Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كون مغلق لا منغلقا

حروب وسياسة... وثقافة

الأمم المتحدة هي على صورة العالم... وما يشل قدرتها على الفعل حسابات الدول الكبرى (رويترز)

عام 1930، بعث أينشتاين برسالة الى فرويد خارج نظرية النسبية والعلاج النفسي للأفراد، كان همه علاج البشرية وإنقاذها، وما اقترحه هو القيام بحملة مشتركة لمنع الحروب، وكان رأي فرويد في رسالته الجوابية "إنّ هذه مهمة مستحيلة، لأنّ لدى الشعوب نوعاً من غريزة الموت تدفعها للذهاب الى الحرب".

وهو تجنّب طبعاً تحليل أسباب الحروب في التاريخ، من صراع المصالح الاقتصادية إلى صدام العصبيات القومية والدينية والإثنية، ومن سياسات الهيمنة والتوسع للاستيلاء على الموارد الطبيعية إلى جنون العظمة لدى القادة، وبعض هذا، ما قاد بعد سنوات إلى صعود هتلر في ألمانيا وحربه المدمّرة للسيطرة على أوروبا والعالم.

اليوم، وفي مواجهة خطر لا حدود له، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى "وقف نار فوري" في كل مكان للتعاون ضد "العدو المشترك". وإذا كانت المعادلة المعروفة هي "السلام حلم الحكيم والحرب تاريخ الرجل"، فإنّ غوتيريش ورجال الدين يصلّون من أجل أن تنقلب المعادلة بضرورة التصدي لوباء "كورونا"، وإذا صحّ أنّ "الدول وحوش باردة" كما كان يقول الجنرال ديغول، فإنّ الخطاب السياسي الحالي لحكام كثيرين أوحى بأنّ أجنحة الملائكة نبتت على أكتافهم، وهم دعوا إلى أبعد ممّا طلبه الأمين العام للمنظمة الدولية التي قال بول فولكر، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي سابقاً إنها تعاني "ثقافة اللافعل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والواقع أنّ المنظمة هي على صورة العالم، وما يشلّ قدرتها على الفعل حسابات الدول الكبرى، وفي الأمور الإنسانية وسواها، فإنّ الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها تلعب دوراً قال داغ همرشولد، أبرز أمين عام لها "ليس إيصال العالم إلى الجنة، بل إنقاذه من الجحيم"، وتصوّروا لو أننا نواجه وباء "كورونا" من دون أن تكون هناك منظمة الصحة العالمية.

لكن الوباء الذي غيّر نمط الحياة في العالم كلّه عجز عن وقف الحروب، حرب سوريا التي دخلت سنتها العاشرة مستمرة، حرب اليمن التي صارت في الخامسة مستمرة، حرب أفغانستان لم تتوقف حتى بعد 19 عاماً، والاتفاق بين أميركا و"طالبان" على وقف النار والانسحاب، ولم ينجح وزير الخارجية مايك بومبيو في ترتيب تسوية بين أشرف غني، صهر لبنان، ومنافسه عبد الله عبد الله اللّذين أعلن كل منهما نفسه رئيساً بصفته الفائز في الامتحانات، وسقوط الصواريخ مستمر في العراق، و"داعش" "المهزوم جغرافياً" يضرب في كل مكان، وأحدث عملياته الإرهابية تفجير معبد للسيخ في كابول، و"القاعدة" و"بوكو حرام" وكل التنظيمات التي تعطي نفسها أسماء حراس الدين وجند الله وأنصار الله وأحباب الله، تكمل عمل "كورونا" في القتل.

ولا شيء يوقف الحروب السياسية داخل الدول وبينها، أميركا وروسيا تتبادلان الاتهامات في كل شيء، على الرغم من اللقاءات على مستوى الرؤساء والوزراء والعسكر، الصين تتّهم أميركا بصنع فيروس "كوفيد-19" في مختبراتها لتدمير الاقتصاد الصيني، والرئيس دونالد ترمب يستخدم تعبير "الفيروس الصيني"، متّهماً النظام بالتستر على الوباء حتى انتشر في العالم، إيران ترفض مبادرة أميركية لمساعدتها في مواجهة الوباء. والمرشد الأعلى علي خامنئي الذي ينسب كل ما يعانيه شعبه إلى "مؤامرة" إمبريالية، يردّد أخيراً أنّ شياطين الإنس والجنّ تعاونت على صنع فيروس مخصّص لجينات الشعب الإيراني.

وهذا هو المشهد الطاغي فوق الخوف والموت، لكنّ الجانب الآخر من الابتلاء بالوباء هو التضامن الإنساني في المواجهة، فالعالم المغلق ليس منغلقاً، بل مفتوح على تبادل الخبرات والمساعدات والبحث في المختبرات لإنتاج لقاح فعال، وإعطاء الأولوية في كل بلد لهمومه، لم يحجب الحقيقة العامة، وهي أنّ وباء "كورونا" كوني يحتاج إلى علاج كوني، وهذا معنى قمة "مجموعة الـ 20" الافتراضية بمبادرة من الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز من أجل المواجهة الشاملة للوباء والآثار الاقتصادية والاجتماعية له، وتوحيد جهود الاقتصادات الـ 20 القوية في العالم، وهي قررت ضخّ خمسة تريليونات دولار في الاقتصاد وتأمين لقاح ودواء.

والخيار ليس بين الصحة والاقتصاد بل هما معاً، وإن كان ترمب يعطي الأولوية للاقتصاد خوفاً على حظوظه في المعركة الرئاسية، ومع التمسك بالعمولة على الرغم من سلبياتها، كبرت الحاجة إلى قوة الدولة الوطنية وارتفع مدّ الشعبوية اليمينية، ومع أنّ الإعجاب بقدرة النظام الصيني على السرعة والفعالية في المواجهة أسهم في إعطاء دفعة قوية للأنظمة السلطوية، فإنّ الديمقراطية تبقى المستقبل الأفضل للبشرية.

 وعلى الصعيد الاجتماعي، فإنّ العزلة زادت الحيوية في العلاقات الأسرية وفرض الحوار بين الآباء والأبناء، أما وسائل التواصل الاجتماعي، فلعبت دورها المفترض عند إنشائها، وهو باعتراف مارك زوكربيرغ، مؤسس "فيسبوك"، "ربط كل العالم وصنع تأثير وليس بناء شركة".

وبعد نهاية رئاسته كتب جيفرسون إلى جون آدامز يقول "أكثر سعادة لأنني أقرأ تأسيدس وثوسيديدس بدل الصحف"، وعزلة "كورونا" أعطت الناس فرصة للمزيد من قراءة الكتب والتأمل في الوجود والحياة والموت، ومن حظ الأنظمة المرتَبِكة أنّ هذا الوباء فعل ما عجزت عنه... بقاء الساحات خالية من الثوار.

المزيد من آراء