كورونا... منطق إدارة الأزمة

لم يستطع الإرهاب الذي هدد أمن العالم أن يفرض قيوداً على السفر كما فعل الفيروس

مقاطعة ووهان أحد مواطن الوباء بوسط الصين (أ.ف.ب)

العالم يمر بأزمة ضخمة اليوم، وتكاد تكون غير مسبوقة في عالمنا المعاصر، الذي اتسم بسرعة التحولات والتفاعلات وتداخل المصالح والعولمة وغيرها. ولم يحدث من قبل أن فُرضت قيود السفر حول العالم بهذا الشكل الواسع، ولم يستطع الإرهاب في ذروته عندما استهدف أمن العالم وسياحته وحرياته أن ينجح فيما نجحت فيه كورونا. ففي كل مرة كان الإرهاب يصيب بؤرة واحدة أو أكثر، وتدفع بعض الشعوب، مثلما حدث في مصر، ثمناً يستفيد منه آخرون اقتصادياً وسياحياً، ثم تزول هذه الغمة وتُستأنف الحياة بصعودها وهبوطها.

ولعبت الحروب والصراعات المسلحة أدواراً معروفة، ولكن باستثناء الحربين العالميتين، لم تجتذب إلا المعنيين ببؤر هذه الصراعات. وتاريخ كل الصراعات والأزمات الدولية منذ زمن الحرب الباردة وما بعدها وقبلها كان شاهداً على ذلك. شغلت فيتنام وأفغانستان وحروب الصراع العربي الإسرائيلي وأزمات الشرق الأوسط اليوم العالم كله، أياماً وشهوراً، وربما حتى سنوات، ولكن حياة الآخرين غير الأطراف المباشرة ومصالحهم كانت تسير كالمعتاد أغلب الوقت. وكان الناس يموتون في العراق وفلسطين، بينما يمارس الآخرون في كل العالم حياتهم الاعتيادية، الشيء نفسه حدث في أزمة يوغسلافيا السابقة، وانشغلت أوروبا بشدة، وتلهى العالم في حياته العادية بشكل أو بآخر.

ومع صعود العولمة والتفاعلات غير المسبوقة بين شعوب العالم نشأت قضايا كبرى محل اهتمام بشري واسع، على رأسها مكافحة الإرهاب، والتعامل مع تحديات التغير المناخي، ولكن هذه القضايا وغيرها لم تنجح في توحيد لا الحكومات ولا الشعوب، كانوا دوماً مختلفين حولها. وفي وقت تدفع فيه شعوب أثماناً باهظة نتاج هذا الإرهاب، فإن هناك من يمولها، وهم مختلفون في مواجهة أخطر قضية تهدد مستقبل البشرية وهي التغير المناخي، وكثير منهم يفعل أو يمارس سياسات تناقض ما يعلن عنه بهذا الصدد.

ربما يكون ما سبق مقدمة طويلة للحديث عن ظاهرة كورونا، ولكن في الحقيقة إن كل ما سبق يصب أو يجب أن يكون مرتبطاً بتفسير هذه الظاهرة بشكل شامل وأكثر تحديداً، فالبعض يطرح حالة الفزع العالمية بأنها ارتدادة كبرى، أو هكذا ستكون نتائجها عن العولمة، بل يصل الأمر إلى طرح أفكار من قبيل المقارنة بين أداء المجتمع الصيني المغلق، وتلك الأوروبية المنفتحة، وأن الأولى نجحت في السيطرة أو تقترب من ذلك على الجائحة أو الوباء، بينما الثانية تقترب من الكارثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والغريب أن هذا النقاش يتجاهل أن هدف الصين بعد النجاح سيكون الخروج وممارسة دورها ومصالحها في هذه العولمة بطريقتها، ولكنها في الحقيقة تريد استئناف تجارتها وسفر أبنائها وسياحتهم واستمتاعهم بما أصبحت علية ثروة وقوة بلادهم.

وكان من المتوقع أن تبرز إلى الساحة ولو على استحياء آراء البعض حول خطورة هذا العالم المنفتح، ودلالات ذلك، في مقابل دعوات أخرى تنادي بالانغلاق، كون الأول أحد أسباب سرعة انتشار الوباء. ولكن دعوات هؤلاء تظل محدودة وهامشية.

بالفعل هناك أزمة مؤداها أن هذا الوباء أو المرض سريع الانتشار، وأن ما حدث كان دليلاً كاشفاً وبشكل حاسم لما تصنعه العولمة وسرعة الاتصالات وضخامة حركة السفر والسياحة بين دول العالم لو ظهر أي نوع من هذه الأمراض المعدية، وفرصة مهمة للعالم للاستعداد لو تكرر ظهور هذه النوع من الأمراض والأوبئة. 

ارتبك العالم كله في عملية إدارة هذه الأزمة، أما لماذا "إدارة الأزمة"، فلأنه لم يطرح بشكل صريح، فالمسألة ليست أن الناس سيموتون جراء هذا المرض، فالكل يعرف منذ البداية أن الأمراض الأخرى أكثر فتكاً، بما في ذلك الإنفلونزا العادية، ولكن في الحقيقة أن الفزع منه أنه سهل الانتشار، أما الفزع الأكبر فيتمثل في أنه سيغير نمط حياة البشر الراهنة من سفر وقضاء أوقات ممتعة في المطاعم والتسوق والثقافة والفن وتبادل الاجتماعيات، بينما لسان حال هؤلاء البشر جميعاً وحكوماتهم، تقول، فلنفرض هذا الإغلاق وهذه الإجراءات الحادة. فربما نعود سريعاً إلى أنماط حياتنا الراهنة، ولتعود السياحة غداً إلى العالم، وليعود كل شيء إلى ما كان عليه، هم يبكون على اضطرارهم لتغير أنماط حياتهم لأسابيع أو لشهور. فلا أحد يعرف بالضبط إلى متى، والأخطر سينفقون حول العالم مئات المليارات للتعامل مع نتائج هذه الإجراءات،  والمفارقة أنه ستكون هناك فقط مبالغ قليلة للإنفاق على علاج هذا المرض. كما سيتحملون خسائر بالمليارات أيضا نتاج هذه الإجراءات التي أصبحت ضاغطة ومعدية بذاتها، وتلام الحكومات على عدم اتخاذها، ولكن إذا لم يتم اكتشاف علاج من بين كل هذه المليارات فالنتيجة ستكون استمرار هذه الخسائر والارتباكات لفترات زمنية طويلة دون جدوى، فالفيروس موجود وليس من الواضح أنه سيتبخر مادام قد ظهر، فهل يحتاج العالم لمراجعة منطق إدارة هذه الأزمة؟

المزيد من تحلیل