ليبيا سوق سلاح مزدهرة... المواطنون خائفون والمهرّبون والتجار محميّون

تتحكّم عوامل عدة في تحديد الأسعار، فإضافة إلى العرض والطلب و"الحاجة" و"المواصفات"، هناك خدمة التوصيل المجاني

تهريب السلاح عبر الحدود الليبية الجنوبية مستمر رغم كل الإجراءات. (اندبندنت عربية)

عرف الجنوب الليبي، قبل دخول الجيش الليبي، ازدهار تجارة السلاح وفي شكل علني. ونشطت آنذاك عمليات تهريب السلاح من ليبيا وإليها عبر الجنوب. وساعد في ذلك الحدود المشرّعة، وتدفق المهاجرين، وتجدّد الحروب والمواجهات المسلحة. فكل ذلك يزيد الطلب على شراء السلاح.

في سبها، عاصمة الجنوب، وإلى وقتٍ قريب، كان يُباع السلاح علناً وأصبح زبائنه بذخين... هذا ما بادرنا به تاجر السلاح ن.م. (32 سنةً). ويقول إن غالبية السلاح المتداول في السوق هي من الغنائم التي استحوذ عليها الناس من مخازن السلاح التي افتتحت أثناء سقوط النظام السابق.

مخزن في حي سكني

لا يتردّد ن.م. في الحديث، وقد أدخلنا إلى مخزنه، وهو عبارة عن مبنى غير مكتمل في شارع تجاري نشط. ويروي ن. وهو يتجول في أرجاء المكان، إن غالبية الأسلحة الموجودة في مخازن جبل بن عريف، نقلها النظام السابق إلى مقر الشركة الهندية جنوب المدينة، حيث تعرضت لعمليات سلب ونهب. ما ساعد على انتشار السلاح. وكان ن. أحد الذين قصدوا المكان في فترة الفوضى لجمع ما أمكنه، ناهيك بقيام النظام السابق بتوزيعه على الناس إبان محاولاته قمع الثورة آنذاك. واشترى ن. كميات ممّن أرادوا الاستفادة من ثمنها بدل استخدامها.

زيادة الطلب

حديثُ ن. عن واقع أسهم في انتشار السلاح في شكل غير مسبوق في الجنوب، وفي انخفاض أسعاره في الفترة المبكرة بعد اندلاع الثورة الليبية، فكان سعر الكلاشنيكوف ما بين 800 وألف دولار. ومنذ بدء الأزمة في العام 2011، ازدهرت تجارة السلاح، خصوصاً بعد اندلاع أول حرب بين قبائل التبو وأولاد سليمان، في مارس (آذار) في العام 2012. وتطور الوضع مع تشكيل العديد من المجموعات المسلحة المحلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ارتفاع الأسعار

م.ع. رجل في الخمسينات من عمره، يتمتع بشعبية. يبدأ كلامه بمقارنة بين أسعار السلاح في العامين 2011 و2019: كان سعر الكلاشنيكوف ما بين 800 وألف دولار، وبندقية قناص كانت تُباعُ بـ1500 دولار وصارت بأربعة آلاف دولار، وكان سعر الرمّانة بين 15 و30 دولاراً وصارت مع مطلع العام 2019 بـ120 دولاراً.

حرب شوارع

تعتبر الكلاشنيكوف والبي كي سي من أكثر الأنواع تداولاً في الجنوب الليبي. فهما أكثر الأسلحة تماشياً مع حروب الشوارع التي شهدتها المدينة لسنوات قبل دخول الجيش. وتفضّل عصابات السطو المسلح، ولاسيما السطو على السيارات، الكلاشنيكوف. وهكذا، تتحكم عوامل عدة في تحديد أسعار السلاح، فإضافة إلى العرض والطلب و"الرغبة" و"الحاجة" و"المواصفات" و"نظافة القطعة"، هناك الخدمات المصاحبة ومنها التوصيل المجاني.

أسلحة للتخويف

في شارع 606 بسبها، وإلى وقتٍ قريب، كان عنوان تجارة سلاح جديد في ليبيا، صناعة تركية وصربية، وهو سلاح غير قاتل ولكنه مضرّ ويسبب جروحاً خطرة قد تؤدي الوفاة، ويصل سعر القطعة الواحدة منها إلى 300 دولار، بعدما كانت تباع بـ 120 دولاراً في مطلع العام 2013، وفق الشاب أحمد بن صالح.

وفيما يلفت أحمد إلى أن هذا السلاح غير قاتل ويُستخدم عادة في صيد الحيوانات، ينبّه إلى أنه يستخدم في عمليات السطو والتخويف، نظراً لكونه يشبه البنادق القاتلة.

سوق مثالية

أتوري تروري (اسمه في السوق)، مواطن نيجيري كان من أوائل مهربي السلاح من ليبيا وإليها. ويعتبر أن جنوب البلاد سوق للسلاح أكثر منه مصدراً. وغالبية المجموعات المسلحة تستعين بمرتزقة ترغب في تسليحهم. ويكشف أنه يتعاقد في صفقات السلاح مع أطراف تدعمها مجموعات وشركات من دول أخرى، ويتم شحن السلاح عبر طرق خاصة في الصحراء. ويؤكد أتوري أن طرق مهرّبي السلاح في الصحراء تختلف عن طرق مهربي المهاجرين. فأغلبية طرق مهربي السلاح بعيدة من التجمعات السكانية الكبرى، بينما تقترب، لأسباب عملية، من القرى الصغيرة في النيجر أو تشاد أو ليبيا.

ويؤكد أتوري أن شحناته من السلاح المهرب تكون مدفوعة الثمن قبل أن تتحرك من مكانها، وحين تصل يتم التنسيق مع صاحبها لاستلامها في جو من السرية.

المكافحة

في سبها لا توجد أجهزة معنية بمكافحة تهريب السلاح وتجارته. الأمور منفلتة وتجاوزت قدرات الجهات المحلية، يقول عضو قسم التحقيق في مركز شرطة وسط المدينة حسين الحداد. يتابع أن "السلاح صار منتشراً في كل بيت في المدينة، وحتى المواطن العادي صار في حاجة إليه لحماية نفسه وسط عجز الأجهزة الأمنية عن توفير الحماية له. ويذكّر الحداد بمحاولات سابقة للحكومة، في العام 2012، لشراء السلاح من الناس، ولكن العملية لم تدم طويلاً.

يرى الحداد أن انتشار السلاح وازدهار تجارته وتهريبه انعكاس متوقع لفقدان الأمن وانتشار الهجرة غير الشرعية وتعدد المجموعات المسلحة واستمرار الحروب. ويعتقد بأن معالجة انتشار السلاح وتجارته تجب أن تمر بمراحل وخطط أمنية، وتحتاج إلى تضافر الجهود اجتماعياً وإدارياً. وهو أمر صعب التحقق في ظل الانقسام الذي تشهده البلاد حالياً.

السلاح ضروري

تكرّرت في سبها، في الفترة الماضية، حوادث وجرائم لعب فيها انتشار السلاح دوراً أساسياً. ما يجعل كثيرين يعتقدون بأنه سبب يدعم خيار اقتناء السلاح ويجعله أمراً ضرورياً. وبناء على ذلك، يربط كثيرون بين ضبط تجارة السلاح وضبط الوضع الأمني.