Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المسرح في السعودية... أنجبته "فتاة الدستور" ومات في أحضان "اليمامة"

تعرضت الحركة المسرحية للإقصاء منذ محاولتها الأولى التي قام بها "أحمد السباعي"

في مثل هذا الوقت من كل عام تستحضر شعوب الأرض تاريخها المسرحي باستحضار من وقفوا على خشبتها، إذ يوافق الـ27 من مارس (آذار) اليوم العالمي للمسرح الذي يحتفي فيه محبو المسرح بـ"أبو الفنون" منذ ستين عاماً، وهو الذي انتزع وصف "الأبوة" لمركزيته وقدرته على صهر كل أنواع الفنون بداخله.

إلا أن السعوديين يمر عليهم هذا التاريخ بطريقة مختلفة، فعلى الرغم من المكتسبات التي تحصدها الحركة الفنية بالسعودية خلال الآونة الأخيرة، ومن ضمنها المسرح الذي بات له هيئة رسمية خاصة تعتني به، فإن الذاكرة المحلية يشوبها كثير من الصور المرهقة حول ولادة متعثرة مرّت بها الخشبة رغم قدم التجربة من الناحية التاريخية، ابتداءً من تجربة أحمد السباعي عام 1961، عندما همّ بافتتاح "مسرح قريش" بمكة، ليولدَ مشروعه ميتاً، بعد أن حطّمه المحتسبون قبل افتتاحه ليغلق إلى الأبد.

فالمسرح بوصفه فناً مدنياً، كانت استجابته إلى محاولات الإنعاش السعودية الفردية في العقود الأولى لقيام الدولة ضعيفة، إلا أن الأمر استمرّ بعد ذلك رغم تمدُّن المجتمع، ويفسر رجا العتيبي، المخرج والكاتب المسرحي والرئيس السابق لجمعية الثقافة والفنون بالرياض في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، الحالة المتردية للمسرح بالسعودية، لكونه انتظر 60 عاماً حتى اعترفت به المؤسسات الرسمية "مكث المسرح طويلاً من دون أن تستجيب له الأنظمة بشكل رسمي، كان يعمل بوصفه نشاطاً وليس فناً، في التعليم وصفوه بالنشاط الطلابي، وفي الجمعيات يعمل تحت لجان، ولدى المؤسسات الرسمية يعمل أيام العيد فقط".

ويوضح، "أضف إلى هذا أن المسرح ظل يعمل فترة طويلة بلا ممثلات، ورغم ذلك نجح في توليد حراك مسرحي بفعل المخلصين له، قبل أن تستجيب المؤسسة الرسمية بإنشاء هيئة للمسرح والفنون الأدائية كأول اعتراف رسمي به"، حسب العتيبي.

الأمر نفسه يؤكده الباحث المسرحي ياسر مدخلي، مدافعاً عن كفاءة المسرحيين السعوديين "ينجح المسرحيون السعوديون في حصد جوائز بالمهرجانات الدولية، إلا أن غياب المسرح بوصفه مؤسسة أسهم في تحجيم نشاطهم".

فتاة الدستور

ونشرت مجلة "كواليس" المسرحية في فبراير (شباط) 2015، دراسة للباحث سيد علي إسماعيل، المتخصص في الأدب المسرحي بجامعة حلوان المصرية، يشير فيها إلى خبر صحافي قديم من العدد 19 لصحيفة المؤيد المصرية، تتحدث عن إقامة مسرحية في المدينة المنورة في عام 1910 إبان الانتداب العثماني فيها، بعنوان "فتاة الدستور".

وكان نص الخبر النادر الذي وقع عليه إسماعيل: "أراد فرع جمعية الاتحاد والترقي عندنا (المدينة) إحياء ليلة خيرية في منتداه، وأن يخصص ريعها لمدرسة الاتحاد الصناعي، فاختاروا رواية تمثل حال الدولة (العثمانية) على عهد الاستبداد وطرز الحكومة في ذلك الوقت، ثم كيف أعلن الدستور في السلطنة العثمانية، وقد قسموا الدخول إلى ثلاث درجات الدرجة الأولى بجنيه والدرجتان التاليتان بأقل. وقد أجاد الممثلون في إلقاء أدوارهم، وإن كانوا لم يسبق لهم معاناة هذا الفن من قبل، وكان في مقدمة المجيدين حضرة طاهر بك رئيس جمعية الاتحاد والترقي والمدرسة الصناعية، الذي سحر الحضور بأمر لم يسبق لأكثرهم مشاهدته من قبل. وكان الناس والأعيان كثيري العدد، يتقدمهم سعادة المحافظ الذي كان السبب لهذا العمل، وبعد ثلاث ساعات انفضّ الجمع مسرورين شاكرين. وقد كان للمدرسة من هذه الرواية ستون جنيهاً، جزى الله أهل الخير خير الجزاء". انتهى الخبر.

إذ على ما يبدو من خلال الخبر، أنّ جمعية الاتحاد والترقي التي كانت تتولى زمام الأمور في الدولة العثمانية في آخر أيامها، حاولت استغلال الفراغ الفني في مستعمراتها العربية لتسويق تغييراتها التي أجرتها السلطة التركية على مؤسساتها بـ"إعلان دستوري" لم يصمد طويلاً.

ويكمل سيد علي إسماعيل وصف المسرحية قائلاً "هي في الأصل رواية من خمسة فصول، طبعت باللغة العربية في مصر عام 1908، ثم حوّلت إلى مسرحية في المدينة المنورة"، إذ من الملفت أن تكون السلطة التركية الحاكمة في المنطقة المأزومة، لديها الوقت تحويل نصوص أدبية إلى أدائية، لغايات سياسية تحققها القوى الناعمة من دون سواها من حاجات الحياة.

ورغم أنّ هذا العمل سبق العهد السعودي الذي بدأ بعد دخول الملك عبد العزيز المدينة المنورة في 1925، فإن الإشارة إلى هذه التجربة مهم جداً للحديث عن بواكير العمل المسرحي السعودي، إذ تؤثر التجارب الأولى في التي تليها، كما يقول ياسر مدخلي في تعليقه على التجربة المدينية الأولى، "وصف المسرح السعودي يجعلنا نرتبط بظرف سياسي يبدأ مع بداية الحكم السعودي، لكن يجب أن لا يدفعنا ذلك إلى تجاهل المسرح الذي نشأ في هذه البقعة الجغرافية قبل ذلك التاريخ".

ويبرر مدخلي هذا الربط رغم اختلاف الظرف السياسي، "كما هو الحال في المسرح الفينيقي في منطقة شرق المتوسط، هو جزءٌ لا يتجزأ من سيرة المسرح هناك، رغم أنه سبق ظهور دول مثل لبنان وسوريا بقرون، لمدى تأثيره في الحركة المسرحية الحالية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يذكر أن المسرح الفينيقي في لبنان وتدمر وبابل أقدم من المسرح الأوروبي والإغريقي، فجذور هذه التجربة مرتبطة بالمكان لا الزمان، لذلك يصر مدخلي على تجاوز الزمن لشمولية الجغرافية على التاريخ.

مسرحيون بلا مسرح

لدى السعوديين طريقة خاصة في صياغة أي مشهد فني، فبالنظر إلى التجربة السينمائية السعودية رغم صغر حجمها فإننا نلاحظ أسبقية السينمائيين لنشوء صالات السينما بعقدين تقريباً، وهو ما يتكرر بالنظر إلى التجربة المسرحية.

ففي دراسة نقدية للباحث السوري نذير العظمة حول المسرح السعودي، أشار إلى أن ظهور النص المسرحي سبق نشوء المسرح في السعودية، فعلى الرغم من أن أول تجربة مسرحية مكتملة كانت في 1973 فإن عملية التأليف المسرحي في السعودية بدأت مطلع الثلاثينيات الميلادية، بالإشارة إلى سبعة نصوص تناولها العظمة في دراسته ابتداءً من مسرحية "فالظالم نفسه" لمؤلفها حسين السراج عام 1932 وصولاً إلى تجربة عصام خوقير في 1970 بنص "الليل لمّا خلى"، وخمس نصوص بينهما، اثنان في الأربعينيات وثلاثة في الخمسينيات.

ويفسر الناقد والكاتب المسرحي سعد الدوسري هذه الحالة بأنها سلوك مقاومة "بين تحطيم مسرح أحمد السباعي عام 1961 على يد المتشددين، وبين صعودهم بالهراوات لضرب الممثلين في مسرح جامعة اليمامة عام 2006، توجد مسافة تاريخية جعلتْ الكاتب المسرحي يصر على كتابة المسرح باعتباره نوعاً من غريزة البقاء والمقاومة، هي نفسها التي تجعل صانع الأفلام يكتب سيناريو لفيلم يدرك أنه لن يتمكّن من عرضه".

ويضيف الدوسري، "نحن نكتب نصوصاً مسرحية، من دون أن نفكّر بمن سيقدمها على خشبة المسرح"، مستحضراً تجربة الحركة المسرحية الوليدة في أواخر السبعينيات "مع اشتداد المعركة الفكرية بين تيار الحداثة الشبابي والمحافظين، كنا نسافر بنصوصنا الشعرية والقصصية إلى كل المهرجانات العربية، من (المربد) في العراق إلى (أصيلة) في المغرب، ولم نكن ننتظر منصات رسمية محلية".

 

ويشدد المخرج رجا العتيبي على الفكرة نفسها، ويضيف أيضاً "يمكن تفسير الأمر بالنظر إلى التجربة الأولى التي ذكرتها، فحسين السراج صاحب تجربة 1932 عاش حياته في الأردن وبيروت والقاهرة يوم كانت عواصم حضارية وثقافية. درس هناك الشعر والمسرح والأدب، قبل أن يعود إلى وطنه محملاً بتلك الثقافة ووجد بيئة صالحة لكتابة أول مسرحية سعودية"، إذ إن العامل الخارجي المتقدم الذي كوّن الكاتب دفعه إلى كتابة نص مسرحي رغم غياب المسرح.

ويجدر الإشارة إلى أن أول تجربة مسرحية مكتملة كانت عام 1973، لإبراهيم الحمدان في تعريب لمسرحية موليير "طبيب بالإكراه"، التي أخرجت على مسرح "التلفزيون" في الرياض، حسب ما أورده العظمة.

غزوة اليمامة

رغم أن الخطوات كانت متعثرة طيلة مسيرتها لغياب مأسسة للمسرح في السعودية، فإن التجربة المحلية كانت قادرة على السير والمواصلة، وناجحة في تكوين وسط مسرحي لم يوقف مسيره إلا "رصاصتان" ضربتا سقف مسرح اليمامة في الرياض عام 2006، ليفضّ التجمع المسرحي الذي اتجه رواده إلى التلفزيون والسينما بعد ذلك، ولم ينجحوا في تجاوزها حتى اللحظة.

فضمن أنشطة الأسبوع الثقافي الذي كانت تقيمه جامعة اليمامة بالعاصمة السعودية في ذلك الوقت، أقامت الجامعة مسرحية حملت اسم "وسطي بلا وسطية"، تناقش التدافع المتطرف بين اليسار واليمين بالسعودية مع غياب الأغلبية الصامتة التي تشكّل الشريحة الوسطية.

المسرحية التي عرضت على ثلاثة أيام أمام 1000 متفرج، مرّ يوم افتتاحها بسلام من دون أي مشكلات قبل أن يتنادى المتشددون في السعودية بحضور العرض الثاني لإيقافه دفاعاً عمّا وصفوه بـ"الثوابت الدينية"، كما يقول رجا العتيبي مخرج المسرحية في حينها، "المسرحية كانت تحث الناس على نبذ التطرف بكل أشكاله، وهو ما أزعج المتشددين، وفي كل الأحوال كان الأسبوع الثقافي برمته مزعجاً بالنسبة إليهم، لأن النداء بالوسطية كان هوية أنشطته بشكل عام، لذلك تعرّض المشروع كله للهجوم، ومن ثمّ الإيقاف".

 

أمَّا الممثل إبراهيم الحساوي، أحد نجوم المسرحية الذي روى لنا قصة الحادثة، فيرى أنّ الجانب الشخصي امتزج بالموقف الفكري، "المتشددون لم يكونوا متصالحين مع مدير الجامعة في حينها أحمد العيسى، الذي تسلّم وزارة التعليم في ما بعد، ما دفعهم إلى استهداف أنشطة الأسبوع الثقافي كاملاً".

ويضيف "ساق المتشددون حينها حججاً من قبيل أن المسرحية احتوت على أغانٍ ومحرمات"، وهو ما ينفيه الحساوي مضيفاً أن المشاهد التي نقلت لهم عن العرض الأول كانت سبب امتعاضهم "لعبت في المسرحية شخصية رجل متطرف يرتدي حزاماً ناسفاً يلقي محاضرة على مجموعة من الأطفال، ويلقنهم دروساً متشددة حول تحريم الموسيقى والبنوك والفنون، وهو ما يبدو أنه أغضب التيار الذي نُقل له هذا المشهد"، ليتداعى التيار المتشدد في حينها من خلال المنتديات والمواقع الإلكترونية للاحتساب في موقع المسرحية في أثناء العرض الثاني للعمل، الذي انتهى باشتباك بينهم والممثلين على خشبة المسرح، فضّه رجل شرطة.

حسب المخرج العتيبي "الهجوم على المسرحية بدأ بعد فتح الستارة مباشرة، فبمجرد فتحها اعتلى أحد المتشددين الخشبة، وبدأ بتكسير الديكور، ثم أخرجه المنظمون بالقوة، ليتحول الاعتراض إلى مناوشة حاول فيها المنظمون منع المتشددين من اعتلاء الخشبة، لتنتهي المشادة والسباب بصعودهم على المسرح وبدء عراك شديد بين الطرفين، لم ينهه إلا رصاصتان أطلقهما رجل شرطة، وصل في منتصف الشجار، نحو سقف المسرح". الأمر الذي دفع الجميع إلى الهروب من الصالة، ولم يجتمعوا بعدها.

سُميت هذه الحادثة في أوساط المتشددين بـ"غزوة اليمامة"، بينما سمّاها المسرحي السعودي الراحل محمد العثيم، الذي كان يجلس في الصفوف الأمامية يومها بـ"الانتصار"، إذ تناول هاتفه في غمرة الشجار ليكتب رسالة مقتضبة إلى مخرج المسرحية قال فيها "اليوم انتصر المسرح"، فهو لم يرَ صراعاً بين فئتين بقدر ما رأى أن المسرح بات له شأن، وإن لم يستمر.

ثم ماذا؟

يعقد المسرحيون كغيرهم من الفنانين على الفترة الحالية آمالاً كبيرة، لِمَ لا والحركة الفنية تعيش أياماً ذهبية غير مسبوقة بعد عقودٍ من معاملتها كـ"خطيئة". فبعد أن أعلنت وزارة الثقافة تأسيس هيئة للمسرح في فبراير (شباط) الماضي، ارتفع سقف الآمال المنتظرة من المسرح السعودي رغم حداثة الهيئة في سد الفجوة التي أخلت بشكل المسرح.

ويشخص سلطان البازعي، رئيس هيئة المسرح والفنون الأدائية في حديثه معنا، النواقص التي يحتاجها المسرح، قائلاً "المسرحيون في السعودية يملكون قدرات عالية، لكن ينقصهم التدريب المؤسسي والتنظيمات التي تسهل قيام الفرق المسرحية، وأماكن العرض المناسبة التي يقبل عليها الجمهور، وبالطبع وجود قنوات التمويل التي تتيح إنتاج أعمال بالمستوى المطلوب"، مؤكداً توافر تلك العوامل في خطة الهيئة من "استهداف تأسيس أكاديميات فنية تتناول المسرح، ووجود استقلال مالي للهيئة، إضافة إلى الجمهور الذي ينتظر المحتوى اللائق".

ويعرج البازعي على مبادرة وزارة الثقافة بإنشاء "المسرح الوطني" بوصفها الجهة التي ستتولى تقديم أعمال مسرحية ذات جودة عالية، وهو ما يزيد من مخاوف تراود الفنانين من احتكار الهيئة الإنتاج نتيجة دخولها منتجاً بدل الاكتفاء بالتنظيم، ويرد على هذه المخاوف قائلاً "هيئة المسرح لن يكون من مهامها إنتاج المسرحيات، بل إنتاج القطاع، وهذا يتطلب تطوير بيئة تنظيمية تساعد هذا القطاع على النمو، إضافة إلى العمل مع القطاع الخاص، لتأسيس مشروعات تخدم قطاع المسرح والفنون"، إضافة إلى مساعدة المسرحيين على تأسيس فرقهم والاستفادة من المبادرات القائمة.

وبالحديث عن المسرح الوطني، تواصلنا مع عبد العزيز السماعيل، رئيس المبادرة، الذي حدّثنا عن تخصيصهم سبعة مسارات يسعى المسرح لاستهدافها "وضعنا سبعة مسارات مسرحية نسعى لاستهدافها، الإنتاج المسرحي بأنواعه الغنائي والملحمي والأوبرالي، والإنتاج بالتعاون مع الفرق المحلية القائمة للمساهمة في استفادتها من المبادرات المسرحية، ومسرح الطفل، إضافة إلى مسار التدريب، ومسار تعليم الدراما، وتنظيم المهرجانات المسرحية، ومسار المسرح التثقيفي".

وبالنظر إلى الخطة الزمنية يقول السماعيل، "لقد جرى اعتماد عام 2020 ليكون بداية الانطلاقة للمسارات التي يستهدفها المسرح، لتكون هذه الخطة بمثابة التمهيد والإعداد لخطة أكبر مدتها خمس سنوات تبدأ من العام 2021"، التي كان يفترض أنها على خريطة التطبيق لولا الظروف المتعلقة بإجراءات مكافحة فيروس كورونا، التي تسببت في تعطيل النشاط العام.

المزيد من مسرح