتراكي" في تعز قد تقلّص إلى أدنى حدّ.

اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات

في تلك الفترة، تمكنت مع عدد من الشخصيات (المحامي حافظ فاضل، المهندس أحمد عثمان، الأستاذة ابتسام الحمدي وعدد آخر من الزملاء) من التفاهم مع المعهد الوطني الديموقراطي الأميركي، ووقّعنا اتفاقاً للتعاون كان الأول في تاريخ اليمن لتشكيل لجنة مستقلة (اللجنة الوطنية من أجل انتخابات حرة)، انخرطنا فيها من دون أي مكافأة مادية، وحصلنا على تمويل من المعهد (25 ألف دولار) جرى إنفاقه على شراء أجهزة حاسب إلكتروني وطابعة واستئجار مقر صغير وتأثيثه، بينما كانت تنقلات الأعضاء التنفيذيين على نفقتهم الخاصة لحشد الناس على التطوع في مراقبة الانتخابات التي كانت الأولى على مستوى الإقليم، لأنها جرت على أساس التنافس الحزبي المطلق، وكان المعهد قد عيّن شخصاً مستقلاً لإدارة الجانب المالي.

المزيد من آراء