Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل سيصبح "كورونا" المسمار الأخير في نعش العولمة؟

الصين في مركز الخطر... والسفر سيتراجع... والقوميون يستعدون لتقييد الهجرة

دول كثيرة سارعت إلى فرض حظر السفر في ظل ارتفاع وتيرة عدوى "كورونا" وتصاعد المخاوف (رويترز)

حتى نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي، ظلت غالبية صانعي السياسات ومتخذي القرار وكبار المستثمرين في الولايات المتحدة وأوروبا غير مبالية بالأثر الاقتصادي والسياسي المحتمل لتفشي "كورونا" حول العالم، فقد افترض معظمهم بشكل خاطئ، أنّ تأثير الأزمة سيكون قصير المدى، ولن يتجاوز الصين مثلما حدث في أزمة فيروس "سارس" وفيروسات عائلة "كورونا" السابقة، لكنهم جميعاً أدركوا حجم الصدمة العالمية التي ولّدتها الأزمة، وإن ما زالوا يأملون ألاّ يستمر تأثيرها كثيراً. ولكن ماذا لو كان للاضطراب الاقتصادي الحاصل الآن أثر دائم، هل يمكن أن يكون هذا الوباء المسمار الأخير في نعش حقبة العولمة؟

سلبيات التكامل الدولي

منذ أن بدأ هذا الفيروس بالانتقال عبر الحدود الدولية، مُحدثاً حالة من الذعر التي تفاقمت مع الوقت بارتفاع أعداد المصابين والضحايا، سلّطت الأزمة الضوء على سلبيات التكامل الدولي الواسع، كما أثارت الخوف من الأجانب، خصوصاً المتنقلين منهم عبر الحدود، ووفّرت شرعية للقيود والإجراءات التي تتّخذها الحكومات الوطنية في كل دولة للحدّ من حركة البشر المسافرين والتجارة العالمية.

وأدركت معظم قطاعات الأعمال والشركات فجأة مخاطر الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية المعقدة التي تقوم بعمليات التصميم والتنفيذ والإنتاج والتعبئة والتوزيع والرقابة لعددٍ كبيرٍ من السلع والخدمات والتي لا تأتي فقط من الصين، ولكن من أماكن بعينها مثل إقليم ووهان مركز تفشي الوباء. ومع انتشار المرض أكثر فأكثر، أصبح يُنظر إلى الصينيين والكوريين والإيرانيين والإيطاليين وغيرهم على أنهم مصدر خطر مخيف ينقل المرض، لدرجة أنّ عدداً من كبار السياسيين في الولايات المتحدة الأميركية وصموا المرض بأنّه "فيروس كورونا الصيني".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سياسات وطنية

في ظل ارتفاع وتيرة العدوى وتصاعد المخاوف، سارعت حكومات عدّة إلى فرض حظر للسفر وتحديد متطلبات جديدة، خصوصاً بالنسبة إلى تأشيرات دخول الأجانب، وتقييد حركة الصادرات والواردات. كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر السفر على الآتين من دول أوروبا إلى الولايات المتحدة، وأتبعها بمنع الزائرين من المملكة المتحدة وأيرلندا، ما يجعل القرارات السياسية والاقتصادية المتّبعة حول العالم وطنية الطابع بعدما كانت عالمية، الأمر الذي أغضب الأوروبيين ودفعهم إلى انتقاد ترمب علانية بسبب عدم التشاور معهم قبل اتّخاذ هذه القرارات.

تأثير دائم

وبينما يأمل كثيرون في أن تكون حالة الاضطراب الحالية مؤقتة، إلاّ أنّ بعض الخبراء مثل فيليب ليغرين، مؤسس مركز "أوبن" للدراسات، رجّح أن يكون لأزمة هذا الوباء تأثير دائم، خصوصاً عندما يُعزز ما يجري الآن بعض الاتجاهات العالمية الساعية إلى تقويض العولمة، بل إنها قد توجه ضربة قاصمة لسلاسل التوريد والتجزئة العالمية التي تتخذ الشركات الغربية من الصين مركزاً لها، وتدفع إلى تقليل حركة الانتقال والسفر الكثيفة لرجال الأعمال والمستثمرين والتنفيذيين والمدربين، كما أنها ستوفر بالتأكيد وقوداً سياسياً للعناصر القومية داخل الأحزاب والحكومات وبين السياسيين الذين يفضّلون فرض إجراءات لحماية المنتجات الوطنية وتشديد ضوابط الهجرة.

الصين في مركز الخطر

ويشير خبراء اقتصاديون في واشنطن إلى أن سلاسل التوريد العالمية المتمركزة في الصين وتعتمد عليها الشركات الأميركية والغربية، أصبحت في خطر داهم، لا سيما بعدما تآكلت ميزة تكلفة الإنتاج المنخفضة تدريجاً مع ارتفاع الأجور وازدياد الثراء في البلاد، كما أنّ فرض الرئيس ترمب تعريفات جمركية عقابية على الواردات الصينية عامي 2018 و2019، دفع الشركات الغربية إلى التدافع للبحث عن بدائل سريعة، تجنباً لاستمرار الحرب التجارية بين البلدين.

وعلى الرغم من التوقيع على صفقة تجارية بين واشنطن وبكين في يناير (كانون الثاني)، إلاّ أنّ مخاطر الإنتاج في الصين لا تزال قائمة حتى الآن، وينظر كل من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء إلى الصين باعتبارها منافسة استراتيجية للولايات المتحدة على المدى الطويل، ما يستدعي احتواء التنين الصيني.

وبمجرد أن خفتت الأضواء عن الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، حلّت مأساة "كورونا" التي انطلقت من الصين، ما أدى إلى إغلاق طويل للمصانع في البلاد وخفض الصادرات الصينية بمعدل 17 في المئة خلال شهري يناير وفبراير مقارنة بالشهرين نفسيهما من العام الماضي، كما تعطّلت خطوط إنتاج السيارات الأوروبية وأجهزة هواتف "آي فون" وغيرها من السلع الكهربائية والإلكترونية.

نقطة تحول

وفي حين لا تزال الصين تتمتع بمزايا إنتاجية عدّة، مثل حجم الإنتاج والخدمات اللوجستية الفعالة، فإنّ الأزمة التي ولّدها الفيروس، يمكن أن تصبح نقطة تحول تدفع عدداً كبيراً من الشركات الأميركية والأوروبية إلى تأسيس وتشكيل سلاسل توريد خاصة بها، بل والبدء بالاستثمار في أنماط إنتاجية أكثر مرونة وأكثر محلية.

ويبرز أحد الخيارات المهمة في نقل وتنويع عمليات الإنتاج إلى اقتصادات آسيوية أخرى مثل فيتنام أو إندونيسيا، بينما يتمثل الخيار الثاني في أن تنقل الشركات الأميركية عمليات الإنتاج إلى دول مثل المكسيك وأوروبا الشرقية، أما الخيار الثالث، فهو أن تعتمد الشركات الأميركية على الإنتاج المحلي الأقرب من المستهلك النهائي في الولايات المتحدة، عبر الاستثمار بشكل أكثر في الصناعات المعتمدة على الروبوتات (الإنسان الآلي) والطابعات الثورية الثلاثية الأبعاد.

"كورونا" وأسفار العمل

وتقول مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، إن النتيجة الثانية لأزمة "كورونا" والتي قد تصبح دائمة، تراجع معدلات السفر لرجال الأعمال والتنفيذيين والمدربين وغيرهم، وهو أمر ظلّ أنصار التكنولوجيا يجادلون بأن تطبيقات عقد المؤتمرات والاجتماعات والمناقشات عبر الفيديو ستلغي الحاجة إلى معظم رحلات السفر الخاصة بالعمل، كما ستسمح لكثيرين من الموظفين والإداريين بالعمل من المنزل. ومع ذلك، استمر نمو السفر بغرض الأعمال والمؤتمرات بلا توقف إلى أن انتشر فيروس "كورونا".

ومنذ ذلك الحين، أُلغيت غالبية الرحلات الدولية، سواء كان ذلك بسبب الحظر الذي فرضته الحكومات على السفر، أو بسبب قرارات صادرة من المؤسسات أو نتيجة الحذر الشخصي من رجال الأعمال وغيرهم، كما أن الموظفين والإداريين الذين يمكنهم العمل من المنزل يتزايدون باستمرار.

وبفضل إجراءات إلغاء السفر، قد تكتشف الشركات ومؤسسات العمل الحكومية والخاصة مع استمرار الأزمة بعض الوقت، أنّ الحضور الشخصي وجهاً لوجه في الاجتماعات وإن كان ضرورياً أحياناً، إلاّ أنّ البدائل التكنولوجية تؤدي المهمة أيضاً، كما أنها تختصر الوقت وأقل تكلفة وتفيد الحياة الأسرية، إضافةً إلى أن شركات عدّة ستبرز التزامها بالوعي البيئي عبر حرصها في المستقبل على خفض سفر كبار موظفيها التنفيذيين لأسباب بيئية واقتصادية في وقت يتزايد القلق العالمي من تأثير الانبعاثات الناتجة من الطائرات في المناخ العالمي.

القوميون آتون

وليس هناك شك في أنّ أزمة هذا الوباء، ستصبّ في صالح أنصار السياسات القومية الوطنية، الذين يرغبون في الإسراع بفرض ضوابط لحماية الصناعات الوطنية وتقليص معدلات الهجرة الخارجية باعتبار الأجانب خطراً. وسلّطت سرعة انتشار الفيروس الضوء على تعرّض الأشخاص لتهديدات من الخارج، فالوباء لم ينتشر فقط في مراكز متعددة الأعراق والجنسيات، مثل نيويورك ولندن وباريس، بل امتدّ إلى ضواحي مدينة سياتل في الغرب الأميركي، وإلى رابع أكبر مدينة في كوريا الجنوبية، بل وصل إلى مدن صغيرة في إيطاليا لا يتجاوز عدد سكانها خمسة آلاف نسمة، ما اضطر الحكومة إلى عزلها مع بداية انتشار الفيروس.

وفي الوقت الذي تحدث قادة دوليون بعبارات لطيفة حول الحاجة إلى التعاون الدولي لمواجهة الفيروس، إلاّ أنّ أفعالهم كانت تسير في اتجاه آخر، وفرضت الحكومات الليبرالية قيوداً أكثر شدّة وحزماً على حركة السفر والتجارة من تلك التي فرضها ترمب في ذروة صراعه التجاري مع الصين.

دروس قاسية

وفي ذروة الأزمة العالمية، طفت على السطح نماذج مثّلت دروساً قاسية. فعلى سبيل المثال، كانت جاسيندا آرديرن، رئيسة الوزراء النيوزيلاندية التي تنتمي لليسار، متعجلة في منع الوافدين من الصين دخول نيوزيلاندا باستثناء مواطني البلاد، على الرغم من أن ذلك لا يوفر ضمانة قاطعة بمنع المرض، ولكن هذا الإجراء يمنح شرعية أكبر للذين يرون أن غلق الحدود هو علاج كل مرض.

وفي داخل الاتحاد الأوروبي الخالي من الحواجز حيث السوق موحدة، حظّرت كل من فرنسا وألمانيا تصدير أقنعة الوجه، كما أن جميع دول الاتحاد الأوروبي الـ 26، لم تستجب لطلب إيطاليا العاجل بتقديم مساعدات طبية لها وهو ما كان أمراً صادماً يكشف الليبرالية الدولية والتزام الدول الكبرى، مثل فرنسا وألمانيا بالاتحاد الأوروبي.

الاعتماد على الذات

وفي كل الأحوال، منحت أزمة الفيروس القوميين حول العالم هدية ثمينة، وسادت التصورات عند كثيرين بأنّ الأجانب يشكلون تهديداً، وبأن البلدان التي تعاني أزمات لا يمكنها دائماً الاعتماد على جيرانها وحلفائها المقربين لنيل المساعدة.

ومع تقليص الهند صادراتها من الأدوية المنقذة للحياة التي ينتجها قطاع الصناعات الدوائية الضخم في البلاد، تكون نيودلهي قد منحت الدول المستوردة الأخرى مبرراً قوياً كي تعتمد على نفسها في صناعة جميع أنواع المنتجات محلياً على أسس من الأمن القومي، وقد يدعم ذلك بقوة كل من يعتقد بضرورة وجود حكومة قوية تعطي أولوياتها للحاجات المجتمعية والعمل الوطني على حساب التعاون الدولي.

ونتيجة لكل ذلك، دقّت أزمة "كورونا" مسماراً في نعش العولمة، وبمجرد أن تهدأ حالة الذعر والقلق، فإنّ من يعتقدون أن سياسات الانفتاح والعولمة أمام انتقال البشر والسلع أمر جيد، سيحتاجون إلى الدفاع عن آرائهم بطريقة مقنعة.

المزيد من تحلیل